منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فقه السفر

الدكتور محمد جعواني/ فقه السفر

0

فقه السفر

الدكتور محمد جعواني

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه،

وبعد:

فقد ارتضى الله رب العالمين لعباده رسالة الإسلام دينا، وجعلها الرسالة الكاملة الخاتمة الخالدة الناسخة لما سبقها ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾[المائدة، 4].

المزيد من المشاركات
1 من 51

وتميزت رسالة الإسلام بخصائص عديدة جعلتها تتميز عن باقي الشرائع السماوية السابقة وأيضا عن التشريعات الوضعية البشرية ومن تلكم الخصائص:

الربانية والعالمية والشمول والوسطية والتوازن والاعتدال واليسر والسماحة والتجديد والاجتهاد.

وسنقتصر في هذا المقام على خاصية اليسر والسماحة ورفع الحرج، وهذه الخاصية نصت عليها نصوص الوحي كتابا وسنة، واصطبغت بها الأحكام الفقهية المؤطرة لحياة المسلمين أفرادا وجماعات.

قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾[الحج، 76] وقال سبحانه: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾[البقرة، 184]وقوله جل شأنه: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾[البقرة، 285]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

“إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة” (رواه البخاري)

وعن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: “قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العِيِّ السُّؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر – أو” يعصب “شك موسى – على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده” (رواه أبو داود)

مقالات أخرى للكاتب
1 من 14

ومن القواعد الفقهية المشرقة:

“الحرج مرفوع” و”الضرر يزال” و”المشقة تجلب التيسير” و”الضرورات تبيح المحظورات”…

واليسر: ضد العسر والشدة، ومعناه التسهيل بما يوافق القدرة والطاقة.

والحرج: هو الضيق والمشقة، ورفع الحرج بمعنى إزالته ودفعه وتوقي أسبابه.

ولا تعني خاصية اليسر بأي حال من الأحوال التسيب والتحلل من الأحكام الشرعية واتباع الهوى والنفس الأمارة بالسوء، فإن الشريعة جاءت لإخراج المكلفين عن داعية أهوائهم ليكونوا عبادا لله اختيارا كما هم عبيد له اضطرارا بتعبير الشاطبي-رحمه الله-.

والقصد من التيسير والتخفيف مراعاة طاقة المكلف وقدرته، واعتبار ظروفه وأحواله ليبقى في دائرة الانقياد لأمر الله سبحانه في كل وقت وحين. ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾[البقرة، 286]، ﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾[الطلاق، 7].

وعدَّ أهل العلم أسبابا عديدة تستوجب التيسير والتخفيف، ومن ذلك السفـــر، والمرض، والنسيان، والإكراه، والاضطرار، والجهل.
وسنكتفي بواحد من تلك الأسباب ونبين ما يبيحه السفر من رخص في العبادات.

  •  مفهوم السفر:

السفر لغةً: الظهور أو البروز، ومنه أسفر الصباحُ إذا لمع، ومنه: سفرت المرأةُ عن وجهِها: إذا كشفته وأظهرته.
ويطلق السفر في اللغة أيضاً على قطع المسافة، وجمعُه “أسفار”.

السفر اصطلاحاً: هو خروج الأشخاص من عمارتهم أي موضع إقامتهم.

  •  أنواع السفر:

– سفرٌ حرام:

وهو السفر لارتكاب محظور شرعي، كالسفر للتجارة في الخمر ونحوها من المحرمات.

– سفر واجب:

ومنه السفر لفريضة الحج أو الجهاد الواجب.

– سفر مندوب:

ومنه السفر للعمرة أو السفر لحج التطوع.

– سفر مباح:

ومنه السفر للتجارة المباحة، وكل أمر مباح.

 – سفر مكروه:

ومنه سفر الإنسان وحده بدون رفقة إلا في أمر لا بد منه، لقوله صلى الله عليه وسلم: ” لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده ” (رواه البخاري)

واختلف العلماء في نوع السفر الذي تختص به الرخص- من القصر، والجمع، والفطر، والمسح على الخفين والعمائم ثلاثة أيام، والصلاة على الراحلة تطوعا- على أقوال:

الأول: يرى بأن رخص السفر تناط بالسفر المشروع -سفر الطاعة- (واجبا أو مندوبا أو مباحا) فقط ولا تناط بالسفر المحرم والمكروه-سفر المعصية-، فالرخص لا تناط بالمعاصي.

