منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3) تناقضات الأناجيل الأربعة حول قضية “صلب” المسيح.

(3) تناقضات الأناجيل الأربعة حول قضية "صلب" المسيح/ د. مصطفى العلام

0

(3) تناقضات الأناجيل الأربعة حول قضية “صلب” المسيح.

د. مصطفى العلام

 

تتحدث الأناجيل الأربعة وهي المصدر الأساس لقصة ‘الصلب’ عن تفاصيل عديدة ومختلفة. فعند تفحص هذه الروايات نجد كثيرا من التناقضات والاختلافات التي لا يمكن الجمع بينها إطلاقا. فإذا كانت هذه الروايات وحيا كما يدعي النصارى فإنها ستتكامل وستتطابق، لكنها ليست كذلك مما ما يدفع البعض إلا التسليم بكذب بعض هذه الروايات، أو تكذيب رواية ‘متى’ في مسألة، وتكذيب ‘مرقس’ في أخرى، فمن يجب أن نصدق ‘متى’ أو ‘مرقس’ أو ‘لوقا’ أو ‘يوحنا’؟.

ومن هذه التناقضات والاختلافات حول قضية’صلب’ المسيح نذكر ما يلي:

1 -العشاء الأخير: أو عشاء الفصح، وهو الذي حضره المسيح مع تلامذته، وأثناء العشاء تنبأ المسيح عليه السلام بأن تلميذه سيخونه،جاء في إنجيل مرقس ” «هُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يَغْمِسُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ. “[1]، وفي إنجيل يوحنا ” «هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!» “[2].

ويبدو أن توقيت الثلاثة للعشاء صحيح، وأن ‘يوحنا’ قد غير التوقيت،ورأى أن العشاء الأخير كان قبل الفصح، فكيف يتصور اختلاف الأناجيل في موعد العشاء الأخير الذي ودع فيه المسيح تلاميذه قال ‘د بوكاي’: “فكيف يمكن تصور أن التراث الذي نقله نسي زمن هذا العشاء بالنسبة إلى عيد الفصح؟[3].

2- قبل القبض على المسيح عليه السلام: يقول ‘متى’ إن المسيح عليه السلام جاء مع تلاميذه إلى قرية جيستماني،ووافقه ‘مرقس’ وخالفهما ‘لوقا’، وقال إلى جبل الزيتون وتبعه تلاميذه وقال ‘يوحنا’ عبر وادي قدرون بحيث كان هناك بستان.

واتفق ‘متى’ و’مرقس’ على المعنى فيما يتعلق بالقُبْلَة، “أما في إنجيل ‘لوقا ‘فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟» [4]، بدل قوله يا صاحب لماذا جئت؟ وزاد لفظ و الكتبة قبل شيوخ الشعب وزاد الفرسيين، ولم يذكر أن يهوذا قبله ودل عليه،بل قال إنه واقفا معهم، وزاد أن المسيح خرج إليهم وقال لهم: من تطلبون؟ قالوا يسوع الناصري فقال لهم أنا هو رجعوا إلى الوراء” [5] وسقطوا على الأرض، ثم أعاد سؤاله وأعادوا الجواب، ثم قال فإن كنتم تطلبوني فدعوا هؤلاء يذهبون،فالمسيح هو الذي دل على نفسه،إن كان هو الذي قبض عليه، وليس يهوذا.

“وهنا يطرح السؤال إذ كيف لا يعرفون شخصه وهو الناشئ بين أظهرهم والمربى بين جماعاتهم، وكانوا أعرف الناس به أولا، ولا سيما الدال عليه معهم؟” [6].

ذكر ‘لوقا’ أيضا أن بطرس ضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه عند القبض على المسيح،و أن المسيح عليه السلام لمس أذن العبد فأبرأها، لكن بقية الأناجيل تسجل الحادثة دون أن تشير براءة الأذن[7]، في حين يذكر ‘متى’ أن المسيح عليه السلام قال لتلميذه الذي استل السيف مدافعا عنه “أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟[8].

