منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقصد تحقيق الأمن والاستقرار المجتمعي (4) مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها الاجتماعي والحضاري

مقصد تحقيق الأمن والاستقرار المجتمعي (4) مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها الاجتماعي والحضاري/ أنيسة بنعيم سحتان

0

مقصد تحقيق الأمن والاستقرار المجتمعي

(4) مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها الاجتماعي والحضاري

أنيسة بنعيم سحتان

 

إن المتأمل والمتدبّر في القرآن الكريم يجد أن الآيات الواردة بشأن ” تحقيق الأمن “ كثيرة جدا، ومتنوعة في مناحيها وأساليب عرضها، وهذه بعض منها:

قال سبحانه :” وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ اِ۪جْعَلْ هَٰذَا بَلَداً اٰمِناٗ”  [ سورة البقرة: الآية 125 ]، أي: أن يكون محفوظا من الأعداء الذين يقصدونه بالسّوء.[1]

وقال جلّ في علاه : “أَوَلَمْ يَرَوَاْ اَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً اٰمِناٗ وَيُتَخَطَّفُ اُ۬لنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمُۥٓۖ أَفَبِالْبَٰطِلِ يُومِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اِ۬للَّهِ يَكْفُرُونَۖ ” [ سورة العنكبوت: 67 ]، أي: يأمن فيه ساكنه من الغارة، والقتل، والسبي، والنهب، فصاروا في سلامة وعافية مما صار فيه غيره من العرب، فإنهم في كل حين تطرقهم الغارات، وتجتاح أموالهم الغزاة، وتسفك دماءهم الجنود، وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب وشياطينها. [2]

وقال جل جلاله:” فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيٰ يُوسُفَ ءَاو۪يٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ اَ۟دْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اَ۬للَّهُ ءَامِنِينَۖ “[ سورة يوسف: 99 ]؛ أي: من جميع المكاره والمخاوف، فدخلوا في هذه الحال السارّة، وزال عنهم النّصب ونكد المعيشة، وحصل السّرور والبهجة. [3]

وقال تعالى:” وَضَرَبَ اَ۬للَّهُ مَثَلاٗ قَرْيَةٗ كَانَتَ اٰمِنَةٗ مُّطْمَئِنَّةٗ يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداٗ مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اِ۬للَّهِ فَأَذَاقَهَا اَ۬للَّهُ لِبَاسَ اَ۬لْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَۖ” [ سورة النحل:112 ]، وهذه القرية هي: مكّة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد… وكانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر، ولكن يسّر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان. [4]

وقال سبحانه:”فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا اَ۬لْبَيْتِ (3) اِ۬لذِےٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٖ (4) وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۖ (5(  “[سورة قريش: 3-5 ]، أي: أن رغد الرزق والأمن من المخاوف، من أكبر النعم الدنيوية، الموجبة لشكر الله تعالى. [5]

وقال عز وجل:” أَتُتْرَكُونَ فِے مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ (146) فِے جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ (147) وَزُرُوعٖ وَنَخْلٖ طَلْعُهَا هَضِيمٞ (148( “[ سورة الشعراء: 146 – 148 ]، وفي هذا: تنبيه على نعمة عظيمة لا يدل عليها اسم الإشارة؛ لأنها لا يشار إليها وهي نعمة الأمن التي هي من أعظم النعم ولا يتذوق طعم النِّعم الأخرى إلا بها. [6]

والآيات في شأن ” الأمن” أكثر ممّا ذكرت -وما ذكرته هنا إنما هو للتمثيل لا الحصر -، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أهمية تحقيق الأمن الذي يعتبر الركن الأساس للاستقرار المجتمعي؛ وهذا مقصد عظيم من مقاصد سنن الله في خلقه.

كما تجدر الإشارة إلى أن تحقيق الأمن لا يقتصر فقط على مستوى الأفراد، وإنما يروم المجتمع ككل؛ لأن طبيعة الحياة تقتضي الاجتماع، ” والمجتمع  هو ما يتشكَّل من تلاقي الأفراد واجتماعهم، الذين تربطهم روابط مصلحية مختلفة، من زواج، وتجارة، وعلم، وخدمة، وغير ذلك من المصالح التي تضطرّ الناس إلى اللقاء والاجتماع. ولما كان عيْش الفرد وحده متعذّرا، أو شاقّا؛ لاستحالة الانفراد بتحقيق مصالحه، والخوف عليه، كان وجود المجتمع ظاهرة مدنية حضارية، تهدف إلى تحقيق التعاون بين الأفراد، والتواصل في تبادل المنافع وقضاء الحاجات. فالإنسان في مأكله، وملبسه، ومشربه، وصناعته، وتجارته، وتعلّمه، والدفاع عن نفسه، في حاجة إلى غيره. وقد أكّد ابن خلدون هذه الحقيقة، وهي أن الاجتماع الإنساني ضروري، وأن الإنسان مدني بالطبع، أي لا بدّ له من الاجتماع داخل المدينة، ويراد به العمران … “[7].