الثاني: يرى بأن القصر لا يشرع إلا في الحج والعمرة والجهاد، لأن الواجب لا يترك إلا لواجب، أما السفر المباح والمحرم والمكروه فلا رخصة فيه.
الثالث: ذهب الإمام أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية وجمع كثير من العلماء إلى أنه يجوز القصر حتى في السفر المحرم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعا في جنس السفر ولم يخص سفرا دون سفر، وهذا القول هو الصحيح ، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر ». (مجموع الفتاوى 24/109)

الرخص المشروعة في السفر:

رخص الشرع للمسافر في قصر الصلاة وجمعها، وصلاة التطوع على الراحلة، والفطر في الصيام، والمسح على الخفين.
1- القصر والجمع:
فرض الله الصلاة على عباده وجعلها لا تسقط عن المكلف ما دام عاقلا، و جعل في كيفية أدائها تيسيرا حسب حال الإنسان من المرض والسفر وغيره، ففي السفر الذي هو مظنة المشقة أجاز الشرع للمسافر جمع الصلاة وقصرها، قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء:101]، وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك.

ولكن هناك شروط للجمع والقصر في السفر لا بد منها، ومتى تحققت الشروط يُسنّ قصر الصلاة الرباعية ويجوز الجمع.

  • قصر الصلاة:

قال الشيخ خليل – رحمه الله – ملخصا شروط القصر: (سُنّ لمسافر: غير عاص به، ولاهٍ، أربعة برد… ذهابا، قصدت دفعة، إن عدّى البلديُ البساتين المسكونة… وانفصل… قصرُ رباعية… وقطعه: دخول وطنه، أو مكان زوجة دخل بها فقط…، ونية دخوله…، ونية إقامة أربعة أيام صحاح…) (مختصر خليل ص43)

وتفصيل تلك الشروط كالتالي:

– أن يكون الشخص مسافراً سفراً يبلغ ذهاباً مسافة القصر وهي أربعة برد (أزيد من 80 كلم).

– أن تكون الصلاة رباعية، فلا قصر إلا في الظهر والعصر والعشاء.

– أن يكون سفره لطاعة أو أمر مباح قال ابن عبد البر -رحمه الله-: (صلاة المسافر ركعتان إلا المغرب ولا يقصر أحد صلاته حتى يكون سفره طاعة أو مباحا). (الكافي 1/243)

– أن يجاوز الشخص محل الإقامة، لأن القصر بسبب السفر لا يجوز مالم يغادر محل إقامته، أي مالم يسافر حقيقة، جاء في المدونة: (وقال مالك في الرجل يريد سفرا: إنه يتم الصلاة حتى يبرز عن بيوت القرية، فإذا برز قصر الصلاة وإذا رجع من سفره قصر الصلاة حتى يدخل بيوت القرية أو قربها). (المدونة 1/206)

– أن لا ينوي إقامة أربعة أيام صحاح تتضمن عشرين صلاة فما فوقها. قال ابن أبي زيد القيرواني -رحمه الله-: “وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن من مكانه ذلك”.(الرسالة ص67)
وإذا وصل المسافر إلى وطنه، أو إلى مكان فيه زوجة له مدخول بها فإنه يعتبر مقيما.

  • صلاة المسافر خلف المقيم:

إذا صلى مسافر خلف مقيم أتم الصلاة أربعاً، كما صحت بذلك السنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأن متابعة الإمام واجبة، وقصر الرباعية في السفر سنة لا واجب على الصحيح. فقد روى الإمام أحمد في المسند عن موسى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعاً وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين قال: تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم من طريق نافع قال: كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.
وعليه، فإذا اقتدى المسافر بالمقيم فأدرك معه ركعة كاملة فما فوق أتمَّ وجوباً معه ولا يقصر ولو نوى ذلك، فإن لم يدرك معه ركعة لا يُتِمُّ بل يقصر. يقول الإمام الحطاب رحمه الله في: “وإنما يتم المسافر بإتمام إمامه إذا أدرك من صلاته ركعة فأكثر، وإن لم يدرك معه ركعة ودخل معه في الجلوس أو سجود من آخر ركعة لم يتم صلاته، وكان عليه قصرها” ( مواهب الجليل 2/506)

