منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(خطبة) فرحة العيد بين السعادة والتعاسة

(خطبة) فرحة العيد بين السعادة والتعاسة/ للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

(خطبة) فرحة العيد بين السعادة والتعاسة

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

الحمد لله الذي شرع وسائل تحقق لنا الفوز والسعادة، وحرم علينا كل ما يؤدي للتعاسة والإبادة، وأشهد أن لا إله إلا الله المستحق لكمال الحمد وجمال الإشادة، خلقنا في البدء والإعادة، وما خلق الجن والإنس إلا للعبادة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب القيادة والريادة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الشرف والسيادة، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى أن ينال المحسنون الحسنى والزيادة.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

ها هو عيد الفطر قد حل أوانه، والعيد في الإسلام ليس لطبقة دون طبقة، والفرح في الإسلام لا يجدي ولا ينفع إذا لم يكن فرحا شاملا عاما، والمسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وكالبنيان يشد بعضه بعضا.

فالإسلام لا يريد مجتمعا يُعَيِّد فيه الأغنياء ليُغيظوا الفقراء، لا يريد مجتمعا يلبس فيه البعض من الثياب الجديد، والبعض الآخر ليس لديه أي شيء يجدي ويفيد، لا يريد مجتمعا البعض فيه مريض بكثرة التغذية، والبعض مريض بسوء التغذية، والعيد في الإسلام ليس عيد البطن والمعدة، بل هو عيد القلوب والأفئدة، والسعادة في العيد لا تتم إلا إذا كانت سعادة جامعة مانعة، سعادة شاملة كاملة، لا تتم إلا إذا كانت سعادة أمة؛ لا سعادة فرد وأسرة، ولا سعادة مدينة ودولة؛ وليس السعادة لمن لبس الجديد، وأكل الحلوى والثريد، ولكن السعادة الحقيقية حينما تنال بأعمالك من رضوان الله ما تشاء وما تريد.

أيها الإخوة المؤمنون؛ من الحقائق الثابتة أن الإنسان في هذه الدنيا همه الأكبر البحث عن السعادة، ما يعمل ويكدح إلا من أجلها، وما يتفرغ في العطلة إلا من أجلها، وما يدرس في أيام الدراسة إلا من أجلها، وما يسافر إلا من أجلها، ولا يحارب إلا من أجلها، ولا يسالم إلا من أجلها، ولا يعيد في العيد إلا من أجلها؛ بل لا يكاد يتحرك في أي مجال إلا من أجل أن يكون سعيدا. روى الإمام أحمد وصححه ابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص أن الرسولﷺ قال: “من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء”.

والسعادة تختلف باختلاف الإيمان في قلوب الناس، فمنهم من يسعد عند ما يمتلأ جيبه بالدراهم أو بطنه بالمأكولات، ومنهم من يسعد حين يغرق في مستنقعات الفواحش والمنكرات، ومنهم من يسعد حين يغيب عقله بالخمر والمخدرات، وفي هذا يقول أحدهم وهو يصف خمرته التي يسعد بها:

نغيــب بها عـن الأرزاء إني * أرى طيب الحياة مع المغيب
إذا ما العقل أسعد كل قوم * سعدنا نحن بالعقل السليب

والرسولﷺ بين لنا السعادة الحقيقية، السعادة الربانية في الدنيا والآخرة، روى القضاعي والديلمي عن ابن عمر أن رسول الله قالﷺ: «السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة الله عز وجل» وهو حديث حسن لغيره، وروى أبو داود عن المقداد بن الأسود قال: أيم الله لقد سمعت رسول اللهﷺ يقول: «إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها ثم واها» أي طوبى له لما حصل

لقد عرف لنا الرسولﷺ في هذا الحديث السعادة في الدين والسعادة في الدنيا، والمؤمن لا يكون سعيدا إلا بأمرين:

  • الأول: العفة وهي الابتعاد عن مصائب الدين من الذنوب والفتن والمنكرات.
  • الثاني: الصبر على مصائب الدنيا من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.

