منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دلالات لفظة “المسيح” في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام

0

 

ورد لفظة” المسيح” التي تطلق على نبي الله عيسى ـ عليه السلام ـ بمعاني ودلالات مختلفة في اليهودية والمسيحية والإسلام، وداخل الديانة نفسها. و حملت هذه المعاني والألفاظ حمولات فكرية كرست نظرة هذه الأديان لنبي الله عيسى بن مريم. فما هي دلالات ومعاني لفظة ” المسيح ”  في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام؟

لفظة” المسيح” في الديانة اليهودية

“المسيح” لغة: عُرِفَتْ عادة المسح بالزيت أو الدهن المقدس في التراث اليهودي والمسيحي، باعتبارها علامة تقديس وتكريس للآلهة. وكان هذا المسح أو الدهن يقصد به ثلاث معاني:

المعنى الأول: دهن الرؤوس بالدهون العطرة أيام الأعياد والأفراح وهو مسح عادة، كما جاء في سفر ‘المزمور’(تُرَتِّبُ قُدَّامِي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِيَّ. مَسَحْتَ بِالدُّهْنِ رَأْسِي. كَأْسِي رَيَّا) [1]. وفي موضع آخر من سفر ‘المزمور’ دائما (وَتَنْصِبُ مِثْلَ الْبَقَرِ الْوَحْشِيِّ قَرْنِي. تَدَهَّنْتُ بِزَيْتٍ طَرِيٍّ) [2]. كما يترك هذا التدهن بالطيب كعلامة على الحزن، كما أشار إلى ذلك سفر’صموئيل’ (تَظَاهَرِي بِالْحُزْنِ، وَالْبَسِي ثِيَابَ الْحُزْنِ، وَلاَ تَدَّهِنِي بِزَيْتٍ، بَلْ كُونِي كَامْرَأَةٍ لَهَا أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ وَهِيَ تَنُوحُ عَلَى مَيْتٍ) [3].

المعنى الثاني: مسح بعض أدوات العبادة وأماكنها مثل خيمة الاجتماع وتابوت الشهادة والمذبح وأواني المقدس وغيرها وهو مسح عبادة، كما أشار إلى ذلك سفر”الخروج” (وَتُقَدِّمُ ثَوْرَ خَطِيَّةٍ كُلَّ يَوْمٍ لأَجْلِ الْكَفَّارَةِ. وَتُطَهِّرُ الْمَذْبَحَ بِتَكْفِيرِكَ عَلَيْهِ، وَتَمْسَحُهُ لِتَقْدِيسِهِ) [4]. وفي موضع آخر من نفس السفر(وَتَصْنَعُهُ دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ. عِطْرَ عِطَارَةٍ صَنْعَةَ الْعَطَّارِ. دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ يَكُونُ. وَتَمْسَحُ بِهِ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ، وَتَابُوتَ الشَّهَادَةِ) [5]..

المعنى الثالث: مسح الملوك،حيث نجد في سفر ”صموئيل” ( فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ قِنِّينَةَ الدُّهْنِ وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَقَبَّلَهُ وَقَالَ: «أَلَيْسَ لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ مَسَحَكَ عَلَى مِيرَاثِهِ رَئِيسًا؟)[6]. وفي موضع آخر من نفس السفر (فَأَخَذَ صَادُوقُ الْكَاهِنُ قَرْنَ الدُّهْنِ مِنَ الْخَيْمَةِ وَمَسَحَ سُلَيْمَانَ. وَضَرَبُوا بِالْبُوقِ، وَقَالَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: «لِيَحْيَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ»).[7]                                           والمسح في المعاني الثلاثة السابقة يكون بزيت خاص وبواسطة شخص معين وبطريقة خاصة.