  •  الجمع بين الصلاتين في وقت واحد:

الجمعُ هو تقديم إحدى مشتركتي الوقت أو تأخيرها عن وقتها بوجه جائز، مع العلم بأن الأصل في الصلاة أنها واجبة في وقتها إلا بعذر شرعي، ولا يشترط في جمع السفر مسافة القصر.

وللجمع أسباب ستة وهي: السفر المباح، والمطر الغزير، والطين مع الظلمة حضرا، والمرض مطلقا، ووجود الحاج بعرفة أو بالمزدلفة.
وللجمع ثلاث صور، وهي: جمع تقديم، وجمع تأخير، وجمع صوري.

      • الأحوال التي يجمع فيها جمع تقديم بسبب السفر:

– جمع الظهر والعصر جمع تقديم لمن زالت عليه الشمس وحان موعد سفره، أو كان مسافرا نازلا بمكان ما كباحات الاستراحة التي على الطريق وعلم أنه لن يصل إلا بعد غروب الشمس. وذلك لأن أداء العصر في وقت مشترك قبل حلول وقتها الأصلي خير من قضائها بعد فوات وقتها. فإن علم أنه سينزل قبل الاصفرار خير في العصر، فإن شاء قدمها، وإن شاء أخرها وهو الأولى. قال ابن الحاجب – رحمه الله تعالى-: ( فإن زالت الشمس، ونيته النزول بعد الاصفرار جمع مكانه، وقبل الاصفرار صلى الظهر وأخر العصر). ( المختصر الفقهي 1/526)
وللمسافر أن يجمع بين الجمعة والعصر على التفصيل الذي سبق في جمع الظهر والعصر.

– جمع العشاء مع المغرب لمن غربت عليه الشمس نازلا، وعلم أنه لن ينزل بعد شروعه في سفره إلا بعد طلوع الفجر. وإن علم نزوله قبل الثلث الأول من الليل خُيّر في العشاء بين تقديمها وتأخيرها والتأخير أولى.

      • الأحوال التي يشرع فيها جمع التأخير بسبب السفر:

– جمع الظهر مع العصر جمع تأخير لمن زالت عليه الشمس أثناء سيره، وكان قد نوى النزول عند اصفرار الشمس.

– جمع المغرب مع العشاء لمن غربت عليه الشمس سائرا وكان قد نوى النزول في وقت العشاء أو في الثلث الأول أو بعده حتى قبيل الفجر، فإنه يجمع المغرب والعشاء جمع تأخير بأن يصلي المغرب مع العشاء عند النزول.

 – الجمع الصوري:

ومعناه أداء إحدى الصلاتين في آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها. وهو جائز للمسافر، والمريض، والصحيح كذلك مع فوت فضيلة أول الوقت. وينوي المصلي في الجمع نية الجمع عند الصلاة الأولى، ومن لم ينو نوى عند الصلاة الثانية ويكفيه ذلك.

1- السفر يوم الجمعة:

إذا كان قبل طلوع الفجر فهو جائز، وإن كان بعده فهو مكروه، وإن كان عند الزوال، أي: قبل الظهر بقليل فهو محرم إن لم يكن لضرورة أو عَلِم المسافر أنه سيدرك الجمعة ببلد آخر، قال الخرشي -رحمه الله-: (وكره السفر يوم الجمعة لمن تلزمه بعد فجره على المشهور إذ لا ضرر عليه في الصبر لتحصيل هذا الخير العظيم، وأما قبله فجائز، وحرام بالزوال قبل النداء على المعروف لتعلق الخطاب به إلا أن يتحقق عدم ترك الجمعة بسفره لقصر سفره فيجوز، ومحل الحرمة ما لم يحصل له ضرورة بعدم السفر عند الزوال من ذهاب ماله ونحوه كذهاب رفقته، فإنه يباح له السفر حينئذ) (شرح مختصر خليل للخرشي 2/270-271)

