منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 خطبة: فقه الصيام بين أداء العزيمة وتيسير الرخصة

 خطبة: فقه الصيام بين أداء العزيمة وتيسير الرخصة/ الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

 خطبة: فقه الصيام بين أداء العزيمة وتيسير الرخصة

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي

الحمد لله الذي فرض علينا في رمضان الصيام، كما أجاز فيه لأصحاب الأعذار الشراب والطعام، نحمده سبحانه وتعالى وهو الملك القدوس السلام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصين له عبادة الصيام والقيام، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد الأنام، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الكرم والإكرام، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دامت الأيام والأعوام.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

إن الأحكام في الإسلام على قسمين:

قسم يسمى “العزيمة” وهي الواجبة في البداية عند توفر القدرة والاستطاعة ، وقسم يسمى “الرخصة” وذلك عند تعذر أداء العزيمة لعجز من مرض أو غيره؛ فالإسلام يراعي في الأحكام حاجة الناس وتأمين سعادتهم؛ ولذلك كانت أحكامه كلها في مقدور الإنسان وضمن حدود طاقته، وليس فيها حكم يعجز الإنسان عن أدائه والقيام به، وإذا ما ناله حرجٌ خارج عن حدود قدرته، أو متسبب في العنت والمشقة الزائدة؛ فإن دين الإسلام يفتح أمامه باب العفو والتيسير والترخيص والتخفيف؛ وآيات القرآن الكريم الدالة على ذلك كثيرة؛ منها: قوله تعالى: {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم ‌مِّنۡ ‌حَرَجٖ} وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ ‌مِنۡ ‌حَرَجٖ}، وقوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ‌ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ}، وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا ‌وُسۡعَهَا}، وقوله تعالى: {وَنُيَسِّرُكَ ‌لِلۡيُسۡرَىٰ}، وقوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُۥ ‌لِلۡيُسۡرَىٰ}؛ وأكد الرسولﷺ ذلك في أحاديث كثيرة منها: ما روى البخاري أنهﷺ قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا…»، وما روى الطبراني وأحمد أنهﷺ قال: «بعثت بالحنيفية السمحة»؛ أي: اليسيرة السهلة.

وعلى هذا الأساس فرض الله علينا صيام شهر رمضان؛ فمن انتهك حرمته فقد ارتكب جريمة يستحق عليها العقوبة المالية بكفارة إطعام ستين مسكينا، أو البدنية بصوم شهرين متتابعين؛ ولكن يوجد في الواقع بعض الناس لا يجب عليهم الصيام، ويجوز لهم نهار رمضان الأكل والطعام؛ ويمكن تصنفيهم إلى ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: صنف به مانع يمنعه من الصيام؛ ويتمثل في المرأة الحائض والنفساء؛ أي: المرأة التي جاءتها العادة الشهرية، أو التي فيها دم النفاس وهو دم الولادة، حتى لو صامت فلا يصح منها ولا يجب عليها:

• أما العادة الشهرية؛ فالمرأة يجب عليها أن تعرف أيام عادتها الشهرية لا تصلي فيها ولا تصوم، وتقضي بعد رمضان الصيام ولا تقضي الصلاة؛ فلو استمرت العادة أكثر من أيامها المعروفة فإنها تضيف لها ثلاثة أيام لا تصلي فيها ولا تصوم؛ وبعد ذلك فهي مستحاضة أي: فيها دم مرض، فيجب عليها أن تصلي وتصوم وتستشير الطبيب لتعالج نفسها.

• وأما دم النفاس؛ فهو الدم الذي يأتي بعد الولادة فلا تصلي به ولا تصوم؛ بل تنتظر حتى تطهر فإذا استمر الدم انتظرت أربعين يوما على قول أو ستين يوما على قول آخر؛ وهذا في حالة استمرار سيلان الدم، أما إذا انقطع فتجب عليها الصلاة والصيام فلا تنتظر لا أربعين ولا ستين.
وبعض النساء هنا يسألن: هل يجوز استعمال حبوب منع الحيض من أجل الصيام والقيام وحضور الدروس في المساجد من أجل الاستفادة أو الإفادة؟

فلا داعي للمرأة أن تستعمل هذا الدواء حفاظا على صحتها؛ وحفظ الأبدان مقدم على حفظ الأديان، لأن الدين السليم في العقل السليم، والعقل السليم في الجسم السليم؛ ويجب أن تعلم المرأة إذا حاضت أن أجر ما كانت تقوم به من الصيام والقيام ثابت لها عند الله تعالى، لم تضيع منه شيئا؛ لقول النبيﷺ فيما روى الإمام مسلم: «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة»، ولقولهﷺ فيما روى البخاري: «إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما»؛ والحيض أمر طارئ يمنع المرأة مما كانت تفعله وهي سليمة منه، فإذا أتاها وكان لها رصيد من العبادة، وعادة من الطاعة لم يمنعها من مواصلتها إلا الحيض؛ فإن لها من الأجر مثل ما كانت تعمل وهي سليمة.

