منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كُنَّاشُ الآخرة “قصة قصيرة”

كُنَّاشُ الآخرة "قصة قصيرة" / لحسن شعيب

0

كُنَّاشُ الآخرة “قصة قصيرة”

بقلم: لحسن شعيب

 

في إحدى الدواوير النائية بتارودانت، وعلى الساعة السابعة صباحا كلَّ يومٍ، يفتح ابراهيم حليمي دكانه الصغير “البركة” لبيع المواد الغذائية؛ يُلقِم آلة التسجيل أولا شريطا للمقريء عبد الباسط عبد الصمد، يفتتح به يومه تبركا واستمطارا لأرزاق واسعة، ويُعِد براد شاي يتناول منه كأسا أو اثنين، ثم يرتشف منه كل ساعة، حتى يرتشف آخر قطرة قبيل إغلاقه على الساعة التاسعة ليلا. بعد الشريط القرآني، يحب الاستماع لأغنيته المفضة الأمازيغية “أمي الحنونة” لمجموعة إزنزارن، هذه الأغنية تذكره بأمه حليمة التي رحلت قبل خمس سنوات، وكان لكلماتها تأثير قوي على قلبه، حتى إن عينيه دمعتا أكثر من مرة، وهو يردد مع الشريط “طَحَنَت الزرعَ وجمعت الحطب وسقت الماء في القر والحر…”.

حانوت ابراهيم هو الوحيد في الدوار، لذلك يوجد به كُلُّ شيء: المواد الغذائية، اللحوم الحمراء والبيضاء، وأحيانا الأسماك، بعضُ العقاقير الطبية، البنزين والـڭازوال، كما يوجد لديه رَفٌّ خاص بالأقلام والدفاتر والكتب، يزدهر عند بداية كل موسم دراسي؛ كما يبيع أيضا للمتزوجين عوازل طبية يلُفُّها في جريدة متهالكة، ويدسها إليهم كأنه يبيع مادة ممنوعة، وكانت بينه وبين الراغبين بها إشاراتٌ وعباراتٌ متفقٌ عليها تجنبا لإحراج زبائنَ آخرين قد يكونون في المكان أثناء طلبها.

ورغم أن حانوته هو الوحيد في الدوار، فإن ابراهيم كان يقنع بهامش صغير من الربح، ويُمهل من لا يستطيع الدفع، عملا بوصية أمه المرحومة، حتى إنه رفض كل مقترحات سمير ابن جاره المجاز في الاقتصاد بزيادة الثمن على الذين لا يؤدون في الحين، وبتعليق لافتة تمنع التبضع بدون نقود، كان يرى تجارا كثيرين يعلقونها في واجهات محلاتهم في مدينته الجامعية بأڭادير؛ قال له ابراهيم: “إذن تريدني أن أُغلِق المحل، أغلبُ المتبضعين زوجات الجنود ورجال التعليم، وهم يؤدون والحمد لله بداية كل شهر، فلماذا نضيق عليهم؟ علينا أن نساعد الناس حتى يساعدنا الله”، كلماتٌ لا تُطرِب كثيرا خريج الاقتصاد ذاك، الذي كان يحسِب كل شيء بالنقطة والفاصلة.

يرتدي إبراهيم بلوزة زرقاء عليها علامة تجارية لزيت من زيوت المائدة، يغيرها حين تتسخ بأخرى بيضاء تحمل علامة هي الأخرى لماء معدني طبيعي، وكان لا يُرى إلا بواحدة منهما. كما كان يُعَلق قلم حبر أسود على أذنه اليمنى، يستعمله لتدوين المشتريات مرتين، الأولى في كناشه الكبير الأخضر، والثانية في مذكرة صغيرة يُحضرها معهم المتبضعون. وكان كناشُ ابراهيم مرتبا ترتيبا جيدا: في أعلى الصفحة اسم العائلة، وتاريخ بداية الشهر، وتحت الاسم مباشرة قائمة المشتريات وثمنها، وفي ذيل الصفحة في الوسط مربع صغير، يدون فيه المبلغ الإجمالي للشهر. وكان ابراهيم مرحاً، محبوبا من أهل الدوار كلهم، ولم يُرَ غاضبا إلا مرة واحدة فقط.