أما بقية الأناجيل لا تذكر شيئا عن هذا القول بما فيها إنجيل ‘يوحنا’ الذي يدعي كاتبه أنه شاهد عيان. وبينما تذكر أناجيل ‘يوحنا’ و’متى’ و’لوقا’ أن المسيح نهى تلميذه عن استخدام السلاح ضد الذين جاءوا للقبض عليه، فإن ‘مرقس’ لا يذكر شيئا عن هذا الموقف، وبينما يذكر ‘متى’ و ‘مرقس ‘ حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا. [9]، فإن ‘لوقا’ و’يوحنا’ لا يذكران ذلك، وبينما يذكر ‘مرقس’ أن شابا تبع المسيح بعض القبض عليه وهو بلا إزار[10]، فإن الأناجيل الأخرى لا تسجل هذه الحادثة. [11]

3- لحظة القبض على المسيح عليه السلام: من الذي ذهب للقبض على المسيح؟ يجيب ‘متى’ “جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء وشيوخ الشعب[12]وزاد ‘مرقس’ بأن ذكر وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ. [13]، فيما ذكر ‘يوحنا’ ” فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّامًا مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ،[14] ولم يذكر أي من الثلاثة مجئ رؤساء الكهنة.

ولو كانوا قد حضروا لما صح إغفال ذكرهم مع الحاضرين، فهم ليس أقل أهمية من الكتبة والشيوخ والدهماء، ف’لوقا’ ذكر أن رؤساء الكهنة جاءوا بأنفسهم للقبض على المسيح إذ يقول “ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَالشُّيُوخِ الْمُقْبِلِينَ عَلَيْهِ “[15]، فالتناقض بين ‘لوقا’ والأناجيل الأخرى واضح وبين في هذا الأمر.

4- بعد القبض على المسيح عليه السلام: اختلفت الأناجيل الأربعة في بسط الثوب الذي بنى عليه الوالي ‘صلب’ المسيح عليه السلام، وكل إنجيل يخالف الآخر وإذا قلنا الوالي فلا يعني أنه لم يجد فيه علة تستوجب الموت قال ‘متى ‘:” ووقف يسوع فسأله الحاكم: أأنت ملك اليهود؟ فأجابه يسوع: أنت قلت وكان رؤساء الكهنة والشيوخ يتهمونه فلا يجيب بشئ [16] وقد وافقه ‘مرقس’.

أما ‘لوقا’ فأثبت ما لم يثبت ‘متى’ و’مرقس’ فقال: وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: «إِنَّنَا وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ، قَائِلًا: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ». فَسَأَلَهُ بِيلاَطُسُ قِائِلًا: «أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَأَجَابَهُ وَقَالَ: «أَنْتَ تَقُولُ».” [17].

4- موقف يهوذا الإسخريوطي: لم تذكر الأناجيل شيئا عن موقف يهوذا حين القبض على عيسى عليه السلام وإيذاء الجند والعبيد والكهنة له غير ما ذكره ‘متى’في هذا الموضوع، حيث ذكر أنه “حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ قَائِلًا: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا». فَقَالُوا: «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!»
فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. [18].

