منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العشر الأواخر آخر فرصة من رمضان لإحياء الليالي وشد المآزر (خطبة)

عبد الله بنطاهر التناني

0

الحمد لله الذي أكرمنا في رمضان بالعشر الأواخر، لنزداد فيها من إحياء الليالي وشد المآزر، وأشهد أن لا إله إلا الله المقدر لكل شيء ما يناسبه من المقادر، العليم بما يجري في هذا الكون من المظاهر والظواهر، الخبير بما فيه من الأسرار والنوادر، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي له في كل خير الأوائل والبوادر، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأكابر، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دام في الدنيا من يجتنب النواهي ويمتثل الأوامر.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
ها نحن على أبواب العشر الأواخر من رمضان؛ في البداية كنا نقول: أهلا رمضان، واليوم ينبغي أن نقول: مهلا رمضان؛ فجلُّه قد ذَهَب، والباقي فيه أفضل من الذَهَب؛ فلئن ضيعت ما ذهب فلا تضيعن ما تبقى لك من الذَهَب؛ فقد أعدَّه الله تعالى ليطهر به القلوب من العيوب، وليحفظ به الجوارح والأعضاء من الذنوب، حتى يكون المسلم في شوق لطاعة علاّم الغيوب.

رَمَضَانُ يَا قَوْمُ انْتَصَفْ * فَتَدَارَكُوا مَا قَدْ سَلَفْ
وَتَـزَوَّدُوا لـِمِـــعَادِكُـــــمْ * قَبْلَ النَّدَامَةِ وَالأَسَـفْ
وَتَذَلَّلُــــوْا لِإلٰهــكُـــــــــمْ * فَالذُّلُّ لِلمَـوْلَى شَرَفْ
أسرعْـتَ يا خير الشهـورِ مهـرولا * هلاّ انتظـرتَ المذنبين ليـركبـوا؟
مـــــــا أسـرع الأفـراحَ حين تمرنا * كالبرق يلمع في السماء ويهرب

وكثير من الناس حين يدخل رمضان في العشر الأواخر يقولون: ها هو قد انقضى، قد فات جله ومضى، فيتكاسلون عن العمل، ويتقاعسون عن تحقيق الأمل؛ وشهر رمضان هو أفضل الشهور، وأفضل عشراته العشر الأواخر؛ لأنها خواتم أعماله، وخير الأعمال خواتمها، ولأنها تحتضن في أحشائها ليلة القدر، وأفضل ليالي العشر الأواخر عند الله هي ليلة القدر، إذ هي ذكرى وأعظم بها من ذكرى؛ ذكرى دستور المسلمين، وذكرى نزول القرآن الكريم، يقول الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا}، ويقول سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}، وفي الحديث المتفق عليه يقول النبيﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»؛ فبإحيائها يكوِّن المسلم لنفسه عمرا كاملا من الطاعة والعبادة، فألف شهر يعادل ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر…؛ ولكن أية ليلة هي ليلة القدر من ليالي هذه العشر؟
اختلف العلماء في تحديدها ولم يتفقوا؛ وعلى وجه التقريب أقول: منهم من يقول: هي في السنة كلها، ومنهم من يقول: هي في رمضان، ومنهم من يقول: هي في العشر الأواخر، ومنهم من يقول: هي في الوتر من العشر، ومنهم من يقول: هي ليلة السابع والعشرين؛ ولكن الراجح أنها في الوتر من العشر، روى البخاري ومسلم أن النبيﷺ قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان»؛ فيمكن أن تكون ليلة الواحد والعشرين، أو الثالث والعشرين، أو الخامس والعشرين، أو السابع والعشرين، أو التاسع والعشرين؛ وقد اختلف فيها حتى الصحابة رضوان الله عليهم فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: «مَن يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ القَدْرِ»، فيرد عليه الصحابي الجليل أُبَيُّ بن كعب رضي الله عنه بأدب فيقول: «يَغْفِرُ الله لأبي عَبْدِ الرّحْمَنِ (كنية ابن مسعود) لَقَدْ عَلِمَ أنّهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَأَنّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ ولَكِنّهُ أَرَادَ أَلاَّ يَتّكِلَ النّاسُ ثُمّ حَلَفَ لا يَسْتَثْنِي أَنّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ». رواه مسلم.
هذا خلاصة ما في تحديدها والراجح أنها في العشر الأواخر؛ روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبيﷺ كان يجتهد في العشر الاواخر ما لا يجتهد في غيره»، في ثلاثة أمور بالخصوص: قراءة القرآن والصلاة والصدقة؛ وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: قالت: «كان النبيﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله»؛ فما أحلى الأشياء حين تشاركها مع أهلك وأحبابك! نستشعر ذلك مثلا في رحلة سياحية، أو في جولة تسوقية، أو في امتلاك أشياء ثمينة؛ إن لها لحلاوة لا تقاوم، وإن عليها لطلاوة لا تساوم؛ فالطلاوة هي الرونق والحسن والجمال؛ هذا في المشاركة في حلاوة وطلاوة المادة؛ فكيف بالمشاركة في حلاوة وطلاوة المودة!؟ وخصوصا حينما لب هذه المودة العبادة، إنها حلاوة وطلاوة إحياء الليالي.أيها الإخوة المؤمنون؛ قد بين لنا الرسولﷺ أقل ما يسمى إحياء الليلة فيما روى الإمام مسلم إذ قالﷺ: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله»؛ ولكن القيام الكامل يحصل بإحياء الليل كله، أو معظمه أو بالذكر والدعاء وتلاوة القرآن، أو بالصلاة والصدقة والإحسان، وقد كان الرسولﷺ يحيى الليالي بطول القراءة والقيام، حتى تورمت منه الأقدام كما روى البخاري، فلما قالت له عائشة لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أجابﷺ: «أفلا أكون عبدا شكورا»، وحتى لا يصيبنا الغرور بالصيام والقيام، وحتى لا ينال منا الإعجاب بالنفس في رمضان، أكشف لكم الستار عن صور من قيام النبيﷺ حتى نقارن أنفسنا بها ونعرف موقعنا منها:

  • الصورة الأولى:
المزيد من المشاركات
1 من 55

نشاهدها فيها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المعروف بكثرة التهجد وطول القيام، يشارك النبيﷺ ذات ليلة الصلاة، فأطالﷺ القيام حتى هم بالمغادرة وترك الصلاة، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: «صليت مع النبيﷺ ليلة فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه».

