منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فرحة العيد لن يسرقها الصهاينة الغاصبون (قصة قصيرة)

البتول بلمودن

0

جلست تتابع على شاشة التلفاز بعضا مما يقع اليوم في عالمنا الإسلامي من أحداث مؤلمة كئيبة، وأثارها أن غيرت القناة إلى أخرى لتجد الأغاني والأناشيد وعبارات التهاني والتبريكات بعيد الفطر السعيد.فقالت في نفسها: كيف لنا أن نبتهج ونفرح بالعيد؟ وكيف نتلذذ فيه بالحلوى ونتجمل بلبس الجديد؟ وإخوة لنا في القدس يصلون بالنار والحديد؟ وفي سوريا واليمن وبورما، والسودان والعراق ومصر وغيرها، ملايين الضحايا ما بين مقهور وأسير ومعطوب وشهيد؟

أحست ببعض التردد والحيرة وبكثير من الحزن والأسى، فتوقفت يداها عن تصفيف حلويات الأضياف، وتسمرت عيناها تتأملان بخشوع تلك الزخارف الأندلسية في غطاء المائدة أمامها. ظلت واجمة لبرهة ومشاعر شتى تعترك بداخلها، ثم أطلقت زفرة عميقة كأنها منبعثة من تلك القرون الزاهية السحيقة: لقد حضرتها أبيات المعتمد بن عباد التي يعيب  فيها على عيد جاءه، وقد تحول إلى سجين في الغربة أسير بعد أن كان ملكا في قرطبة أثيرا: خالت نفسها للحظة قد وجدت في قصيدته بعض المواساة لما يختلج بصدرها، خاصة وقد أسعفت الرجل شاعريته في وصف من حل به العيد وقد ساءته الأحوال. لكن سرعان ما قفزت إلى ذهنها مقارنات بين العيد الذي شكاه ابن عباد، وبين ما صارت إليه في زماننا الأعياد، طبعا مع ما بين الصورتين من مفارقات. وهكذا طفقت تسترجع مقاطع القصيدة المواسية، وشريط الأحداث المستجدة يتسارع ليلف ذاكرتها المثقلة، ويخط فصولا من انتفاضتها الصامتة. وفيما يلي شيء من النظرات التي أثمرتها هذه المحاورة العجيبة لبعض من تلكم الأبيات البديعة:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا…وكان عيـدك باللـذات معمـــــــورا
وكنت تحسب أن العيـد مسعــــــدةٌ … فساءك العيد في أغمات مأسـورا

فلئن كان حزن ابن عباد على أن طرأ عليه العيد في حالة لا يرضاها من زوال الجاه والملك والذل بعد العز والرق بعد الحرية، فإن أعيادنا قد استقرت على أن تجدنا دويلات ممزقة متخلفة، وأفرادا مستضعفين مقهورين تحت حكم الاستبداد الجبري، بعد أن كنا أمة قوية هي خير أمة أخرجت للناس. وإنما نفرح في العيد رضا بحكم الله المولى وشكرا له تعالى على توفيقنا لأداء العبادة، وفي القلب أحزان لما نسمع ونرى والله المستعان وإليه سبحانه المشتكى.

ترى بناتك في الأطمـار جائعــــــةً…في لبسهنّ رأيت الفقر مسطــورا

المزيد من المشاركات
1 من 94

معاشهـنّ بعيـد العـزّ ممتهـــــــــنٌ..يغزلن للناس لا يملكن قطميرا

ولئن أبكى شاعرنا الوالد الحنون ما مس بناته من شقاء بعد نعماء مما أذبل جمالهن وأرهق أنوثتهن، فإن من البنات والبنين والنساء والأطفال في فلسطين، من يفقدون حياتهم اليوم على يد الجناة الغاصبين المعتدين على مرأى ومسمع العالم أجمعين، لا يأبه بهم إلا من رحم ربي من المؤمنين. وإنما يخفف من هول المصاب أن سطر  أولئك النساء والأطفال الأبطال أروع قصص العزة والصمود، فكن وكانوا رمزا للإباء والشموخ وعنوانا للثبات والرسوخ.

ولئن آلم أسيرنا المتخوم ترفا أن ذاق شظف العيش بعد الثراء واكتوى بنار الحرمان بعد الغنى، فإن الفقر قد سكن أوطاننا، والجوع والمرض يفتكان بأبنائنا، والعنوسة والبطالة يتربصان بشبابنا، وملايين المسلمين يفتقدون أبسط شروط العيش الكريم في معظم بلداننا.

قد كان دهرك إن تأمـره ممتثـــــلاً … لما أمرت وكان الفعـلُ مبـــــرورا
وكم حكمت على الأقوامِ في صلفٍ … فردّك الدهـر منهيـاً ومأمـــــــورا
من بات بعدك في ملكٍ يسرّ بـــــه … أو بات يهنأ باللـذات مســــــرورا
ولم تعظه عوادي الدهر إذ وقعت …         فإنما بات في الأحـلام مغــــــرورا

ولئن كان كل ما آسف شاعرنا الحكيم ذهاب ملك وتغير حال أوقفاه على حقيقة سنة الله في خلقه من زوال النعم وتقلب الأحوال. فإن الخسارة الكبرى اغترار بزينة الدنيا الفانية، وانصراف عن الإعداد لتلكم الباقية حيث الفلاح والفوز العظيم. وإنها لنعم النصيحة أهداها ملك إشبيلية إلى كل حاكم حوله غروره إلى متجبر طاغية، وإلى كل غافل لاه أنسته الدار الآخرة فرحته الغامرة بلذة عابرة.

( أمي أريد قطعة حلوى) كان نداء صغيرها الذي قطع حبل تفكيرها وذكرها بأن للعيد فرحة لن يسرقها الصهاينة الغاصبون مهما أسالوا الدمع وأقضوا المضجع. هي فرحة شكر لنعم الكريم المنان التي لا تعد ولا تحصى، وفرحة اعتزاز بالانتماء لشريعة خاتم المرسلين، وفرحة لأداء شعيرة عظيمة من أركان هذا الدين. كذلك ينبغي أن تعلم   وتعلم أبناءها يقينا في موعود الله عز وجل ناصر المستضعفين وقاصم الجبارين العزيز القدير سبحانه وتعالى.

فقط يكفي أن توثق بالله العليم الحكيم صلتها لتفرح بإسلامها، ويكون حزنها تهمما بأمر المسلمين، واستعدادا لنصرة المستضعفين والتفريج عن المكروبين، وحملا لرسالة هذا الدين شوقا إلى أخرى تسعد فيها برضا الغفور الرحيم.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.