5- محاكمة المسيح عليه السلام: تذكر الأناجيل الأربعة تفاصيل محاكمة المسيح عليه السلام، وتتفق في وصف الكثير مما جرى في أثناء هذه المحاكمة، كاستفسار كبير الكهنة عن الشخص الماثل بين يديه، وإجابته له أن ابن الإنسان عن يمين قوة الله، وأنه سوف يأتي في سحاب السماء [19]، ولكنهم اختلفوا في موعد هذه الجلسة من جلسات المحاكمة، إذ يجعلها ‘لوقا’ صباح الليلة التي قبض عليه فيها فيقول: وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ اجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ الشَّعْبِ: رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ، وَأَصْعَدُوهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ [20].وأما الأناجيل الثلاثة الأخرى فإنها تجعل المحاكمة في ليلة القبض عليه، يقول مرقس ” فمضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة فاجتمع معه رؤساء الكهنة الشيوخ والكتبة”[21]، وتبع ‘بطرس’ المسيح من بعيد ليرى محاكمته، وقد أخبره المسيح في تلك الليلة بأنه سينكره ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك مرتين حسب ‘مرقس’ ” وَصَاحَ الدِّيكُ ثَانِيَةً، فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ لَهُ يَسُوعُ: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». فَلَمَّا تَفَكَّرَ بِهِ بَكَى.” [22]، أما ‘لوقا’:” قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات ” [23]، وقد ذكر الثلاثة خلال القصة صياحا واحدا فقط، خلافا لما زعمه ‘مرقس’ فقد ذكر صياحين للديك وأثناء متابعة ‘بطرس ‘للمحاكمة تعرف بعض الموجودين في المحاكمة عليه وعرفوا أنه من أتباع المسيح عليه السلام، مما اضطر بطرس لإنكار ذلك ثلاث مرات.

فتتفق بذلك الأناجيل في أنه تعرفت عليه في المرة الأولى جارية، وتختلف في تحديد المكان الذي تعرفوا فيه على ‘بطرس’، فيذكر ‘متى’ أنه كان خارج الدار ” أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِسًا خَارِجًا فِي الدَّارِ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ قَائِلَةً: «وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ!» [24]ويؤكده ‘يوحنا’ كذلك.

وذكر ‘مرقس’ و’لوقا’ أنه كان داخل الدار يستدفئ من البرد يقول مرقس ” وَبَيْنَمَا كَانَ بُطْرُسُ فِي الدَّارِ أَسْفَلَ جَاءَتْ إِحْدَى جَوَارِي رَئِيسِ الْكَهَنَةِ.” [25]، ونفس الأمر يؤكده ‘لوقا’ ” وَلَمَّا أَضْرَمُوا نَارًا فِي وَسْطِ الدَّارِ وَجَلَسُوا مَعًا، جَلَسَ بُطْرُسُ بَيْنَهُمْ. ” [26]. وهذا يضعنا أمام إشكالية كبرى هل كان ‘بطرس’ داخل الدار أم خارجها؟.

وأما المرة الثانية فقد تعرفت عليه حسب ‘مرقس’ نفس الجارية التي تعرفت عليه في المرة الأولى، يقول:” فَرَأَتْهُ الْجَارِيَةُ أَيْضًا وَابْتَدَأَتْ تَقُولُ لِلْحَاضِرِينَ: «إِنَّ هذَا مِنْهُمْ!»” [27]، ولكن حسب ‘متى’ فإن الذي تعرف عليه جارية أخرى غير الأولى ” ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى الدِّهْلِيزِ رَأَتْهُ أُخْرَى، فَقَالَتْ لِلَّذِينَ هُنَاكَ: «وَهذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ!»” [28]. ويخالفهما جميعا ‘لوقا’ الذي تعرف عليه هذه المرة رجل من الحضور وليس جارية، فيقول:” وَبَعْدَ قَلِيل رَآهُ آخَرُ وَقَالَ: «وَأَنْتَ مِنْهُمْ!» فَقَالَ بُطْرُسُ: «يَا إِنْسَانُ، لَسْتُ أَنَا!»ا “[29].

ويحاول ‘يوحنا’ الخروج من الخلاف والجمع بين الأقوال المتناقضة للثلاثة الذين سبقوه، فيستعير قصة الإنكار الثالث ‘لبطرس’ حين أشار جمع إليه، فيجعلها في الإنكار الثاني، قائلا: ” وَسِمْعَانُ بُطْرُسُ كَانَ وَاقِفًا يَصْطَلِي. فَقَالُوا لَهُ: «أَلَسْتَ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ تَلاَمِيذِهِ؟» فَأَنْكَرَ ذَاكَ وَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا!».” [30].