ـ “المسيح” اصطلاحا: ففي “معجم الحضارات السامية” جاء أن «المسيح ترجمة للكلمة العبرية “ماشياح” ، والآرامية السريانية “مشيحو”، ومعناها الممسوح بالزيت، أي الإنسان المكرس بالمسح بالزيت، وفي العهد القديم كان رئيس الكهنة والَملِكُ يمسحان بالزيت المقدس فَيُكرَّسَانِ بذلك للرب وتحل عليهما روحه. وفي العهد الجديد أطلق لقب المسيح على يسوع الناصري بمعنى أنه مسيح الرب الذي تنبأ الأنبياء بمجيئه لخلاص العالم».[8] نأخذ تعريفا اصطلاحيا آخر عرفه به ”عبد الوهاب المسيري” حيث لخص هذا المعنى الاصطلاحي في موسوعته بقوله «”ماشيَّح” كلمة عبرية تعني المسيح المخلص ومنها  “مشيحيوت”  أي “المشيحانية” وهي الاعتقاد بمجيء “الماشيّح”، والكلمة مشتقة من الكلمة العبرية “مشح” أي “مسح “بالزيت المقدس. وكان ‏اليهود على عادة الشعوب القديمة يمسحون رأس الملك والكاهن بالزيت قبل تنصبيهما علامة على المكانة الخاصة الجديدة ‏وعلامة على أنّ الروح الإلهية أصبحت تحل فيهما»[9].

ويتضح مما سقناه من تعريفات اصطلاحية أن المسيح يطلق على كل شخص خضع للمسح المقدس بالزيت المقدسة من قِبَلِ الكاهن الأعظم أو خادم المعبد بهدف تبريكه وإضفاء طابع القداسة عليه أو بهدف شفائه من عاهات وأمراض ألمت به.

ـ لفظة” المسيح” في الديانة المسيحية

فإذا كان الخلاص في الفكر الديني اليهودي يعني الإنقاذ والنجاة من وضعية مرتبطة بالضيق والشدة عاشها اليهود عبر تاريخهم الطويل، فإن لفظة الخلاص هي لفظة مسيحية بامتياز ارتبطت في الوجدان المسيحي بالمسيح المخلص الذي سيخلص ـ حسب زعمهم ـ  البشرية من ذنوبها وآتامها ويكون فداء لها.

المسيح بمعنى المخلص: وردت كلمة ‘خلاص’ في عدة مواضع نذكر منها:

ـ فعندما كان تلامذته في القارب وهم في رعب شديد ( فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ، نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ) [10]. والخلاص هنا الذي طلبه التلاميذ من السيد المسيح جاء بمعنى النجاة والإنقاذ من مخاطر الحياة.

ـ أما المرأة الخاطئة التي دهنت رجليه بالطيب فقد خاطبها يسوع قائلا(فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ»). [11] ومعنى الخلاص هنا هو الإنقاذ من الخطيئة.

وقد وردت كلمة الخلاص «في العهد الجديد فقط مائة مرة ، منها أربعة عشر مرة عن الشفاء من المرض وإخراج الشياطين وعشرين مرة من الإنقاذ من الموت والمخاطر، وست ستين مرة بالمعنى الروحي»[12].

وقد جاء معنى الخلاص بمعنى الشفاء من المرض وإخراج الشياطين، وكذلك بالمعنى الروحي للكلمة. وأصبح مصطلحا في الفكر الديني المسيحي يَنْصَبُّ على الخلاص من الخطيئة وأثارها وما يترتب عليها فيحظى الخطاة بالطهر والتقديس والمصالحة مع الله ويتمتعون بالحياة الأبدية، كما أشار إلى ذلك ” عوض سمعان ” فإنه يتم «تطهيرهم وتقديسهم ومصالحتهم مع الله وتمتعهم بالحياة الأبدية»[13]. إن هذا التطهير والتقديس والخلاص من الخطايا لا يتم إلا عن طريق موت المسيح كما جاء في رسالة ”بولس” إلى أهل “رومية” (الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ.) [14].

فالخلاص إذن في الفكر الديني المسيحي أصبح مرهونا بالسيد المسيح الذي سيأتي ليكفر عن خطيئة آدم ـ عليه السلام ـ التي ورثها لذريته واستحقوا بذلك جميعا عليها الموت. ولأن الأعمال الصالحة لا تفي بحق الله في التكفير عن هذه الخطايا أصبح السبيل الوحيد للحصول على ذلك هو موت المسيح على الصليب تكفيرا عن هذه الخطايا.