كان إبراهيم خفيف الروح وخفيف الحركة معا، يتنقل بين رفوف دكانه مثل فراشة جميلة، ويحضر ما يطلبه الزبائن بسرعة مذهلة، ويعرف مكان كل شيء وبأدق التفاصيل، لذلك لم يكن بحاجة لمساعد. وكان ممتازا في الحساب، ونادرا ما يخطئ، ولا يحتاج لاستعمال الآلة الحاسبة؛ كان يستعمل ذهنَه فقط لحساب الأرقام الصغيرة، والقلم المعلق على أذنه لحساب الأرقام الكبيرة. وفي نهاية كل شهر، يجمع الحساب، وعند الأداء يشطب كل ما في الصفحة، ويكتب بخط واضح كبير أسفلها “خالص”، وإن لم يُؤَدَّ له، ينقل مجموع ما في الحساب لصفحة جديدة بداية الشهر. وإلى جانب الكناش الأخضر، كان لابراهيم كناش أصفر خاص، يحفظه بعناية في دولاب خاص، وكان لا يُخرجه إلا نادرا، يدون فيه بسرعة، وبقلم أحمر، ثم يعيده إلى مكانه، وكان كلما نظر فيه أطلق زفرة حارة عميقة، ورفع عينيه وسبابته إلى السماء، وتمتم بكلمات، ثم مسح على وجهه بيديه.

وذات يومٍ، وفي وقت من أوقات الذِّروة، وقف كهلٌ أربعينيٌّ أمام دكانه، ومَدَّ يَده مصافحا ابراهيم بحرارة؛ تفرس البقال في الرجل أمامه محاولا تذكره، لكنه لم يَهْتَدِ لشيء. أخبره الرجل بأن عليه ديناً أتى لسداده؛ طلب منه إبراهيم أن يعود بعد ساعة حتى يبحث عن الصفحة التي تخصه في كناشه الأخضر. بحث ابراهيم طويلا في كناشه عن “رشيد الوزاني”، لكنه لم يجد شيئا. همس لنفسه: “كيف يُعقل ألا أكون قد سجلتُ دين هذا الرجل؟”. لم يُخرجه من تساؤلاته إلا صوتُ أحدِ الأعيان في القبيلة، عاد لتوِّه من الحج.

– حمدا لله على سلامتك عمي أحماد، عفوا عمي الحاج. ماذا أحضرت لي معك؟ سبحة؟ طاقية؟ عطر؟…

– مرحبا إبراهيم، كل ما طلبتَه موجود، لكن دعنا ننظر للكناش أولا..

فَرَك إبراهيم يديه، وهو يبحثُ عن الصفحة المدون بها حساب عمي أحماد، وكان مِمَّنْ يماطلون في الأداء. الرجل عاد من الحج، ولا بد أنه جاء يؤدي دينه، هكذا حدث إبراهيم نفسه.

– بكم أنا مدين لك؟

– ب 2750  درهما السي الحاج..

– طيب، أين يوجد اسمي في هذا الكناش؟

– ها هو ذا في الأعلى، وهذا هو مجموع الحساب هنا في الأسفل كما ترى..

– حسنا ابراهيم، ماذا كتبتَ؟ اسمي أو كنيتي؟

– الاثنان معا، كتبتُ هنا أحماد الهواري..

– إذن أضف أمام اسمي لقبي الجديد. اكتب هناك: الحاج أحماد الهواري..

ألقى الرجل طلبه وتبخر، تاركا ابراهيم مشدوها فاغرا فاه، لم يفهم شيئا. وحتى لا يرتكب حماقة من شدة غضبه، أقفل حانوته، وذهب إلى بيته. ودخل غرفة نومه وأغلق دونه بابه.