ولا يجوز جمع ولا قصر قبل دخول الوقت، ومن فاتته صلاة في السفر فأراد أن يصليها في الحضر فيصليها على نحو ما فاتت، أي قصرا إن كانت مما يقصر وهي الرباعية، ومن فاتته صلاة في الحضر وأراد أن يصليها في السفر فيصليها على نحو ما فاتت أي تامة بلا قصر، قال العلامة الدرير -رحمه الله-: “(وجب) فوراً (قضاء) صلاة (فائتة) على نحو ما فاتته من سفرية وحضرية وسرية وجهرية”(حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/363)

2- صلاة النافلة على الراحلة:

يستحب للمسافر أن يصلي النوافل إن وجد نشاطاً ولا ينبغي أن يترك النافلة لمجرد أنه مسافر، فقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي النافلة على راحلته ولم ينه عن الصلاة في السفر. فحكم التنفل باق على أصله وترك التنفل عند التعب جار على أصل يسر الشريعة أيضاً، وفي المدونة: “قال مالك: يتنفل الرجل في السفر ليلا أو نهارا على دابته حيثما توجهت به، قال: وكذلك على الأرض يتنفل ليلا أو نهارا في السفر” (مدونة الإمام مالك 1/80)

وليحافظ المسافر على الوتر وسنة الفجر فيصليهما ولكن بالنسبة للوتر يصليها بعد دخول الوقت الحقيقي للصلاة لا بعد جمع التقديم، قال الشيخ خليل رحمه الله تعالى مبينا وقت صلاة الوتر بقوله: “ووقته بعد عشاء صحيحة وشفق للفجر”(المختصر ص 39)، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يترك الوتر وركعتي الفجر في أسفاره.

3- الفطر في الصيام:

من شروط وجوب الصوم الحضور والإقامة، وقد رخص الشارع للمسافر مسافة القصر في الفطر لقوله تعالى: “فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”[البقرة، 185]، و”شهد” بمعنى كان مقيما.

لكن يندب للمسافر الصيام إن قدر، لأن رمضان زمن خاص لا تضاهيه الأزمنة الأخرى.”وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون”[البقرة، 184]، والمشهور في المذهب المالكي أفضلية الصوم للمسافر المطيق مالم يكن هناك خوف، أما في الحرب فالفطر أفضل للتقوي على الأعداء،

أما مع الضرر فيحرم الصوم وهو ما تأوله المالكية من حديث البخاري ومسلم “ليس من البر الصوم في السفر”.

واشترط المالكية شروطا أربعة للفطر، وهي:

– أن يكون السفر مباحا لا محرما.

– أن يجاوز السفر مسافة القصر وهي أربعة برد متصلة.

– أن يشرع في السفر قبل الفجر فإن كان سفره مربوطا بوسيلة لا تنطلق إلا بعد الفجر كالطائرة أو الحافلة مثلا فيجب عليه تبييت نية الصيام، فإن أفطر بعد الفجر فعليه القضاء والكفارة، فإن سافر قبل الفجر جاز له الفطر بلا خلاف.

– أن يبيت نية الفطر، فإن نوى الصيام فلا يجوز له الفطر على المشهور.

4- المسح على الخفين:

المسحُ في اللّغة: مصدر مسَح، ومعناه إمرارُ اليد على الشّيء بَسْطًا.

والخُفُّ: نَعْلٌ من أَدَم (جِلْد) يُغطّي الكَعْبين، ويجمع على خِفاف.

والمسح على الخُفّين جائز باتّفاق أهل السنّة والجماعة، وهو رخصة من الله عز وجلّ تخفيفا منه على عباده، ودفعا للحرج والمشقّة عنهم. وقد دَلَّ على جوازه الكتاب والسنّة والإجماع.

أما دليل الكتاب على جواز المسح على الخفين، فهو قراءة الخفض في قول الله تبارك وتعالى:” وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ”[المائدة، 6] وهي قراءة ابنُ كثير وأبي عمرو وحمزة وأبي بَكر عن عاصم. وقرأ بقية القُرّاء بنصب “وَأَرْجُلِكُمْ”.