ـ معاني أخرى لكلمة مسيح: تُعَرِّفُ ‘دائرة المعارف الكتابية المسيحية’ هذه الكلمة “مسيح” تعريفا مقاربا لما أشرنا إليه سابقا في تعريف هذه الكلمة في الفكر الديني اليهودي بالقول «إن المسح بالزيت أو الدهن عادة قديمة منذ عصور التاريخ المبكرة… وكان دهن المسحة يستخدم لمسح بعض الأشخاص لتقديمهم لخدمة معينة من الرب، وكلمة”المسيح” معناها:الممسوح من الله… والمسيح هو” المسيا” لم يستخدمها يسوع أبدا في تعليمه»[15]. وعلى الرغم من هذا التقارب في تحديد مصطلح “مسيح” بين الفكرين الدينيين اليهودي والمسيحي فإن كلمة ”مسيح” لم يستعملها ”يسوع” نفسه وإنما ارتبطت عند الطوائف المسيحية بمصطلحات أخرى حملتها لنا النصوص الدينية الإنجيلية:

ـ المسيح بمعنى “الِمسِيَّا”: وهذا المصطلح أي “المسيا” لم يذكره المسيح عيسى ـ عليه السلام ـ إطلاقا وإنما جاء على لسان الآخرين كما ورد في إنجيل “يوحنا” (هذَا وَجَدَ أَوَّلاً أَخَاهُ سِمْعَانَ، فَقَالَ لَهُ: «قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: الْمَسِيحُ.) [16]. وأيضا في نفس الإنجيل (قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسِيَّا، الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ، يَأْتِي. فَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُخْبِرُنَا بِكُلِّ شَيْءٍ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكِ هُوَ».) [17]. جاء هذا الوصف على لسان المرأة السامرية كما ذكر ”يوحنا” في إنجيله.

فعلى الرغم من أن لفظة “المِسِيا” أصلها عبري ووردت في العهد القديم كما رأينا وتحمل معنى “المخلص الملكي” إلا أن علماء المسيحية أنفسهم دائما يوظفون هذا المعنى ليتطابق مع المسيح عيسى ـ عليه السلام ـ وبذلك خلطوا بين كثير من المعاني وحاروا وتخبطوا حول المعنى الحقيقي ‘للمِسِيا’. والغريب في الأمر أن بعض علماء المسيحية ظلوا متمسكين بهذا اللفظ “المسيا” ويعتبرونه مرادفا لكلمة المسيح، مع العلم ـ وكما يرى “جمال الشرقاوي” «أن الجذر اللغوي للكلمتين مختلف تماما ولا يوجد دليل لغوي واحد يؤكد ذلك التحول»[18]. وكذلك فإن كلمة “مسيا” لم تذكر في أسفار العهد القديم والجديد إلا أربع مرات فقط.

ـ المسيح بمعنى ابن الإنسان: ورد لفظ “ابن الإنسان” في العهد الجديد أكثر من ثمانين مرة موزعة على الشكل الآتي: (إنجيل متى :31 مرة ـ إنجيل مرقس: ثلاث عشرة مرة 13 ـ إنجيل لوقا : 25 مرة ـ إنجيل يوحنا : 12 عشرة مرة). وهذا يدل دلالة واضحة على أهمية هذا اللفظ وشيوعه بين المسيحيين لكن  «ما يدعو للدهشة بينما يرد ذكر هذا اللقب كثيرا ـ أي : ابن الإنسان ـ في الأناجيل على فم المسيح نفسه، فإن أحدا من كتاب أسفار العهد الجديد أو المسيحيين الأوائل لم يستخدمه، ولم يظهر سوى مرة واحدة في أعمال الرسل (7-56). ومن هنا يتضح أن هذا اللقب كان له معناه الخاص عند المسيح. ومما لاشك فيه أنه كان يشير إلى نفسه، وليس لأحد آخر كما ثبت ذلك من الدراسة الدقيقة لكل الأقوال التي جاء بها لقب “ابن الإنسان”»[19]. وهذا يعني أن لفظ “ابن الإنسان” أصبح خاصا بالمسيح نفسه وليس لأحد آخر غيره. وقد ذكر هذا اللفظ في العهد الجديد في بعض المواضع نذكر منها: في إنجيل “متى” (وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ)  [20]. وفي موضع آخر من إنجيل “لوقا” يقول (وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِير) [21].

