منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السياق التاريخي لنقض اليهود للعهود

عبد الصمد الخزروني

0

مقدمة

إنه من الطبيعي جدا أن نقول بأنه لا يستطيع أحد أن يحدثنا عن اليهود وعن تاريخ اليهود وعن طبيعة اليهود مثلما يحدثنا القرآن الكريم وتحدثنا السيرة النبوية. أما القرآن الكريم فقد ذكرهم في عشرات السور. فالله تعالى خالقهم وهو الأعلم بهم وبطبيعتهم. أما الأنبياء عليهم السلام عاشوا معهم وذاقوا منهم الويلات إلى حدّ القتل. ولذلك إذا لم تكن معاملتنا لليهود وفق المحددات القرآنية والنبوية المسطرة في الآيات والأحاديث واكتفينا فقط بالظاهر المزيف لا محالة سنُخدع ونُلدغ لمرات كثيرة، أكيد قد خدعنا ولدغنا منهم لمرات ومرات، وسنتوقع أضرارا كثيرة أيضا، وقد أصابتنا الأضرار منهم وما زالت تصيبنا، في جميع المجالات وعلى رأسها المجال الديني. ولا ندري لماذا ما زلنا لم نفهم ولم نتعظ. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “لن يكون لنا النفس الطويل، ولا الثقة بنصر الله، ولا القدرة على إعداد العدة في الأمد البعيد، إن لم نجعل جوهر القضية في وعينا وحركتنا مطابقا لتعليم القرآن في المسألة، مستنيرا بهديه، مسايرا له في تفسيره إلى أعماق النفس اليهودية الخبيثة، والقلب اليهودي الأشد قسوة من كل القلوب، وكفر يهود ونفاقهم ومكرهم وصدهم عن سبيل الله”[1].

فمعرفة عقيدة اليهود وفكرهم من خلال دراسة الآيات القرآنية التي تعرضت لهم بالانتقاد واللوم والفضح والتوبيخ مهم جدا لتحديد طريقة التعامل معهم وأهم المواقف اللازمة تجاههم.

في هذا الموضوع سنتحدث إن شاء الله عن نقض اليهود للعهود والمواثيق (الاتفاقيات والمعاهدات). وأمهد لهذا الحديث أولا: بتحديد معنى نقض العهد والميثاق، وثانيا: بتحديد صفات اليهود التي تعبر عن طبيعتهم.

نقض العهد والميثاق

المزيد من المشاركات
1 من 31

فمعنى النقض ضد الإبرام، وهو إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء، نقض الشَّيء نقضًا أفسده بعد إحكامه، يُقال: نقَض البناء، هدَمه. ونقَض الحبل أو الغزل، حلَّ طاقاته. والنقيض: المنقوض، وأصل هذه المادة يدلُّ على نكث شيء. قال الرَّاغب الأصفهاني: “النَّقض: انتثار العُقد من البناء والحبل والعُقد، وهو ضدُّ الإبرام، ومِن نقض الحبل والعَقد استعير نقض العهد”. (2

أما العهد فمن معانيه: الوصية، والأمان، والموثق، والذمة، وأصل هذه المادة يدل على الاحتفاظ بالشَّيء. قال الجرجانيُّ: “العهد: حفظ الشَّيء ومراعاته حالا بعد حال. هذا أصله ثمَّ استخدم في الموثق الذي يلزم مراعاته”.

وبهذا يكون نقض العهد هو “عدم الوفاء بما أعلن الإنسانُ الالتزامَ به، أو قطعه على نفسه من عهد أو ميثاق، سواء فيما بينه وبين الله تعالى، أو فيما بينه وبين النَّاس”.

صفات اليهود في القرآن

لقد فصّل القرآن كثيرا في ذكر صفات اليهود، تارة بجمع هذه الصفات في آية واحدة أو آيات، وتارة بالحديث عن كل صفة على حدة. ويمكن القول إن كل الصفات الذميمة قد جمعها اليهود وجعلوها أخلاقا يتميزون بها عن غيرهم. ومن كثرتها لا يمكن استقصاؤها ولا إحصاؤها. فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد المكر والخداع، التضليل والتحايل، الكذب والنفاق، الغدر ونقض العهود والمواثيق، الحقد والكراهية، الأنانية والدهاء، النكران والجحود، الجدال والحجاج، الاستعلاء والعنصرية، الجبن والبخل، الربا وأكل أموال الناس بالباطل، المسارعة في الإثم والعدوان وأكل السحت، قتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والذين يأمرون بالقسط من الناس في كل مكان وزمان، والقائمة طويلة. ويكفي أن تذكر كلمة “يهودي” لتعرف وقعها على أسماع الناس وفي نفوسهم. يقول الله تعالى: [فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلا] (النساء:55).