فالخفضُ يوجب العطف على الرأس، يعني عطف ممسوح على ممسوح. أما النصب فيوجب العطف على الوجه واليدين يعني عطف مغسول على مغسول.

أما أدلّة السنة على جواز المسح على الخفّين، فقد تواترت الأحاديث الصّحيحة على ثُبوته عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من فِعْلِه وأمْرِه بذلك وترخيصه فيه.

قال الحسن البصري: حدَّثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه مسح على الخفين (فتح الباري لابن حجر 1/317). وروى حديث المسحِ أكثر من ثمانين صحابياً، منهم العشرة المبشَّرون بالجنَّة، وعَدَّهُ بعض الحُفَّاظ خبراً متواتراً.

وقد وَرَدَ في المسح على الخفين أربعون حديثا، منها: حديث جَرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: “رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالَ ثمّ توضأ ومسح على خُفّيه”(رواه البخاري ومسلم).

قال الأعمش: قال إبراهيم: كان يُعجبهم هذا الحديث لأنّ إسلامَ جرير كان بعد نزول (المائدة) يعني: آية الوضوء. وفي حديث شَهر بن حوشب:” فقلت له (لجَرير): أقَبْلَ المائدة أم بَعْدَ المائدة؟ فقال: ما أسلَمْتُ إلاّ بعد المائدة”(سنن الترمذي 1/157) وفي هذا رَدٌّ صريح على من ادَّعَى أنّ آية المائدة ناسخة لحديث المسح على الخفين.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:” أن سَعْدًا حدّثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يمسح على الخفّين، وأنّ ابن عمر سأل عن ذلك عمر فقال: نعم، إذا حدثك سعد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا فلا تسأل عنه غيره”(رواه أحمد والبخاري). وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنّعلين”.( رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. وضعّفه أئمة آخرون).

أما دليل الإجماع، فقد أجمع العلماء من أهل السنة والجماعة على مشروعيته. قال الإمام النّووي: “أجمع من يُعْتَدُّ به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السّفر والحضَر سواء كان لحاجة أو غيرها، وإنما أنكرته الشّيعة والخوارج ولا يعتدُّ بخلافهم” ( شرح النووي على مسلم 3/164)

وللمسح على الخفين شروط، ومندوبات، ومكروهات، ومبطلات.

أ) شروطه:

كونُهما من جلد: فلا يُمْسَح على ما لم يكن جِلدا لأن التّشريع نزَل والخِفَافُ من جلد، وهي المعهودة عند العرب.
المسح على الجَوْرَبَيْنِ:

الجَوْرَب لُفافة الرِّجْلِ من غير الجلد كالصّوف والقطن ونحو ذلك. واختلف الفقهاء في جواز المسح عليه على ثلاثة أقوال، وهي:

قول جمهور الفقهاء: لا يجوز المسح إلا على الجورب المجلَّد ، واستدلّوا بضُعْف الأحاديث التي تُجِيز المسح على الجوربين ، وحملوا الآثار الواردة عن الصحابة الكرام في المسح على الجوربين على الجورب المجلّد.

قول الحنابلة والصّاحِبَين من الحنفية (يقصد بالصاحبين الإمامان: محمد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف) وغيرهم: يجوز المسح على الجوربين الصَّفيقَين. واستدلّوا ببعض الأحاديث، كالحديث المرويّ في السُّنن “أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه”. كما استدلوا بما ورد عن الصحابة الكرام، فقد رُوِيَ المسح على الجوربين عن ثلاثة عشر صحابيا رضي الله عنهم. وقد أطلق بعضهم لَفْظَ الخُفّ على الجوربين من صوف. روي عن أنس رضي الله عنه أنه مسح على جوربين من صوف فقيل له: أتمسح عليهما؟ فقال: إنهما خُفّان ولكنّهما من صوف.