كما أن بعض “الطوائف المسيحية” ترى أن المسيح تعمد استبدال لفظ “المسيح” بلفظ “ابن الإنسان” ليعطي صورة عن نفسه تختلف كل الاختلاف عن الصورة التي كان ترمز لها صورة ‘مسيا’ اليهود، حيث يقول ” يوسف رشاد”  «يدعي كثير من مفسري النصارى وخاصة من الطائفة الأرثوذكسية أن المسيح أراد أن يمسح من ذهن أتباعه أي تصور “ماسياني” عن المسيح مما ينتظره اليهود أو بمفهومهم ولذلك استبدل لقب “المسيح” بلقب “ابن الإنسان” وأمعن في إعطاء صورة عن نفسه تختلف كل الاختلاف عن صورة ‘مسيا’ اليهود وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرا»[22].

ـ لفظة” المسيح” في الإسلام

 “المسيح” لغة: جاء لفظ “المسيح” في اللغة العربية على وزن’ فعيل’ وله عدة معان نذكر منها[23]:

ـ ليس على أحد شقي وجهه عين ولا ” حاجب”ـ ومسح في الأرض يمسح مسوحا أي” ذهب ومضى.ـ والمسح إمرارك يدك على الشيء السائل والمتلطخ تريد إذهابه ـ والمسيح: الصديق وبه سمي عيسى ـ عليه السلام ـ . وقيل: الممسوح بالدهن والزيت…لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن ـ أو كأنه ممسوح الرأس أو لأنه مسح عند ولادته بالدهن لمسح نبي الله زكريا عليه السلام إياه عند ولادته.

ـ وقيل لأنه كان يمسح بيده على العليل «أي المريض والأكمه والأبرص فبرئه بإذن الله تعالى ، وهذا هو الراجح في تسميته بالمسيح»[24].

– ومن معاني المسيح أيضا: « سبائل الفضة، والمنديل الخشن الذي يمسح به أو العرق، ويكنى أيضا عن الجماع بين الرجل وزوجته يقال: مسحها أي: جامعها»25]. إلى غير ذلك من المعاني الذي ذكرها اللغويون للدلالة على لفظ “المسيح “في اللغة العربية.

لفظ “المسيح” في القرآن الكريم: وقد ورد هذا اللفظ ـ أي المسيح ـ  في القرآن الكريم سبع مرات: في سورة النساء “الآية 171″ـ سورة المائدة “الآيات 19: مرتين في نفس الآية و74: مرتين في نفس الآية و 77″ـ و”سورة التوبة الآية 30″ـ

كما ورد لفظ آخر يستعمله المسلمون بكثرة وهو لفظ ‘عيسى’ في ثلاثة عشر موضعا من القرآن الكريم:  في سورة البقرة الآيتان: 86 و 251ـ وسورة آل عمران الآية: 51- 54 و58ـ وسورة المائدة الآيات: 112 و 114 و 116 و 118 ـ وسورة مريم:  الآية 33 ـ وسورة الزخرف : الآية 63 ـ  وسورة الصف الآيتان: 6 و 14ـ .

وورد اللفظان معا أي ‘المسيح عيسى’ مقرونين في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم: ـ في سورة آل عمران الآية : 45 ـ وسورة النساء : الآيتان :156 و 170ـ

  لفظ”المسيح” وصفاته الخِلْقِيَّة في السنة النبوية: ومن صفاته الخلقيةـ عليه السلام ـ نجد :

ـ )حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لاَ وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِيسَى أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: ” بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ، سَبْطُ الشَّعَرِ، يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً، فَقُلْتُ:مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ ) [26]. في هذه الرواية من الحديث النبوي نجد صفتين وهما “رجل آدم وسبط الشعر”.

ـ (عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى رَجُلًا آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعًا، مَرْبُوعَ الخَلْقِ إِلَى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ، سَبِطَ الرَّأْسِ ) [27]. و هذه الرواية تتحدث عن  صفات أخرى لسيدنا عيسى بن مريم منها( طوالا وجعدا ومربوع الخلق إلى الحمرة والبياض وسبط الشعر).

ـ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ، كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ [28]كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا، فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ، أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ…) [29]. والإضافة للصفات الخلقية الأخرى لنبي الله عيسى بن مريم فإن له (لمة) كذلك.