وبسبب هذه الصفات الذميمة والقبيحة لعنهم الله تعالى وغضب عليهم، فهم “الأمة الغضبية” بتعبير ابن القيم رحمه الله تعالى، وأيضا كتب الله عليهم الذلة والمسكنة. يقول الله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: 61). كما لعنهم الله تعالى لعنهم الأنبياء عليهم السلام أيضا. يقول الله تعالى: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ] (المائدة:78).

نقض اليهود للعهود

مقالات أخرى للكاتب
1 من 13

ومن أخطر وأعظم هذه الصفات التي عُرف بها اليهود على الإطلاق، والتي سجلها عليهم التاريخ على صفحاته، وأثبتها لهم الله تعالى في القرآن الكريم هي نقض العهود والمواثيق. وهي صفة ملازمة لهم. يقول الله تعالى: [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] (البقرة:100). فقد نقض اليهود عهودهم ومواثيقهم مع الله تعالى ومع أنبيائه عليهم السلام، ومع المسلمين من بعد ذلك عبر التاريخ إلى العهد القريب.

والتاريخ كما يحكي لنا القرآن وتحكي لنا السيرة حافل بمواقف خطيرة سجّلت نقض اليهود للعهود. حتى وإن كانت عهودا كتبوها بأنفسهم، ومواثيق أبرموها بأنفسهم، فهم لا يعطون لها أية قيمة تذكر، فطالما أنهم يخدمون أهدافهم ومصالحهم لا يضيرهم من تضرر بذلك النقض والنكث. وهذه المواقف كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، ولذلك سأكتفي بذكر بعضها. خاصة نقضهم للعهود في زمن سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وهو نبيهم المرسل إليهم، وفي زمن سيدنا محمد رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام.

في زمن سيدنا موسى عليه السلام:

1- يقول الله تعالى: [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ] (البقرة:83).

2- ويقول الله عز وجل: [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ…] (البقرة:84-85).

3- ويقول سبحانه وتعالى: [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] (البقرة:93).

لقد عاهد بنو إسرائيل نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام أن يطيعوه ويعينوه، لكن عندما أمرهم بدخول أرض فلسطين ومقاتلة قومها الجبارين بقوله: [يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ] (المائدة:21). خالفوه ونقضوا عهدهم معه، وقالوا له بكل وقاحة: [يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] (المائدة:24). فكانت عاقبة نقضهم لهذا العهد الخسارة الكبرى، قال الله تعالى في حقهم: [فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ] (المائدة:26). جاء في تفسير الطبري رحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: [فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض] (المائدة:26). قال: فتاهوا أربعين سنة، قال: فهلك موسى وهارون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط[2].

في زمن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

عندما هاجر الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة وجد فيها ثلاث قبائل من اليهود. وهي: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. ولما كتب صلى الله عليه وسلم الصحيفة أو الكتاب الذي ينظم حياة المسلمين فيما بينهم، وينظم الحياة بين المسلمين وغيرهم. كان اليهود ضمن من شملتهم بنود هذه الوثيقة الدستورية. وفيها أن المسلمين واليهود على عهد بينهم في السلم والحرب. فلا يساعدوا أعداءهم ولا يتآمروا عليهم. لكن اليهود نكثوا عهودهم ونقضوا مواثيقهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين، فساعدوا المشركين، ووقفوا يداً بيد معهم ضدّهم. يقول الله تعالى: [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] (البقرة:100). قال ابن تيمية: “إن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود، وهم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكان بنو قينقاع والنضير حلفاء الخزرج، وكانت قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم هادنهم، ووادعهم مع إقراره لهم، ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم، وعهدهم الذي كانوا عليه، حتى أنه عاهد اليهود على أن يعينوه إذا حارب، ثم نقض العهد بنو قينقاع، ثم النضير، ثم قريظة”[3].

وكان لكل قبيلة طريقة في نقض عهدها، وكذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم الموقف المناسب من كل نقض. وكل موقف كان عبارة عن غزوة سمي بها.