قول ابن حزم وابن تيمية وابن القيّم: يجوز المسح على الجوربين مطلقا ولو كانا رقيقين. واستدلّوا بأدلّة أصحاب القول الثاني، وبكون القياس يقتضي ذلك، لاشتراك الخف والجورب في نفس العلّة والمتمثّلة في حاجة الرِّجْلِ إليهما معا. فالشّريعة لا تفرِّق بين متماثِلين. وقالوا لا يوجد دليل واضح يفيد أن ما مسح عليه الرسول صلى الله عليه وسلم كان مجلَّدا، كما لم يأت نهيٌ عن المسح على الجورب إذا كان من صوف أو قطن. فالعام والمطلق يُعمل به على عمومه وإطلاقه. يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: يجوز المسح على الجَوربين إذا كان يمشي فيهما سواء كانت مجلّدة أو لم تكن في أصحّ قولي العلماء.

لبسهما على طهارة: روى المغيرة، قال:” كنتُ مع النبي صلى الله عليه وسلّم في سَفَر، فأهْوَيتُ لأَنزع خفّيه، فقال: دَعْهُما، فإنّي أدخلتُهما طاهرتين، فمسح عليهما”(رواه البخاري). واشترط الجمهور أن تكون الطّهارة مائية، وجوَّز الشّافعية الطّهارة التُّرابية أيضا، كما اشترط الجمهور تمامَ الطهارة وكمالها، وجوّز الحنفية غَسل رِجْل ولبس الخفّ عليها، ثم غسل الرِّجْل الأخرى ولبس الخفّ الآخر.

طهارة عينهِما: فلا يصحُّ المسح على النّجِس، كالخف المتَّخَذ من جِلد الخنزير مثلا.

إباحتُهما: بأن يكون الخفّان مباحين غير محرَّمَين، فلا يجوز المسح على المغصوب، والمسروق، والحرير للرَّجُل، كما لا يجوز للمُحْرِم بحجّ أو عمرة أن يمسح لغير ضرورة لأن لبس ذلك معصية فلا تستباح به الرُّخصة.

لبسُهما استنانًا أو لغَرَض مشروع.

إزالة ما عليهما من حائل: يجب إزالة ما على الخفين من حائل يمنع وصول الماء إليهما عند المسح مثل الطّين، فمن مسح مع وجود الحائل وصلّى أعاد الصلاة وجوبا إذا كان الحائل أعْلَى الخفّ، ويعيد استحبابا إذا كان الحائل أسفلَ الخف. لأن مسح أعلى الخف واجب، ومسح أسفله سنّة. ففي حديث المغيرة رضي الله عنه قال:” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين على ظاهرهما” (رواه الترمذي وصححه). وعن عليّ رضي الله عنه: “لو كان الدِّين بالرَّأي لكان أسفلَ الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على ظهر خفيه” (رواه أبو داود والدراقطني)

سترُهما لمحلِّ الفَرْض: يعني ستر الجزء المفروض غسله من الرِّجل، وهو إلى الكعبين. واختلف الفقهاء في المسح على الخفّ المتَخَرِّق، فذهب الشّافعية والحنابلة إلى إبطاله، واشترط الجمهور أن لا يكون الخَرْقُ فاحشا(أكثر من الثُّلث).
إمكانُ المشي فيهما عادة: بأن لا يكونا واسعين ينْسَلِتان من الرِّجل عند المشي فيهما، أو ضيّقين جدّا.

أن يكون المسح في المدّة المحدَّدة شرعا: وهي عند الجمهور: للمُقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن. واستدلّوا بالآثار التالية.
قال صفوان بن عسّال رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفْرًا أو مسافرين، ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من الجنابة، ولكن من غائط وبول ونوم”. وعن شُرَيْح بن هَانئ قال أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ المَسْحِ على الخُفَّين فَقَالَت: عَلَيْكَ بابن أبي طَالِب فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلْنَاهُ فَقَال: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيم”. (رواه مسلم وابن حبان والنسائي)

وتبتدئ مدّة المسح من أوّل حدَث بعد اللّبس، أو من أوّل مسح بعد الحدث، وقيل تبتدئ من أول صلاة صلاّها إلى خمس صلوات مفروضات وهو مذهب ضعيف. وعن أبي عثمان المهدي قال: “حضرتُ سعدا وابن عمرَ يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته”.

