منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة الجمعة: الدعوة إلى الله لا تحدد بعمر، ولا تحتمل التماطل والتسويف

الشيخ بنسالم باهشام

0

عباد الله، يعتبر يوم الجمعة، يوما عظيما عند الله تعالى، ففيه فضائل كثيرة، أورد الإمام السيوطي رحمه الله، في كتابه اللمعة في خصائص يوم الجمعة، أكثر من مائة فائدة وخصيصة من خصائص يوم الجمعة وفضله وعلو شأنه بين الأيام، وهذا اليوم مُعظم في الإسلام، ولا يزال معظما في تاريخ المسلمين، لهذا كان عطلة أسبوعية إلى حدود استعمار البلدان العربية؛ فتغير بيوم السبت والأحد، تبعا لدين المستعمر وعقيدته، وبعد خروج الاستعمار من البلدان الإسلامية، رجع يوم الجمعة عطلة أسبوعية؛ باستثناء المغرب الذي لازال محتفظا بيومي السبت والأحد: عيدي اليهود والنصارى، بدل يوم الجمعة الذي هو عيد المسلمين.

عباد الله، رغم كل ما ذكرنا، يبقى السؤال مطروحا، سواء كان يوم العطلة هو يوم الجمعة أو السبت أو الأحد، ما هو برنامجكم في هذا اليوم الذي لا عمل فيه؛ في إطار علاقتكم مع الله تعالى؟ هل تزدادون في هذا اليوم عبادة ودعوة لزوال مانع العمل، أم أنكم تخلدون إلى الكسل والخمول، وتفرطون في صلاة الصبح والصلوات الأربع في وقتها  ومع الجماعة، ولا تهتمون بدعوة الآخرين؟

عباد الله، تعالوا بنا لنرى نموذجين ممن استثمروا يوم العطلة الأسبوعية في طاعة الله تعالى، والدعوة إليه، رغم البيئة، والظروف غير المواتية، إنه أب وابنه الصغير الذي لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره، وفي بلد من بلدان الغرب، إذ في كل يوم جمعة؛ وبعد الصلاة، كان إمام المسجد وخطيبه، لا يكتفي بالدعوة القولية من فوق المنبر، بل كان له مع ابنه الصغير برنامجا دعويا ميدانيا، يخرجان في إحدى ضواحي مدينة أمستردام،  فيوزعان على السكان كتيبا إسلاميا صغير الحجم، بعنوان” الطريق إلى الجنة”، كما يوزعان مطبوعات إسلامية أخرى تعرّف بدين الإسلام، وفي إحدى الأيام، بعد صلاة الجمعة، جاء الوقت للإمام الخطيب وابنه الصغير، للنزول إلى شوارع المدينة لتوزيع الكتيبات والتعريف بالإسلام، وكان الجو في الخارج باردا جدا، فضلا عن هطول الأمطار، ارتدى الصبي كعادته ملابسه الشتوية، وقال: حسنا يا أبي، أنا مستعد، سأله والده، مستعد لماذا؟ قال الابن: يا أبي، لقد حان الوقت لكي نخرج لتوزيع هذه الكتيبات الإسلامية، أجاب الأب، ولكنني لن أخرج في هذا الطقس البارد الممطر، قال الصبي: وهل تأذن لي من فضلك يا أبي أن أذهب وحدي لتوزيع الكتيبات؟ تردد والده ثم قال: يمكنك الذهاب، وأعطاه بعض الكتيبات، وشكر الصبي أباه، ورغم أن عمر هذا الطفل لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره، إلا أنه مشى في شوارع المدينة رغم برودة الطقس، ونزول المطر، لكي يوزع الكتيبات على من يقابله من سكان البلد، وظل يتردد من باب إلى باب، حتى يتم التوزيع، وبعد ساعتين من المشي تحت المطر، تبقّى معه آخر كتيب، وظل يبحث عن أحد المارة في الشارع  ليهديه له، إلا أن الشوارع كانت فارغة تماما من المارة، استدار الصبي إلى الرصيف المقابل لكي يذهب إلى أول منزل يقابله حتى يعطيهم الكتيب، فدق جرس الباب، ولكن لا أحد يجيب، ظل يدق الجرس مرارا وتكرارا، دون أن يجيبه أحد، وأراد أن يرحل، ولكن شيئا ما يمنعه، مرة أخرى التفت إلى الباب، ودق الجرس، وأخذ يطرق على الباب بقبضة يده النحيفة بقوة، وهو لا يعلم ما الذي جعله ينتظر كل هذا الوقت على غير عادته، وظل يطرق حتى فُتح له الباب ببطء، وكانت تقف عند الباب امرأة عجوز، ويبدو عليها علامات الحزن الشديد، فقالت للطفل: ماذا أستطيع أن أفعل لك يا بني؟ قال لها الصبي الصغير، وقد نظر لها بعينيين متألقتين، وعلى وجهه ابتسامة أضاءت لها العالم، سيدتي، أنا آسف إذا كنت قد أزعجتك، ولكنني فقط أريد أن أقول لك: إن الله يحبك حقيقة ويعتني بك، وجئت لأهدي لك آخر كتيب معي، والذي ستجدين فيه كل شيء عن الله، والغرض الحقيقي من الخلق، وكيفية تحقيق رضوانه، فأعطاها الكتيب وأراد الانصراف، فقالت له العجوز: شكرا لك يا بني، وحياك الله.