لم يوقظه إلا أذان العصر، تذكر حديث فقيه الدوار عن الغضب وأن الوضوء يطفئه، فقام وتوضأ وتوجه إلى المسجد. وبعد أن سلم من صلاته، كان على يمينه ذلك الكهل الأربعيني، الذي طلب منه العودة بعد ساعة، لقد أنساه “الحاج” أحمد الهواري أمر رشيد الوزاني. مد الرجل يده وصافح ابراهيم، وأخبره أنه عاد إليه بعد ساعة كما طلب منه، ووجد دكانه مغلقا، ورغم أنه كان مسافرا، فقد قرر أن ينتظر.

خرج الرجلان من المسجد، ومشيا معا صامتين حتى وصلا إلى الدكان. فتح إبراهيم دكانه، ودلف إلى الداخل، وأخرج كناشه الأخضر.

– قلتَ لي رشيد الوزاني، أليس كذلك؟

– نعم نعم، أنا مدين لك بمبلغ يفوق خمسمائة درهم، لكنه دون الألف، لا أذكر كم بالضبط..

– حسنا، الكناش لا يخطيء ولا ينسى يا رشيد..

قَلَّبَ صفحات كناشه يمنة ويسرة، وقلبها مرة واثنتين وثلاثا، لكنه لم يجد الاسم.

– هل أنت متأكدٌ أن بذمتك حسابا لي؟

– نعم متأكد تماما مثلما أنا متأكد أن هذا هو محل البقالة الذي كنت أتبضع منه، وأنك صاحبه..

– طيب، أخبرني هل هو دين قديم؟

– نعم، قديم جدا، عجبتُ كيف أنك لم تذكرني، لقد كنت معلما بدواركم هذا قبل عشر سنوات، ثم إنني انتقلت إلى بلدتي في الريف، ولم أتمكن من تسديد ديني، كما لم يكن عندنا يومها هاتف للاتصال، لكني متأكد من وجود حساب قديم عَلَيَّ هنا..

– اعذرني، لكني لم أتذكرك جيدا، المعلمون يأتون ويذهبون..

– لا عليك سي إبراهيم، ما أكثر الشواغل المُلهِيات المُنسِيات..

– قلتَ لي بأنه مضى على ذلك أكثر من عشر سنوات؟

– نعم، عشر سنوات أو أكثر..

فتح إبراهيم دولابا موجودا في زاوية من دكانه، وأخرج كُنَّاشاً أصفر من هناك، فتحه، وقَلَّب الورقة الأولى والثانية، وفي الثالثة كان هناك اسم رشيد الوزاني، وأمامه عبارة بخط كبير تقول: “755 درهما، يؤديها في الآخرة”. اندهش الرجل واستفسر متعجبا. فقال له ابراهيم:

– هذا كناش الآخرة يا رشيد، أدَون به كل الديون تأخر أصحابها في أدائها، أو رفضوا الوفاء بها في الدنيا. وقد اخترته أصفر، لأنه هو لون الخريف، والخريف هو الموت. أما كناش الدنيا، فاخترته أخضر، لأن الدنيا حلوة خضرة كما سمعت من إمام مسجدنا. وحين يمر عامٌ واحدٌ على دين في الكناش الأخضر، أنقله إلى الكناش الأصفر. ودينُك مرت عليه عشر سنوات..

– الحمد لله أنني جئت لأؤدي ما بذمتي في الدنيا، لأن حساب الآخرة عسير..

– طبعا، الحساب هناك بمثقال ذرة… هل تعرف لماذا وجدتَ دكاني مغلقا حين عدتَ؟

– لا أدري..

– لقد أغلقتُ الدكان، لأن أحد أكابر دوارنا جاءني بعد انصرافك مباشرة، وظننتُ أنه يريد أداء ما بذمته لي، لأكتشف أنه إنما جاء يضيف لقب “حاج” إلى اسمه المدون في كناشي، ولم يأبه أبدا أنني شَطَبْتُهُ من الكناش الأخضر، كناشِ الدنيا، وأثبتُّه في الكناش الأصفر، كناش الآخرة”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.