فالمصيبة في الدين هي جرائم وذنوب ومخالفات لا ينبغي المسلم أن يتصف بها، والمصيبة في الدنيا هي شدائد وحوادث لا بد للسلم أن يصبر على تحملها، فالمصيبة في الدين على كل حال مرفوضة، لأن الله يقول فيها: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، والمصيبة في الدنيا علينا مفروضة، لأن الله تعالى يقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}؛ ولهذا نجد الرسولﷺ يقول في دعائه عن المصائب الدينية: «اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا» بينماﷺ يقول في دعائه عن المصائب الدنيوية: «اللهم هون علينا مصائب الدنيا».

والسعادة في العيد لا تخرج عن هذه القاعدة، ولا يمكن أن تتحقق إلا في ظل السكينة والطمأنينة، وذلك لا يكون إلا بالعفة في اجتناب الفتن والذنوب والمنكرات، وإلا بالصبر على المصائب والابتلاءات، والناس في العيد باعتبار السعادة أربعة أنواع:

1) سعيد بالعيد جسدا وروحا؛ وهو من أنعم الله عليه بالدين والدنيا معا؛ فجلب من الحلال ماله، عفيفا مجتنبا المحرمات فيما أعطاه الله، فأسعد ببعض ماله نفسه وأسرته، ووصل ببعضه رحمه وعائلته، وواسى ببعضه المحتاجين من جيرانه ومعارفه، فهو سعيد جسديا لأنه استفاد، وسعيد نفسيا لأنه أفاد، والنبيﷺ يقول: «نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح».

ما أَحسَنَ الدينَ وَالدُنيا إِذا اِجتَمَعا * وَأَقبَحَ الكُفرَ وَالإِفلاسَ بِالرَجُلِ

2) سعيد بالعيد روحا لا جسدا؛ وهو الفقير المحتاج الذي أنعم الله عليه بالدين وحرمه من الدنيا فرضي بما قسم الله له، صابرا محتسبا، فهذا سعيد روحيا، مطمئن نفسيا، وإن لم تظهر على جسده ولباسه ومأكله علامات السعادة.

3) سعيد بالعيد جسدا ولكنه تعيس روحا؛ وهو من أعطاه الله الدنيا وحرمه من الدين، فعاش مثل هامان وقاورن، متكبرا بماله على الفقراء والمساكين، متجبرا بجاهه المادي على عماله وخدمه، له نفس طماعة بطبعها، لا يعرف إلا هل من مزيد من الأموال، والحلال عنده هو ما حل بيده وإن اختلسه بالغش والخيانة، بخيل شحيح لا يعرف في الإنفاق إلا نفسه، لا يستفيد من ماله حتى أولادُه وأسرته، فكيف برحمه وعائلته، وجيرانه ومعارفه، فهو سعيد جسديا ولكنه تعيس نفسيا ورحيا، إلهه هواه ودرهمه، والنبيﷺ يقول فيما روى البخاري: «تَعِسَ عبدُ الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أُعْطِيَ رضي، وإن لم يُعْطَ لم يرض».

ما أَحسَنَ الدين وَالدُنيا إِذا اِجتَمَعا * لا باركَ اللَهُ في دُنيا بِلا دينِ

4) تعيس بالعيد جسدا وروحا وهو من حرم من الدين والدنيا معا، مفلس لا دنيا له ولم يحافظ على دينه، همه السعي وراء المخدرات، ومهنته السطو على جيوب الناس وسرقة أموالهم، إن صام كان تعجيل فطوره المبادرة بالتدخين، وتأخير سحوره من المخدرات والخمور، فهو تعيس لا يقطع استمرار (روتين) تعاسته سعادة عيد، ولا يوقف امتداد شقاوته مناسبة أفراح.

اللهم ساعدنا بأفراحنا وأسعدنا بأعيادنا أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ إن العيد في الإسلام ليست مجرد طقوس وعادات نزين بها يوم عيدنا فحسب، بل إنه يشتمل على آداب وعبادات تترك آثارها على المظاهر فتطهرها وعلى النفوس فتسعدها؛ فعندما يستيقظ المسلم صباح العيد، فتلمس شغافَ قلبه المرهف بنفحات رمضان، نسماتُ العيد، يبدأ مباشرة في ممارسة آداب العيد وسننه:

• وأول آداب عيد الفطر وسننه الخاصة أن يتناول المسلم فطوره قبل الذهاب إلى المصلى، أن يأكل شيئا ولو تمرة أو ثلاث تمرات، وهذا الفطر هو عبادة لأنه من سننة النبيﷺ في العيد؛ روى البخاري عن أنس قال: «كان رسول اللهﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات».