عباد الله، في الأسبوع الموالي بعد صلاة الجمعة، كان الإمام الخطيب يلقي محاضرة، وعندما انتهى منها، سأل الحاضرين، هل لدى أي شخص سؤال؟ أو يريد أن يقول شيئا؟ وفي الصفوف الخلفية بين السيدات، كانت سيدة عجوز يُسمع صوتها تقول: لا أحد في هذا المجمع يعرفني، ولم آتي إلى هنا من قبل، وقبل الجمعة الماضية، لم أكن مسلمة، ولم أفكر أن أكون مسلمة، وقد توفي زوجي منذ أشهر قليلة وتركني وحيدة تماما في هذا العالم، ويوم الجمعة الماضية، كان الجو باردا جدا، وكانت تمطر، وقد قررت أن أنتحر، لأنني لم يبق لدي أي أمل في الحياة، لذا أحضرت حبلا وكرسيا، وصعدت إلى الغرفة العلوية في بيتي، ثم قمت بتثبيت الحبل جيدا في إحدى عوارض السقف الخشبية، ووقفت فوق الكرسي، وثبتّ طرف الحبل  الأخرى حول عنقي، وقد كنت وحيدة ويملؤني الحزن والأسى، وكنت على وشك أن أقفز، وفجأة، سمعت صوت رنين جرس الباب في الطابق السفلي، فقلت: سوف أنتظر لحظات، ولن أجيب، وأيا كان من يطرق الباب، فسوف يذهب بعد قليل، انتظرت حتى ينصرف من بالباب، ولكن كان صوت الطرق على الباب؛ ورنين الجرس يرتفع ويزداد، قلت لنفسي مرة أخرى: من على وجه الأرض يمكن أن يكون هذا الطارق؟ لا أحد على الإطلاق يدق جرس بابي ولا يأتي أحد ليواسيني، رفعت الحبل من رقبتي وقلت: أذهب لأرى من بالباب الذي يدق الجرس وبصوت عالي، وبكل هذا الإصرار، عندما فتحت الباب، لم أصدق عيني، فقد كان صبيا صغيرا، وعيناه تتألقان، وعلى وجهه ابتسامة ملائكية لم أر مثلها من قبل، حقيقة لا يمكنني أن أصفها لكم، الكلمات التي خرجت من فمه، مست قلبي الذي كان ميتا، ثم قفز إلى الحياة مرة أخرى، وقال لي بصوت ملائكي: سيدتي، لقد أتيت الآن لكي أقول لك: إن الله يحبك حقيقة، ويعتني بك، ثم أعطاني هذا الكتيب الذي أحمله  (الطريق إلى الجنة)، وكما أتاني هذا الملاك الصغير، فجأة اختفى مرة أخرى وغاب وسط البرد والمطر، وبعدها أغلقت بابي، وبتأن شديد، قمت بقراءة كل كلمة في هذا الكتاب، ثم ذهبت إلى الأعلى، وقمت بإزالة الحبل والكرسي، لأنني لن أحتاج إلى أي منهما بعد الآن،  ألا ترون أنني أنا الآن سعيدة جدا، لأنني تعرفت إلى الإله الواحد الحقيقي، ولأن عنوان هذا المركز الإسلامي مطبوع على ظهر الكتيب، جئت إلى هنا بنفسي لأقول لكم: الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة، وأشكركم على هذا الملاك الصغير الذي جاءني في الوقت المناسب تماما، فأنقذ روحي من الخلود في الجحيم.