فالتعرف عليه ‘ بواسطة ‘الجموع ذكرها ‘مرقس’ و’متى’ في سياق الإنكار الثالث، حيث يقول:” فَأَنْكَرَ أَيْضًا. وَبَعْدَ قَلِيل أَيْضًا قَالَ الْحَاضِرُونَ لِبُطْرُسَ: «حَقًّا أَنْتَ مِنْهُمْ، لأَنَّكَ جَلِيلِيٌّ أَيْضًا وَلُغَتُكَ تُشْبِهُ لُغَتَهُمْ!». فَابْتَدَأَ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: «إِنِّي لاَ أَعْرِفُ هذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَقُولُونَ عَنْهُ!» [31].

وأما ‘لوقا’ و’يوحنا’ فجعلا المتعرف على بطرس في المرة الثالثة رجل واحد، وليس مجموعة من الموجودين في المحكمة، يقول لوقا ” وَلَمَّا مَضَى نَحْوُ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ أَكَّدَ آخَرُ قَائِلًا: «بِالْحَقِّ إِنَّ هذَا أَيْضًا كَانَ مَعَهُ، لأَنَّهُ جَلِيلِيٌّ أَيْضًا!». فَقَالَ بُطْرُسُ: «يَا إِنْسَانُ، لَسْتُ أَعْرِفُ مَا تَقُولُ!». وَفِي الْحَالِ بَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ صَاحَ الدِّيكُ. ” [32]. ويوافق ‘يوحنا’ كلامه، فيذكر أن هذا الرجل أحد عبيد رئيس الكهنة ” قَالَ وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، وَهُوَ نَسِيبُ الَّذِي قَطَعَ بُطْرُسُ أُذْنَهُ: «أَمَا رَأَيْتُكَ أَنَا مَعَهُ فِي الْبُسْتَانِ؟» [33]،فأنكر بطرس أيضا.

فهل الذي تعرف على ‘بطرس’ في المرة الثانية نفس الجارية أم جارية أخرى أم رجل؟ وهل أنكر ‘بطرس’ المسيح في المرة الثالثة بسبب تعرف الجمع على لهجته الجليلية أم بسبب عبد رئيس الكهنة الذي لمح وشاهد ‘بطرس’ في البستان؟

6- حامل الصليب: يقول مرقس ” وَبَعْدَمَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الأُرْجُوانَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجُوا بِهِ لِيَصْلِبُوهُ. فَسَخَّرُوا رَجُلًا مُجْتَازًا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ، وَهُوَ سِمْعَانُ الْقَيْرَوَانِيُّ أَبُو أَلَكْسَنْدَرُسَ وَرُوفُسَ، لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. وَجَاءُوا بِهِ إِلَى مَوْضِعِ «جُلْجُثَةَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ مَوْضِعُ «جُمْجُمَةٍ». “[34].

ويتفق ‘متى’ و’لوقا’ مع ‘مرقس’ في أن حامل الصليب كان المدعو ‘سمعان القيرواني’، ولكن ‘يوحنا’ يقرر شيئا آخر،حيث يقول:” فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ. فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ.
فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «جُلْجُثَةُ»، [35].

وقد كان من المعتاد أن يقوم الذين حكم عليهم بالصلب، بحمل صلبانهم بأنفسهم.

ويقرر ‘يوحنا’ أن هذا كان ما حدث فعلا في حالة يسوع، ولكن على العكس من ذلك نجد في رواية ‘مرقس’ و’متى’ أن شخصا مجهولا يدعى ‘سمعان القيروان’ي هو الذي سخره الرومان لحمل الصليب بدلا من يسوع[36].

7-علة المصلوب: يقول ‘متى’ إنه كان يسوع ملك اليهود، ويقول ‘مرقس’ ملك اليهود، ويقول ‘لوقا’ (هذا ملك اليهود)،ويقول ‘يوحنا’ (يسوع الناصري ملك اليهود)، فليت شعري العنوان الحقيقي الذي كان مكتوبا على الصليب أو فوقه[37].