  • غزوة بني قينقاع:

اتفق معظم من كتب في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته أنها وقعت بعد معركة بدر، إذ لم يلتزم يهود بني قينقاع بالمعاهدة التي أبرمها الرسول صلى الله عليه وسلم معهم، ولم يوفوا بالتزاماتهم التي حددتها، ووقفوا من الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين مواقف عدائية. جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم ونصحهم وحذرهم من أن يصيبهم مثلما أصاب قريشا في بدر. غير أنهم واجهوه بالتحدي والتهديد وبأنهم ليسوا كقريش في القتال. ففي سنن أبي داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: “لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ الْيَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَقَالَ: “يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا”. قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لاَ يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا أَغْمَارًا لاَ يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا”.

وهكذا بدأت الأزمة تتفاعل وتتطور إذْ لم يكن في جوابهم ما يوحي بالالتزام والطاعة. فأنزل الله فيهم قوله تعالى: [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَاد. قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ] (آل عمران:12-13).

ويرجع السبب المباشر في هذه الغزوة إلى ما أضمرته يهود بني قينقاع من نقض العهد بينهم وبين المسلمين، فكانوا في كل مرة يتحينون الفرصة حتى جاءتهم. وذلك عندما جاءت امرأة من العرب إلى سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ لها. ولما أبت أن تكشف عن وجهها عمد الصائغ إلى طرف ثوبها فربطه إلى ظهرها. فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا. فصاحت المرأة، فوثب رجل مسلم على الصائغ اليهودي فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فوقع الشر بين المسلمين واليهود[4].

فما أن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حتى جهز إليهم بجيش من المهاجرين والأنصار، وحين سار إليهم نبذ إليهم العهد كما أمره الله تعالى في قوله: [وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ] (الأنفال:57). وحين علم اليهود بمقدمه صلى الله عليه وسلم تحصنوا في حصونهم، فحاصرهم خمس عشرة ليلة كما ذكر ابن هشام[5]، واستمر الحصار حتى قذف الله في قلوبهم الرعب واضطروا للنزول على حكمه. وبعد المفاوضات أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وغنم المسلمون ما كان لديهم من مال[6].

  • غزوة بني النضير:

أحيت الهزيمة التي حلت بالمسلمين في غزوة أحد في نفوس اليهود الأمل من جديد، فعادوا إلى أساليب الدسّ والمكر والخداع، وشرعوا في حشد حصونهم بالسلاح والعتاد للانقضاض على المسلمين وبالغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم وقتله. نقض اليهود عهودهم التي تحتم عليهم ألا يتعاونوا مع عدو ضد المسلمين. ولم يكتفوا بالنقض فقط، بل أرشدوا الأعداء إلى مواطن الضعف في المدينة. والأخطر من كل هذا أنهم حاولوا اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب إليهم في دية العامريين، وذلك برمي صخرة (الرحى) عليه من سطح بيت كان قد أسند إليه ظهرَه. فتداركه الله بعنايته وجاءه الخبر من السماء فأخبره. حينئذ قام متجها نحو المدينة وتبعه أصحابه. فأنزل الله تعالى قوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ] (المائدة:11).

فكانت عاقبة ما همّ به يهود بني النضير من الاغتيال وما نقضوه من عهد أن أنذرهم صلى الله عليه وسلم بالجلاء خلال عشرة أيام، فمن رؤي بعدها منهم ضربت عنقه. ولما انقضت الأيام العشرة ولم يخرجوا من ديارهم بسبب ما وعدهم به عبد الله بن أبي بن سلول من حماية ودفاع، تحركت إليهم جيوش الإسلام وحاصرتهم لمدة خمس عشرة ليلة. فألقى الله في قلوبهم الرعب وأدرك بنو النضير أن لا مفر من جلائهم. فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يلتمسون منه أن يؤمنهم حتى يخرجوا. وافقهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، لكن بشروط أخرى. قال لهم: “اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة”. وهي الدروع والسلاح. فرضوا بذلك فخرجوا يحملون أمتعتهم على ستمائة بعير[7].

وفي يهود بني النضير أنزل الله تعالى سورة الحشر، التي سماها سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بسورة بني النضير[8].

  • غزوة بني قريظة:

أثناء غزوة الأحزاب في 5 هجرية، حاول النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المسلمون الأخذ بكافة الاحتياطات اللازمة في تأمين الجبهة الداخلية قصد مواجهة زحف الأحزاب إليها. لكن الأمر الذي كان يخشاه المسلمون كثيرا ليس هو الأحزاب، وإنما أن يغدر بهم يهود بني قريظة الذين كانوا يسكنون جنوب المدينة. فيكونون حينئذ بين نارين، نار الأحزاب بأعدادهم الهائلة أمامهم، ونار اليهود خلفهم. يقول الله تعالى: [إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا] (الأحزاب:10-11).