عباد الله، لم تبق في المسجد عين لم تدمع، وتعالت صيحات التكبير” الله أكبر”، ونزل الأب الإمام الخطيب من على المنبر، وذهب إلى الصف الأمامي، حيث كان يجلس ابنه، هذا الملاك الصغير، فاحتضنه بين ذراعيه، وأجهش بالبكاء أمام الناس دون تحفظ، ربما لم يكن بين هذا الجمع أب فخور بابنه مثل هذا الأب.

المزيد من المشاركات
1 من 19

عباد الله، دروس وعبر كثيرة نستقيها من هذا النموذج الأسري المتألق، ونكتفي بثلاثة منها:

1 – أثبتت الدراسات النفسية والتربوية؛ أن الأبناء يعتبرون آباءهم هم القدوة المطلقة، وهم مصدر المعارف والمواقف والأخلاق والآداب، وكل ما يتصل بأمور الحياة، لهذا فإن السلوك السوي للأب وللأم كذلك، أكبر وأبلغ في التعبير؛ من التوجيه إلى السلوك السوي، وهذا ما نلاحظ أثره على هذا الصبي الذي لاحظ صدق أبيه في الدعوة إلى الله، والذي جمع بين المنبر وميدان الشارع، والتغلغل في الناس، وأنه لم يلاحظ تناقضا بين قول أبيه وفعله، وهذه الدعوة الصادقة من الأب، هي التي أثمرت لنا هذا الداعية الخلف الذي لا تقهره التقلبات الجوية ولا تعترض طريقه العقبات.

2 – الحصن الحصين للأفراد من كل الآفات الأخلاقية هو الأسرة، فإذا كانت الأسرة محصنة من الداخل أبا وأما، فإن الأبناء لا تؤثر فيهم الأجواء الخارجية كيفما كانت سيئة، لهذا لا نلوم الريح التي كسرت الشجرة، ولكن نلوم الشجرة المنخورة من الداخل والتي كان فيها الاستعداد للسقوط، والتي لم تستطع الثبات أمام أقل التقلبات الجوية، فليُعد الآباء حساباتهم، وليكفوا من التشكي من فساد أبنائهم بسبب فساد الشارع، فالتجربة الميدانية تبرهن على أن الأسر المحصنة لا تجد الانحرافات سبيلا إلى أبنائهم سواء كانوا في المغرب أو في الدول الغربية.

3 – الدعوة إلى الله لا تحدد بعمر، ولا بتخصص، ولا بزمان، ولا بمكان، فالله تعالى حين كلف المؤمنين بالدعوة إلى الله، لم يخاطب فئة معينة من المجتمع، ولا حدد زمانا معينا للدعوة، كما لم يعين مكانا معينا، بل أطلق الأمر في كل هذا، فكل مكلف مأمور بالدعوة إلى الله، وفي أي زمان ومكان، لأنه لا ينبغي تأخير البيان عن وقت الحاجة، قال تعالى في سورة النحل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: 125]، وروى البخاري في صحيحه  وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً …) [أخرجه أحمد (2/159 ، رقم 6486) ، والبخاري (3/1275 ، رقم 3274)]، ولا تكتمل شخصية المسلم ذكرا كان أو أنثى، إلا بثلاثة أركان، والتي هي: العلم بالإسلام، والعمل بالإسلام، والعمل للإسلام، وهذا الطفل لم يكتف بتوزيع الكتيبات الإسلامية فقط، بل كان على علم واقتناع بفحواها، وكان يؤدي دوره الدعوي بالحكمة والوجه البشوش، الذي يفتح الله به القلوب قبل العقول، وأن العلم ليس الذي في العقول، ولا في الكراس، وإنما العلم الذي بلغ الناس، وأن الدعوة لا تتطلب التراخي ولا التسويف، ولا الملل، فلو تأخر الطفل ولم يوزع الكتيبات ذلك اليوم، لأزهقت تلك العجوز روحها، وضاعت حياتها وآخرتها، فكم من أرواح تنتظر منا إنقاذها داخل المغرب وخارجه، فلا نتوانى في أداء مهمتنا الدعوية، لتكتمل شخصيتنا الإسلامية.

فاللهم اجعلنا هداة مهتدين، سلما لأوليائك، حربا على أعدائك، وصلى الله وسلم وبارد على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.