• ثم يغتسل ويتنظف، ثم يلبَس أجود ما يجد من الثياب، ويتطيب بأجود ما يجد من الطيب، إظهارا للنعمة، لأنه سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، روى الحاكم بسند لا بأس عن أنس رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول اللهﷺ في العيدين أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد».

• ثم يُخرِج زكاة الفطر، وزكاة الفطر ليست مجرد آصع أو دريهمات تدفع للفقراء وكفى، بل هي طهارة أيما طهارة! والله تعالى يقول: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، والنبيﷺيقول في زكاة الفطر: «طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين». وهي بمنزلة إسعاف أولي سريع، لما قد يحتاج إليه الفقير لتحقيق الفرح بعيده، حتى لا يستأثر الأغنياء وحدهم بفرح العيد، وقد أوجبها الله عز وجل على كل مسلم صغير وكبير ذكر وأنثى، وأن تخرج صباح يوم العيد، أو قبله بيوم أو يومين، فمن أداها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، ولا تسقط بمضي زمانها، وقدرها قليل حتى يخرجها أكبر عدد ممكن في الأمة المسلمة، بحيث لا تتجاوز قيمتها عشرين درهما لكل فرد حسب البلاغ الرسمي الصادر عن المجلس العلمي الأعلى هذه السنة.

• وبعد نظافة مظهر المسلم بالغسل والثوب الجديد والطيب الجيد، وطهارة نفسه بالزكاة، يكون قلبه مؤهَّلا لذكر الله، يكون لسانه مؤهَّلا لترديد ذكر الله، {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} والقلوب لا تصلح إلا بالطمأنينة والإيمان، فيشرع المسلم في التكبير والتهليل: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد على ما هدانا، اللهم اجعلنا لك من الشاكرين) متوجها في جو إيماني إلى المصلى، ناشدا الفوز والفلاح، لقوله سبحانه وتعالى: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى}، وقد جاء في الأثر : «زينوا أعيادكم بالتكبير».

• وفي المصلى يؤدي المسلم صلاة العيد، والصلاة هي عماد الدين والله تعالى يقول: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}؛ فالمسلم مرتبط بالصلاة في أفراحه وأتراحه، في مأساته ومسراته، فالمسلم عندما يفرح يكون من مظاهر فرحه الصلاة، وعندما يحزن أو يصاب بمصيبة يفزع أيضا إلى الصلاة.

• وبعد الانتهاء من صلاة العيد يجلس المسلم ليستمع للخطبة، ودور الخطبة في الإصلاح وتجديد الإيمان كبير، فهي مجلة إسلامية أسسها الرسولﷺ لينشد فيها المسلم الحلول لمشاكله، تستعرض واقعه، وتعرض مجتمعه على ميزان شرع الله سبحانه، في لقاء مبارك بين المؤمنين، واللقاء لقاح القلوب والنفوس بمادة الإيمان، ولا يتحقق هذا اللقاح إلا عن طريق التوعية والإرشاد، ولهذا شرع الإسلام الخطبة في لقاءات المؤمنين الشرعية: في اللقاء الأسبوعي لأهل الحي يوم الجمعة، وفي اللقاء الدوري لأهل المدينة في عيدي الفطر والأضحى، وفي اللقاء السنوي للأمة كلها في عرفات الله.

• وبعد الانتهاء من الخطبة يسود جوَّ المؤمنين سحائبُ التهاني وبشاشاتُ الوجوه، فيتبادلون التسامح والتصالح، لا عبوس ولا قلق، الكل يبتهل ويدعو؛ روى الإمام أحمد بسند جيد «أن أصحاب رسول اللهﷺ كانوا إذا التقى بعضهم ببعض يوم العيد قالوا: تقبل الله منا ومنكم» وهنا تدفن الأحقاد والضغائن، فيتصافح المتخاصمون، ويتسامح المتنازعون.

• ثم يرجع المسلم في غير الطريق الذي جاء منه إلى المصلى، ليشهد له الطريقان يوم القيامة ولتشهد له ملائكة هذا الطريق وملائكة ذاك، وليتصدق على فقراء هذا الطريق وفقراء ذاك، روى البخاري «أن النبيﷺ إذا كان يوم العيد خالف الطريق».

ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على الرسولﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.