منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شرف التلمذة: بستان شيّق للمتعة والمعرفة

شرف التلمذة: بستان شيّق للمتعة والمعرفة/ د.عبد القادر الدحمني

0

شرف التلمذة: بستان شيّق للمتعة والمعرفة

د.عبد القادر الدحمني

 

وأخيرا طالت يدي كتاب الأستاذ عبد الهادي المهادي “شرف التلمذة”، فختمت به سنة 2021 في يومها الأخير، وافتتحتُ به سنة 2022 في يومها الأول، كتاب يَعِدُ قارِئَهُ بدءًا من فهرسته، وإهدائِهِ، بفسحة جمالية متنوعة، وبلمسة متمرّسة في التعاطي مع اللغة، تشرئب بِعُنُقِها بدءًا من عناوين “التجميعة” الطّيبة للنصوص والمقالات.

منذ مقدمة الكتاب، يحضر سؤال القدرة على ربح رهان الكتاب، وهو تجميع عدة نصوص ومقالات ومكتوبات، تم التصريح في تقديم الكتاب وكذا مقدمته، بأنها تدخل ضمن مسألة التلمذة والتعلُّم، وهو دأب عدد من الكتاب والعلماء والأدباء، في الحديث عن معلميهم وأساتذتهم ومن له الفضل عليهم، في مساراتهم العلمية والحياتية بشكل عام.

وأعتقد أن مسألة الانسجام العام بين المكتوبات رهان صعب غير يسير، ليس من جهة تنوع المضامين والمجالات المطروقة، وإنما من جهة طبيعة الكتابة ذاتها، وخصائص الأجناس الكتابية التي تم توظيفها في الكتاب.

ولا بد في هذا الصدد من الإشارة إلى اللغة المتينة التي يكتب بها الأستاذ عبد الهادي المهادي، والتي تظهر بجلاء امتلاكَهُ مَلَكَةً تعبيرية رصينة، ومُكْنَة لغوية متينة ومتمرسة بمختلف أشكال الكتابة، رغم أنها لا تخفي شغفها بلغة السرد وانتحاءَها نحوَه في أغلب النصوص، وهو الأمر الذي أضفى على الكتاب متعة حقيقية، إضافة إلى حسن طرق الموضوعات، وطرافة تنوُّعها.

ويمكن الإشارة إلى ثلاث خصائص مميزة لنصوص الكاتب ومقالاته، إضافة إلى جمالية اللغة لفظا وبناءً، وحسنِ الطّرق وذكاء التصريف:

الوضوح والمنطق المتماسك:

وهو ما يسم الكتابة بالصدق، ويجعلها تخاطب في المتلقي عقله، وتحترم إمكانياته التأويلية وتساؤلاته، بمعنى أن الكتابة في “شرف التلمذة” تأخذ بعين الاعتبار ذكاءَ المتلقي وأسئلتَه وهواجسَه، وهي كتابة تعلن أهدافها بقوة وثقة، وتخاطب العقل بتماسكها المنطقي، بقدر ما تخاطب الوجدان برقة عباراتها وصورها المحبوكة، كل ذلك في اتزان وإخراج لطيف لكاتب ذوّاق يعرف كيف يقدّم أطباق نصوصه بدون ابتذال ولا تعسّف.

  • الموسوعية والواقعية:

ينم كتاب “شرف التلمذة” عن اطلاع موسوعي جيد، وهو ما يجعل الكتاب بمثابة نوافذ متعددة للإطلالة على مجالات ثقافية وفنية وسياسية وفكرية مختلفة، وهو الأمر الذي يعمّق طروحات الكتاب، ويفتحها على أفق كوني شاسع، من خلال عديد الإطلالات النبيهة على الثقافة الغربية، مع الاستناد الواعي إلى ذخيرة التراث العربي، كل ذلك، وفق رؤية توطِّئُ لنفسها واقعيا، من خلال الانخراط غير المتردد للكتاب في مجموعة من النقاشات السياسية والشبابية، والإشارة في نفس الآن في حظ الكاتب من المشاركة، ونسبه الميداني فيها، مع الإفصاح في نفس الوقت، عن ملاحظاته وأحكامه الخاصة، بعيدا عن أي ارتهان يستصنم الذات الفردية أو الجماعية.