وفعلا ذلك الأمر الذي كان يخشاه المسلمون هو الذي وقع، إذ انتشرت الشائعات بأن يهود بني قريظة قد نقضت عهدها، وحتى يتأكد النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر انتدب الزبير بن العوام رصي الله عنه (رجل المهمات الصعبة) ليأتيه بأخبارهم. فذهب الزبير فنظر ثم رجع، فقال: يا رسول الله رأيتهم يصلحون حصونهم ويدربون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم[9]. وبعد أن كثرت القرائن الدالة على نقض بني قريظة لعهودهم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بفرض الحصار عليهم الذي دام خمسا وعشرين ليلة من دون أن يصدر عن يهود بني قريظة أي نية في المواجهة أو القتال، بل إنهم كانوا مضطربين خائفين ولا يدرون ماذا يفعلون إزاء هذه التطورات التي لم يتوقعوها. فلما اشتد عليهم الحصار وجهدهم البلاء، استسلموا وخضعوا لشروط النبي صلى الله عليه وسلم[10].

لقراءة المزيد من المقالات حول اليهود:
https://www.islamanar.com/author/al3alam/

لكن العقاب الذي حلّ بيهود بني قريظة هذه المرة من المسلمين جراء هذا الحصار كان أشدّ بكثير مما أصابهم في الحصارين السابقين أثناء نقض يهود بني قينقاع وبني النضير للعهود وتجاوزهم للحدود. وقد قضى فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه الذي ارتضوه حكما بأن تُقتل المقاتلة، وتُسبى النساء والذرية وأن تُقسم أموالهم. فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: “قضيت بحكم الله”[11]. يقول الدكتور منير الغضبان: “لقد كانت نهاية بني قينقاع بعد بدر، وبني النضير بعد أحد، وبني قريظة بعد الخندق. وكانت نهاية بني قريظة من أسوأ النهايات، لأن غدرهم كان أعظم الغدر، وكان يمثل الطبيعة اليهودية أكبر تمثيل”[12].

بالقضاء على يهود بني قريظة خلت المدينة تماما من الوجود اليهودي، وصارت خالصة للمسلمين، وخلت الجبهة الداخلية من عنصر خطر لديه القدرة على المؤامرة والكيد والمكر. وفقدت كفار قريش حلمها في تلقي الدعم والقوة من اليهود في القضاء على المسلمين[13].

خاتمة

يتبين لنا من خلال ما أوردناه من مواقف خطيرة نَقَض فيها اليهود العهود، أن ذلك لم يكن لأسباب واهية، ولم يكن كذلك لظروف استثنائية، بل كانت تلك المواقف التي تميز بها اليهود عبر التاريخ كلها نابعة عن سمتين خطيرتين هما: الاستعلاء والعداء. الاستعلاء هو قناعة فكرية على أنهم الشعب المختار وغيرهم لا يستحق الاعتبار إلا بالقدر الذي يعيشون فيه حالة الضعف. والعداء هو طبيعة يهودية متجذرة في نفوسهم، فهم دائما يكنون العداء الشديد للإسلام وأهله. ثم علاوة على ذلك أن اليهود في سبيل تحقيق مصالحهم وأهدافهم وأطماعهم تصبح جميع العهود والمواثيق مقابل ذلك غير ذي قيمة تذكر.


[1] – عبد السلام ياسين، سنة الله، ص:65.

[2] الطبري، تفسير (المائدة:26).

[3]– الصارم المسلول على شاتم الرسول، ص:62.

[4] – انظر سيرة ابن هشام (3/54).

[5] – انظر نفس المرجع (3/55).

[6] – انظر علِي الصلابي، السيرة النبوية (2/89-91).

[7] – انظر نفس المرجع (2/209-213).

[8] – أخرجه البخاري.

[9] – انظر علِي الصلابي، السيرة النبوية ج2، ص:283.

[10] – موفق سالم نوري، فقه السيرة النبوية، ص:304.

[11] – رواه البخاري، كتاب المغازي.

[12] – منير محمد الغضبان، المنهج الحركي للسيرة النبوية، ص:295.

[13] – انظر عليّ الصلابي، السيرة النبوية، ج2، ص:298.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.