منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فقه المحبة

رشيد الفائز/ فقه المحبة

0

فقه المحبة

رشيد الفائز

المـحبة نور يقذفه الله في قلوب العباد فيحب بعضهم بعضا، ومحلها القلب الذي هو سلطان الجسد ومحل الفرح و الحزن، والشجاعة والخوف، والرحمة والقسوة والقلق و الطمأنينة.

ولتقريب دور المحبة في جسم الجماعة الانسانية نمثلها بالدم الذي يضخه القلب إلى أطراف الجسد، فيمد كل أعضاء الجسم دون تمييز بالغذاء النافع والهواء النقي والماء الزلال، كما يميط عنها دون تمييز كذلك كل المفسدات والفضلات و الشوائب.

فإن كانت المحبة تولد بين قلبين أو قلوب شتى، فلابد لها من غذاء لتنمو وتكتسب القوة ثم المناعة ثم القدرة على الاقتحام.

المزيد من المشاركات
1 من 50

وقد أرشدنا حبيبنا سيدنا محمد ﷺ إلى ما يغذي المحبة وينميها بين المومنين في الحديث المشهور عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأثر عن ربه تبارك وتعالى : حقت محبتي للمتحابين في ، وحقت محبتي للمتواصلين في ، وحقت محبتي للمتزاورين في ، وحقت محبتي للمتباذلين في»1

إذن هو تحاب في الله ولله وحسب، وتواصل وسؤال دائم دون انقطاع خط المحبة، وتزاور متقارب تُتَفقد به الأحوال فيفضي إلى تباذل يرأب الصدع و يسد الخلل، فتمضي سفينة المتحابين تمخر عباب بحر الحياة مقتحمةً غير عابئة بأمواجه المتلاطمة أو عواصفه الهوجاء.

وبالمقابل، إن جُرحت المحبة، فإنها تسبب ألما قد يؤدي إن لم يُعالج إلى فقدان الإحساس ثم التعفن ثم العدوى ثم البتر لا قدر الله.

ومما يخدش المحبة بين الناس :

الأثرة والأنانية، والتكلف والتفاخر، والكلمة الجارحة التي قد لا يلقي لها المرء بالا، فتُفسد المودة والمحبةكما يفسد الخل العسل. بالإضافة إلى سوء الظن وغياب المشروع الجماعي الواضح المعالم الذي يشعر معه كل فرد بمسؤوليته تجاه نفسه وجماعته وأمته.

وقد وصف الله تعالى جو المحبة والرحمة في معية المصحوب المرشد بقوله تعالى : ﴿ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾2 ، معيةٌ أثمرت تعظيم المصحوب المحبوب (وهو النبي ﷺ ومن ينوب عنه) والتفاني في محبته.

ولكي لا تبقى المحبة فضفاضة محلقة في عالم الأماني المعسولة، وضع النبي ﷺ أسسا تنظيمية كثيرة لتسري المحبة في جسم الجماعة المومنة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 10

– الاجتماع على ذكر الله وتلقي القرآن بِنية التنفيذ، كما قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه:«كنا نقرأ عشر آيات لا نتجاوزهن إلى غيرهن حتى نعمل بما فيهن».

– فداء العبيد من قبضة الكفار كما حصل مع سيدنا أبي بكر الذي حرر سيدنا بلال رضي الله عنهما.

– المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. ﴿ إنما المومنون إخوة ﴾3

– الإيثار بالنفس والمال والجهد لقوله تعالى: ﴿ ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾4 وقوله ﷺ : ((لا يؤمن أحَدُكم حتى يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه))5.

– المشاركة الجماعية في مشروع بناء المجتمع الجديد بدءا ببناء المسجد الجامع ((يد الله مع الجماعة))6

– إيصال هذه المحبة والرحمة إلى الناس أجمعين الأقرب فالأقرب. ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾7
ونختم بالصورة الجميلة التي ندبنا رَسُولُ اللهِ ﷺ أن نكون عليها حينما قال ﷺ : ((مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى))8.


1- أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
2- سورة الفتح، الآية 29.
3- سورة الحجرات، الآية 10.
4- سورة الحشر، الآية 9.
5- رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه.
6- رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
7- سورة الأنبياء، الآية 107.
8- متفق عليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.