  • الاعتراف والتواضع:

يرسخ الكتاب أمرا هاما بدأ الكل يشتكي من غيابه ومن تراجع ثقافته، وهو فضيلة الاعتراف، وهي ميزة أخلاقية لا يتشبث بها إلا الكبار: من سَمَتْ نفوسُهُمْ فوق ابتذال الادّعاء، وارتقت إلى النبل الإنساني المعترِف بفضل الآخرين، والمؤمن بالطابع التراكمي للمعرفة، وللتجربة الإنسانية بشكل عام، وهو ملمح يفصح عن إرادة واعية، ترفض السقوط في تمجيد القواقع الفكرية والثقافية، وترفض تنصيب “الأنا” مبتدأ المعرفة والفهم ومنتهاهما. وأنّى لمن يزيغ إلى هذه المهاوي أن يتقبّل الآخر، ويطمح إلى عيش مشترك معه، بله أن يسعى إلى تعاون وتظافر. وكتاب الأستاذ المهادي، لَبِنَة في مسار تثبيت قيمة التواضع المطلوب للارتقاء الفكري والعلمي والإنساني، وهو تواضع يجعل الذات لا تستغني أبدا عن مقام التلمذة، ولا تستعلي بكسب معرفي مهما بلغ، ولا تركب هودج غرور ووهم “أستاذية” لا يقنع به إلا محروم.

وأعتقد أنه لا يُنقِصُ من قدر الكتاب شيئا أن نشير إلى أن تضمين بعض المقالات السياسية “الجافة”، ذات الطبيعة السياسية والقانونية والإدارية الصرفة، قد شوّش بعض الشيء على انسجام نصوص الكتاب من الناحية الفنية والجمالية، وأعني المقال حول “أوطم” أساسا، وإن كان يمكن تبريره بكون الجامعة من أعظم محطات التلمذة والتعلُّم، ومثلها محطة عشرين فبراير وخلاصاتها. ولكن الجميل في الكتاب، الذي غطّى على هذه الثلمة الصغيرة في رأيي، هو توسيع مفهوم التلمذة، على نهج بعض المتصوفة، وهو منحى متفرد ويفتح أفقا خصبا لمعنى التتلمذ، دون أن يتنازل عن مركزية الإنسان/المربي/ المعلم/المصحوب/القدوة… في العملية التربوية التعليمية، التي لا يوجد أخطر منها أبدا. وهي الفكرة التي تجعل مفهوم التلمذة مفتوحا، وتجعل الأساتذة، يتعدّون العناصر البشرية إلى مجالات، وكتب، وحوامل ثقافية، ومحطات نضالية، ومواقف إنسانية مختلفة، بحيث يصبح الكون كله ورشة للتعلم والإفادة، وكتابا مفتوحا للتعلم والنظر والاعتبار.

سيسافر القارئ، وهو يتنقل بين نصوص الكتاب وفصوله الثلاث، بين مدارات فكرية وثقافية وروحية وإنسانية خصبة، وستتسلل إلى عقله وفؤاده أسئلة وخواطر وأفكار شتى، وقد يذرف دمعا ذات نصٍّ كما حصل معي، وكل ذلك، سيذكي بلا شكٍّ، ولعل هذه خاصية أخرى للكتاب، نَهَمَه إلى القراءة وشَغَفَهُ بالمعرفة والتَّتَلْمُذ.

فشكرا جزيلا سيدي عبد الهادي المهادي، على المائدة الدسمة، والأطباق المتنوعة، ومهارة خلطة التوابل، وبراعة التقديم، وكرم الحفاوة والترحيب.

وها قد عوّدتنا فلا تتأخّر عنّا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.