8- التوقيت الذي كان فيه المصلوب على الصليب: يقول كل من ‘متى’ و’مرقس’ و’لوقا’ أن المسيح كان على الصليب نحو الساعة السادسة، ويعارضهم ‘يوحنا’ في ذلك ويقول إن المسيح لم يكن وقتئذ على الصليب، بل كان في حضرة بيلاطس[38].

9- قول المصلوب على الصليب:قال ‘متى’:” وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟”[39]، ويقول ‘مرقس’ ” وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ [40]، أما ‘لوقا’ فيقول:” وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ: «يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي». وَلَمَّا قَالَ هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ.” [41].

10- حال الرجلين المصلوبين مع المصلوب: يقول ‘متى’ أن المسيح صلب مع لصين، وكان اللصان يعيرانه، وقال ‘مرقس’ إن المسيح صلب مع لصين ولم يذكر أنهما كانا يعيرانه، أو أن أحدهما كان يعيره والآخر يمدحه ويقول ‘يوحنا’ أنهم صلبوه مع اثنين ولم يبين حالهما[42].

11- عيسى في موقعة الصلب: لم يذكر ‘متى’ و’مرقس’ قولا صدر عن المسيح في هذا الموقف، لكن ‘لوقا’ و’يوحنا’ تفردا بأمرين مختلفين، ف’لوقا’ يذكر أن المسيح قد طلب من أبيه المغفرة لصالبيه، وأنه قال لأحد اللصين اللذين صلب أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره إنه – أي اللص- يكون مع المسيح في الفردوس وذلك لأن اللص دافع عن المسيح ضد التهم الصادرة عن اللص الآخر، ثم قال اللص المدافع عن عيسى للمسيح اذكرني يارب متى جئت في ملكوتك، فبشره بهذه البشرى الطيبة. وأما ‘يوحنا’ فإنه عند الصليب الذي صلب عليه المسيح كانت تقف أمه مع بعض النسوة، كما يقف هناك تلميذ المسيح الذي كان يحبه يسوع، فلما رآهما قال لأمه يا امرأة هو ذا ابنك مشيرا إلى هذا التلميذ مكانه في بنوته لمريم، ثم قال للتلميذ: وهذه أمك، ووفى التلميذ بالوصية فمن تلك الساعة أخذ هذا التلميذ مريم إلى خاصته[43].

أما اللحظات الأخيرة في حياة المسيح فتذكرها الأناجيل، وتختلف في وصف المسيح حينذاك، فيصور ‘متى’ و’مرقس’ حاله اليائس القانط ويصرخ:”إلهي إلهي لما تركتني ” ثم يسلم الروح[44].

وأما ‘لوقا’ فيرى أن هذه النهاية لا تليق بالمسيح، فيصوره بحال القوي الراضي بقضاء الله حيث قال:”يا أبتاه في يدك أستودع روحي، ولما قال هذا أسلم الروح “[45]، ويتجنب ‘يوحنا’ وصف مشاعر المسيح ويجعلها آخر كلماته على الصليب، فيقول ” فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ». وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. “[46]، فأي الكلمات كانت آخر كلام المسيح، وأي الحالين كان حاله على الصليب؟.

فالأناجيل الأربعة لم تختلف في مسألة من المسائل كاختلافها في مسألة صلب المسيح وقتله، فلا تكاد جزئية من الجزئيات في أحدها تتحد مع الجزئية نفسها في إنجيل آخر، “ولما كانت هذه الأناجيل من تأليف قوم يدعي المسيحيون لهم الإلهام ويعتقدون خلوها من الخطأ كان ينبغي أن تكون كتابتهم في هذه الحادثة المهمة التي هي مناط النجاة ودعامة الإيمان في نظرهم، متطابقة ومتوافقة، بحيث لا يكون فيها اختلاف أصلا، إذ النفس لا تطمئن إلى الأخذ بروايات إذ اتفقت في موضع واحد من القصة، فإنها تختلف في مواضيع كثيرة، وإذا لم يكن الراوي أمينا كل الأمانة كانت الثقة بروايته ضعيفة والتصديق بها غير صائغ” [47]. فالأناجيل أساءت استخدام الوقائع، وغيرت النصوص المتتابعة، “وكل ذلك جعل الفكر يذهب إلى أن الأناجيل تحوي فصولا ومقاطع ناشئة من مجرد الخيال الإنساني، ولكن هذه الأخطاء لا تبرر الشك بوجود رسالة المسيح لأن الشكوك لا تحوم إلا حول سياقها فقط”[48].