هذه بعض من أحاديث كثيرة وردت في الصفات الخلقية لنبي الله عيسى ـ عليه السلام ـ  مع بعض الاختلافات حول بعض الصفات نذكر منها :

ـ الشعر: ورد على أنه ” سبط الشعر” وفي حديث آخر ” جعد الشعر “، وحاول بعض العلماء التوفيق بين هاتين الصفتين والجمع بينهما بالقول أنه «يمكن  أن يجمع بينهما بأنه سبط الشعر، ووصفه لجعودة في جسمه لا في شعره والمراد بذلك اجتماعه واكتنازه»[30].

ـ كونه “آدم” أو”أحمر”: وبنفس الطريقة حاول البعض التوفيق بين هاتين الصفتين و الجمع بينهما بالقول « الأحمر عند العرب الشديد البياض مع الحمرة والآدم الأسمر، ويمكن الجمع بين الأمرين بأنه أحمر لونه بسبب كالتعب وهو في الأصل أسمر»[31].

ومهما يكن من اختلافات في الصفات الخلقية للمسيح عيسى ـ عليه السلام ـ الواردة في الأحاديث النبوية، فيستفاد منها: أنه رجل مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير، عريض أصدر له لمة قد رجلها تملأ ما بين منكبيه، شعره” سبط”  أو”جعود” ولكن “جعودته” ففي جسمه لا في شعره، ولون بشرته يميل إلى الحمرة والبياض.

__________________________________

ـ الهوامش

[1] المزمور 23 :5.

[2] المزمور 92 :11.

[3] سفر صموئيل الثاني 14ـ 2.

[4] سفر الخروج 29 : 36.

[5]. سفر الخروج 30: 25-26.

[6] سفر صموئيل الأول 10: 1.

[7] سفر الملوك الأول 1 : 38-39.

[8] هنري س. عبود: معجم الحضارات السامية، جروس برس، طرابلس، الطبعة الثانية، 1411هـ 1991م، ص:794.

[9] عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المجلد الخامس، ص:243.

[10] إنجيل متى 8-25.

[11] إنجيل لوقا 7-50.

[12] القس فهيم عزيز: المدخل إلى العهد الجديد: دار الثقافة المسيحية القاهرة، بدون تاريخ، ط1، ص: 153.

[13] عوض سمعان: طريقة الخلاص، دار الثقافة المسيحية القاهرة، الطبعة الثانية، ص : 25.

[14] رسالة بولس إلى أهل رومية3: 25ـ26

[15] دائرة المعارف الكتابية المسيحية: مادة مسح، ومسيح.

[16]. إنجيل يوحنا1: 41.

[17] إنجيل يوحنا4: 25-26.

[18] جمال الدين الشرقاوي: المسيح والمسيا، مبحث جديد، مكتبة النافذة، الجيزة ـ مصر، بدون تاريخ، ص: 77.

[19] دائرة المعارف الكتابية المسيحية “مادة المسيح معجزاته”.

[20] إنجيل متى24:30.

[21] إنجيل لوقا21: 25-27.

[22] يوسف رشاد: المسيحان يلوحان في الأفق، ص : 38.

[23] المصدر نفسه، ص : 35- 36 ـ بتصرف .

[24] ـ الأزهري: تهذيب اللغة، ج2، ص: 48 . ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، ج4، ص: 698.

[25] الأزهري: تهذيب اللغة، ج2، ص: 48 ـ51 . ابن منظور: لسان العرب، ج 2، ص:593. الزبيدي: تاج العروس، ج1، ص:1746.

[26] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ” واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها “، ج 4، ص: 167، رقم الحديث 3441.

[27] ـ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب إذ قال أحدكم آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه، ج 4، ص: 116، رقم الحديث 3239.

[28] اللمة من شعر الرأس: دون الجمة، سميت لذلك لأنها ألمت بالمنكبين فإذا زادت في الجمة. انظر: ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، ج 4، ص :273.

[29] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس باب الجعد، ج7، ص: 161، رقم 5902.

[30] ابن حجر أبو الفضل العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 6، ص: 486.

[31] المصدر نفسه، ص: 456

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.