وذهب فقهاؤنا المالكية إلى إطلاق مدّة المسح ولم يروا تقييدها، وجوّزوا للابس الخفّ أن يمسح ما شاء ما لم تُصبه جنابة. واستدلّوا بحديث أنس رضي الله عنه” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضّأ أحدكم ولبس خفّيه، فليصلّ فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة”.(رواه الدراقطني والحاكم)

وبحديث أبي عُمارة الأنصاري رضي الله عنه قال: “وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلّى في بيته للقبلتين، قال: قلت: يا رسول الله أمسح على الخفّين؟ قال: نعم، قال: قلت: يا رسول الله يوما؟ قال: نعم، ويومين. قلت: يا رسول الله يومين؟ قال: نعم، وثلاثة. قال: قلت: يا رسول الله وثلاثة؟ قال: نعم، وما شئت” . وحديث خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: امسحوا على الخفاف ثلاثة أيام، ولو استزدناه لزادنا”.(رواه أحمد وأبو داود)

قال ابن عبد البرّ: أكثر التابعين والفقهاء على القول بالتّوقيت في المسح، وهو الأحوط. (الاستذكار لابن عبد البر 1/278)

ب) مندوباته:

نَزْعُ الخفّ كل جمعة: يُندَب للمُقيم إذا مسح على الخفّين أن ينزعهما كلّ جمعة ليغتسل للجمعة. لما روى عقبة بن عامر:” أنّه وَفَد إلى عمر بن الخطاب عاما، قال عقبة: وعَلَيَّ خفّان من تلك الخفاف الغلاظ، فقال لي عمر: متى عهدُك بلبسهما؟ فقلت: لبستهما يوم الجمعة، واليومُ الجمعة، فقال له عمر: أصبت” (رواه الدراقطني)

البدء في المسح من مُقدَّم الأصابع.

مسحُ أسفلَ الخفّ لحديث عليّ كرم الله وجهه السّابق.

ج) مكروهاته:

القاعدة عند العلماء أن “المسح تخفيف والوضوء إيعاب” (مواهب الجليل 1/349)، لذلك يكره تتبُّع طيّات الخفّ وعَكاريشه، ويكره أيضا تكرار المسح، وكذا غَسل الخفّ بالماء لمخالفة ذلك كلّه لسنّة النبي صلى الله عليه وسلم.

د) مبطلاته:

حصول مُوجبٍ من موجبات الغسل لحديث صفوان بن عسّال رضي الله عنه السّابق.
إذا ظَهر بعض مَحَلِّ الفرض.(ثُلث القدم فأكثر).

انقضاء مدّة المسح عند من يشترطها.

نزعُ الخفّين أو نزعُ أحدهما.

واختلف الفقهاء في بقاء طهارة من نزَع خفّه أو انقضت مدّة مسحه على أقوال أربعة، وهي:

– بقاء الطهارة كاملة، وهو قول النّووي وابن حزم وابن تيمية وغيرهم.

– يلزمه غسل القدمين فقط. وهو قول أحمد والشافعي وغيرهما.

– يلزمه الوضوء من جديد. وهو قول مكحول وابن أبي ليلى وغيرهما.

– يغسل رجليه فقط ما لم يطل الوقت، فإن طال توضأ من جديد. وهو قول مالك والليث بن سعد.

هـ) صفة المسح:

يجعل الماسح يدَه اليمنى من فوق الخفّ اليمنى عند طرف الأصابع، ويجعل يده اليسرى من تحتها، ثم يمرُّ بيديه ماسحا إلى حدِّ الكعبين مرّة واحدة، ثمّ يمسح الرِّجل اليسرى فيجعل يده اليمنى من تحت الخف ويده اليسرى من فوقه، وهذه هي الصّفة المُثْلى للمسح، ولو مسح أكْثَرَ أعلى الخفّ بأصابعه أجزأه، ولا يشترط التّعميم والاستيعاب والتّكرار.

أيّهما أفضل، الغَسل أم المسح؟

رجّح الجمهور غَسل الرّجلين لأنه العزيمة و فضّل الحنابلة المسح على الغسل لما فيه من إحياء سُنَّة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. واستحبّ ابن تيمية المسح لِلابس الخفّ، والغسل لمن كانت قدماه مكشوفتين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.