” ولما اقتضت إرادة الله تعالى قيام العمران، وإقامة الاستخلاف في الأرض، أوجد أسباب قيام المجتمعات، وروافد العيش، من أراض، وأنهار ووديان ومروج، وبحار، وحيوان، وجبال، وسهّل للأفراد والجماعات الحركة والاجتماع لتحصيلها لإقامة عيشهم وعمرانهم. وفي هذا الاجتماع البشري، تنشأ الصّلات الاجتماعية من زواج، وبيع، وشراء، وإيجار للمنافع، مما يؤدّي إلى المزيد من الاختلاط، المفضي أحيانا إلى تضارب المصالح، فينشأ عنه التّغالب، المؤدّي إلى الخصام والبغي..” [8].. قال تعالى:  [ سورة ص: الآية 23 ]، يقول صاحب التحرير والتنوير:” والسبب في ذلك من جانب الحكمة أن “وَإِنَّ كَثِيراٗ مِّنَ اَ۬لْخُلَطَآءِ لَيَبْغِے بَعْضُهُمْ عَلَيٰ بَعْضٍ اِلَّا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ اُ۬لصَّٰلِحَٰتِۖ وَقَلِيلٞ مَّا هُمْۖ “ الدواعي إلى لذّات الدنيا كثيرة، والمشي مع الهوى محبوب، ومجاهدة النفس عزيزة الوقوع، فالإنسان محفوف بجواذب السيئات، وأما دواعي الحق والكمال فهو الدّين والحكمة، وفي أسباب الكمال إعراض عن محركات الشهوات، وهو إعراض عسير لا يسلكه إلا من سما بدينه وهمته إلى الشرف النفساني، وأعرض عن الداعي الشهواني، فذلك هو العلّة في هذا الحكم بالقلّة “[9].

” ومعلوم أنّ اجتماع الناس وتلاقيهم سنّة كونية، وظاهرة مدنية، وغاية إنسانية، وحاجة فطرية، وضرورة اجتماعية؛ لتعذّر عيش الفرد وحده، وقضاء حاجاته ومصالحه بمفرده. ولما كان الاجتماع لا مفرّ منه ولا محيص عنه، وكانت النفوس متباينة في السّلوك والمناقب، مختلفة في الطبائع والرغائب، متهافتة على المصالح والمنافع، كانت عرضة للتنازع والتظالم، مما ينشأ عنه الخصام والشّجار المؤدّي في الغالب إلى التّنافر والانقسام، وغير ذلك مما يتنافى ومقاصد الاجتماع “[10].

” من هنا كان حفظ أمْن الكيان الاجتماعي من التفكّك والانحلال، من المقاصد الدّينية الكلّية التي جاء القرآن بتأمينها إيجادا وإبقاء، وتكون محفوظة بحفظ الأواصر الاجتماعية، كآصرة النكاح، وآصرة القرابة، وآصرة الصّهر…” [11]

 وخلاصة ما سبق؛ أنّ من مقاصد السنن الإلهية تحقيق الأمن المؤدي إلى الاستقرار، لذا كان حفظ الأمن الاجتماعي من أسباب استقرار المجتمع وكذا استمرار الحياة الطبيعية وقيام الإنسان فيها بدور الاستخلاف على أتم الوجوه.


[1]  تفسير المنار، محمد رشيد رضا ( 01 / 38 ).

[2]  فتح القدير الجامع بين فنّي الرواية والدراية من علمي التفسير، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط:2، 1383 ه / 1963 م ( 05 / 454 ).

[3]  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان المنّان، للسعدي، ص: 405.

[4]  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان، للسعدي، ص: 451.

[5]  المصدر نفسه، ص: 935.

[6]  تفسير التحرير والتنوير: محمد الطّاهر ابن عاشور، ( 19 / 182 ).

[7]  مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ولي الدين، المحقق، عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، ط: 1، السنة: 1425ه-2004. ، ص: 38.

[8]  المصدر نفسه، ص: 39.

[9]  تفسير التحرير والتنوير: محمد الطّاهر ابن عاشور، ( 23 / 136 ).

[10]  مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة، عبد المجيد النجّار، ص: 157.

[11]  مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر ابن عاشور، ص: 151.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.