وإذا كان هذا الدواء يضر بصحتها -وهو الأمر الغالب- فاستعماله حرام؛ لأن الإسلام يحرم كل ما فيه ضرر، وأما إذا كان لا يضر بها فاستعماله مكروه؛ لأن كل ما هو طبيعي في جسم الإنسان لا ينبغي محاربته بالأدوية والعقاقير؛ كالنوم والاستيقاظ والأكل والشرب وقضاء الحاجة والحيض بالنسبة للمرأة؛ ولكن المرأة إذا اقتحمت الحرام أو الكراهة فاستعملته فذهب به حيضها وجب صومها وصح ولا قضاء عليها، كما صحت صلاتها، ولكنها أسأت وبئس ما فعلت شرعا وواقعا؛ لأنها تناولت ما فيه ضرر بصحتها غالبا، كما أنها حاربت قانون الله تعالى الذي جعله أمرا طبيعيا في جسدها؛ ويجب أن تعلم أن هذا الدواء يعد من المواد المسرطنة لعنق الرحم، فلا يجوز تناوله إلا بعد استشارة الطبيب المختص.

● الصنف الثاني: صنف به عجز لا يستطيع الصيام ولا يقدر عليه؛ ويتمثل في المريض وهو على نوعين:

• النوع الأول: المريض مرضا مزمنا مستمرا دائما بحيث لا يرجى شفاؤه؛ فلا يجب عليه الصيام؛ بل قد يكون الصيام في حقه حراما إذا ضر بصحته، مثل مرضي السكري والقصور الكلوي؛ وإنما تستحب له الفدية وهي إطعام مسكين واحد عن كل يوم؛ ومثل المريض في هذا الحكم الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فعليه الفدية استحبابا بشرط أن يكون محافظا على عقله؛ أما الشيخ الكبير المصاب بما يسمى “الزهايمر” الذي يقول الله تعالى فيه: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ ‌أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗا}؛ فلا يجب عليه شيء لا صيام ولا فدية؛ لأن كل تكليف يكون بشرط العقل.

• النوع الثاني: المريض الذي يرجى شفاؤه؛ فيجب عليه القضاء فقط بعد الشفاء ولا فدية عليه؛ وفي حكمه المرأة الحامل فيجب عليها القضاء بعد وضع حملها ولا فدية عليها؛ لأنها مثل المريض لا تستطيع التخلص من حملها.

والفدية في الأصل مستحبة ولا تجب إلا على اثنين فقط؛ هما:

الـمُفَرِّط في قضاء ما كان عليه من رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر بدون عذر لمجرد التهاون والتفريط؛ فيجب عليه القضاء مع الفدية.
وكذلك المرأة المرضع التي أفطرت من أجل الرضاعة يجب عليها القضاء مع الفدية؛ لأنها بإمكانها أن تتخلص من الرضاعة بإرضاع طفلها حليب الصيدليات مثلا طيلة شهر رمضان.

● الصنف الثالث: صنف ليس به عجز ولا مانع ويستطيع الصيام؛ ولكن يجوز له الإفطار والصوم خير له؛ ويتمثل في المسافر؛ لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مَسَاكِينٖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ وَأَن ‌تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ}؛ ويشترط في جواز الفطر في السفر -في المذهب المالكي- أمران هما:

• أولا: تحقق السفر المباح الذي يصح فيه قصر الصلاة، وهو المحدد في ثمانين كيلومترا تقريبا؛ فلا يجوز الفطر إذا قصد السفر بالليل ثم لم يسافر إلا بعد طلوع الشمس، ولا في السفر من أجل ارتكاب الحرام كالزنا والرشوة، ولا في السفر دون المسافة المحدد شرعا لقصر الصلاة.

• ثانيا: تبييت الفطر بالليل قبل الفجر بأن يقصده وينويه؛ فلو نوى الصيام بالليل ثم سافر نهارا وجب عليه إتمام الصوم: لأنه بنية الصوم يكون قد شرع في عمل يحرم إبطاله لقول الله تعالى: {وَلَا ‌تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ}.

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العلمين…

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين…
أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ هذه جولة مختصرة في فقه الصيام أو ردت فيها بعض المسائل التي يحتاج إليها المسلمون في صيامهم، حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، قاصدا بذلك تحقيق الخير لأنفسنا؛ والخيرية تتحقق للمسلم بقدر ما يتعلم ويعلم من الفقه في الدين؛ لقول النبيﷺ فيما روى البخاري ومسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين…»؛ فالخيرية تتحقق بالفقه، والفلاح لا يتحقق إلا بالتزكية وذكر الله تعالى؛ لقوله سبحانه: {‌قَدۡ ‌أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ}، وقوله سبحانه: {وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ‌قَدۡ ‌أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا}.

اللهم اجعلنا من الذين صاموا رمضان فصانوه حتى كان لهم وقاية وجُنّة.
اللهم اجعلنا من الذين صلَّوْا فواصلوا حتى وصلوا إلى القمة.
اللهم اجعلنا من الذين صَدَقوا فسبقوا في رفع الهمة.
اللهم اجعلنا من الذين تصدَّقوا فأخلصوا حتى تخلَّصوا من كل أنانية.
اللهم اجعلنا من الذين صاحبوا فاجتنبوا شياطين الإنس والجِنَّة.
اللهم اجعلنا من الذين قرءوا فارْتَقَوْا عندك في مراتب الجَنَّة.
اللهم اجعلنا من الذين صبروا فصابروا ورابطوا حتى فازوا نعمة منك ومِنَّة.

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ}.

ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.