فاختلاف الأناجيل في قضية صلب المسيح واضح لا يحتاج إلى تعليق،ويستطيع القارئ التحقق من ذلك عند قراءة الأناجيل ودراستها دراسة معمقة.


الهوامش

[1] إنجيل مرقس 20:14

[2] إنجيل يوحنا 26:13

[3] موريس بوكاي – القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم -دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة -مطبعة النجاح الجديدة – دار المعارف الدار البيضاء، ط 4 1977 ص:117

[4] إنجيل لوقا 48:22

[5] محمد السعدي – دراسة في الأناجيل الأربعة والتوراة- ط 1 – 1405هـ- 1985 م –دار الثقافة ص: 75

[6] عبد الرحمان بن سليم البغدادي – الفارق بين الخالق والمخلوق – ط 2 1987م مطبعة مورا فتلي مصر – ص: 472

[7] محمد السعدي – دراسة في الأناجيل الأربعة والتوراة -ص 76

[8] إنجيل متى 26: 53-56

[9] إنجيل متى 56:26 , مرقس 50:14

[10] إنجيل مرقس 51:14

[11]محمد السعدي – -حول موثوقية الأناجيل , منشورات رسالة الجهاد 1985 م / ص: 77

[12] إنجيل متى 26/52

[13] إنجيل مرقس 14/43

[14] إنجيل يوحنا 18/3

[15] إنجيل لوقا 22/52

[16] إنجيل متى 23/2

[17] إنجيل لوقا 23/ 2 ـ3

[18] إنجيل متى 27/3/5

[19] إنجيل متى 26-63 / 64 , مرقس 14-61/63 , لوقا 22-67/69

[20] إنجيل لوقا 22-66/67

[21] إنجيل مرقس 14-53 , /متى 26/57 , يوحنا 18/3

[22] إنجيل مرقس 14/72

[23] إنجيل لوقا 22/60 , متى 26/74 , يوحنا 18/27

[24] إنجيل متى 26-69

[25] إنجيل مرقس 14/66

[26] إنجيل لوقا 22-55/56

[27] إنجيل مرقس 14/69

[28] إ نجيل متى 26/71

[29] إنجيل لوقا 22/58

[30] إنجيل يوحنا 18/25

[31] إنجيل مرقس 14-70/71

[32] إنجيل لوقا 22-59/60

[33] إنجيل يوحنا 18-26

[34] إنجيل مرقس 15-20/22

[35] إنجيل يوحنا 19-16/17

[36] محمد شلبي شتيوي – الإنجيل دراسة وتحليل –مكتبة المفتاح، الكويت،الطبعة الأولى 1404ه 1984م، ص: 105

[37] محمد وصفي –المسيح عليه السلام بين الحقائق والأوهام- مراجعة وتقديم علي الجوهري، دار الفضيلة ص: 161

[38] المرجع نفسه،ص 160

[39]. إنجيل متى 27-46

[40] إنجيل مرقس 15 -34

[41] إنجيل لوقا 13-42

[42] أحمد عبد الوهاب –المسيح في مصادر العقائد المسيحية – مكتبة وهبة، الطبعة الثانية 1408هـ 1988م ص:166

[43] محمد شلبي شتيوي – الإنجيل دراسة وتحليل –مكتبة المفتاح، الكويت، ص: 105

[44] إنجيل متى 27/46 – مرقس 15-34/37

[45] إنجيل لوقا 23/ 46

[46] إنجيل يوحنا 19/30

[47] عبد الوهاب النجار –قصص الأنبياء – ص: 433

[48] موريس بوكاي – التوراة والإنجيل والقرآن والعلم –ص: 135

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.