  • الصورة الثانية:

نشاهد فيها الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صاحب سر رسول اللهﷺ يشارك النبيﷺ ذات ليلة القيام منا -روى الإمام مسلم- فقرأ سورة البقرة فأتمها، ثم سورة آل عمران فأتمها، ثم سورة النساء فأتمها، ثم كان ركوعه وسجوده قريبا من ذلك، وكانت الركعة الثانية قريبة من الأولى، إنها عشرة أحزاب ونصف يا جماعة، نقطعها نحن في تراويحنا في خمسة أيام.

  • الصورة الثالثة:

نشاهد فيها الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يشارك النبيﷺ ذات ليلة القيام، فأطال به إلى حدود الفجر، حتى خاف أن يفوته السحور، روى أبو داود والنسائي عن أبي ذَرّ قال بأن النبيﷺ في العشر الأواخر: «…جمع أهله ونساءه والنس فقام بنا حتى خشِينا أن يَفُوتَنَا الفلاح. قيل: وما الفلاح؟ قال: السحور…».

  • الصورة الرابعة:

نشاهد فيها الصحابة الذين تخرجوا من مدرسة الرسولﷺ في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد كان بعضهم يعتمد على العصي من طول القيام، روى الإمام مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد قال: «أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس في رمضان بإحدى عشرة ركعة، فكان القارئ يقرأ بالمائتين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر».
تلكم هي صور التقطها الصحابة عن عبادة القيام في رمضان، إنها صور إذا أحسنا الاستفادة منها سوف نحصن بها أنفسنا ضد الإعجاب والغرور، وندفع بها عن أنفسنا مساوي الكسل والخمول، وتدفعنا لمزيد من التقرب إلى الله العلي القدير…
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين

مقالات أخرى للكاتب
1 من 9

الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ ينبغي للمسلم وهو يدعو في هذه الليالي العشر أن يستعرض في نيته مشاكل الأمة ومعاناتها، لا ينبغي أن يكون أنانيا حتى في دعائه فيطلب العفو لمشاكله الخاصة فقط؛ فاستعرضوا جزاكم الله خيرا مشاكل الأمة، واسألوا لها العفو والرحمة، وكشف الهم والغمة، وقد جاء في الأثر «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».

تذكروا -اخوة الإيمان- وأنتم تعيشون نفحات العشر الأواخر بأمن وأمان، وراحة واطمئنان، إخوانا لكم أهلكتهم الحروب، وأرقتهم الخطوب، وأقلقتهم الفتن والزلازل؛ تذكروا هؤلاء وأنتم في نفحات العشر الأواخر ، واحمدوا الله على ما أنتم فيه من أمن وأمان، ولا تنسوهم في دعواتكم الصالحة؛ بأن ينفس الله كربهم، ويفرج همهم، ويشتت شمل عدوهم.

تذكروا -اخوة الإيمان- وأنتم تعيشون نفحات العشر الأواخر، إخوانا لكم أرقهم الفقر، وأقعدتهم الحاجة، فمنهم من لا يجد لباسا يواريه، ولا مسكنا يؤويه، ولا طعاما يشبعه، ولا شرابا يرويه؛ فاحمدوا الله على ما أنتم فيه من نعم وخير ولا تنسوا إخوانكم هؤلاء من دعواتكم الصالحة؛ بأن يغني الله فقيرهم، ويشبع جائعهم، ويكسو عاريهم، ويسد حاجاتهم، ويكشف فاقتهم، ولا تنسوهم كذلك من مد يد المساعدة لهم، إما بمال أو لباس أو طعام أو لحاف.

تذكروا -اخوة الإيمان- وأنتم تعيشون نفحات العشر الأواخر بصحة وعافية، إخوانا لكم أقعدهم المرض، وأعاقهم عن مشاركتكم هده النفحات؛ فهم في المستشفيات على الأسرة البيضاء يرقدون، منهم من أمضى الأسابيع العديدة، ومنهم من أمضى الشهور الطويلة، ومنهم من لا يغمض له جفن، ولا يهدأ له بال، آلام متعبة، وأوجاع مؤلمة، فاحمدوا الله على ما أنتم فيه من صحة وعافية وسلامة، ولا تنسوا إخوانكم أولئك في دعواتكم الصالحة بأن يشفي مريضهم، ويزيل بأسهم، ويفرج همهم، ويكشف كربتهم.

تذكروا -اخوة الإيمان- وأنتم تعيشون نفحات العشر الأواخر بالقيام، إخوانا لكم قيدتهم الذنوب، وكبلتهم الخطايا، فمضى المؤمنون المجدون في طاعة الله، وتنافس الصالحون الناصحون في التقرب إلى الله، وهؤلاء في لهوهم وغيهم سادرون، وعن طاعة الله والتقرب إليه متقاعسون، وعلى المعاصي والخطايا والآثام مكبون، تمر عليهم مواسم العبادة والمنافسة في فعل الخير فلا يتحركون، فمنهم يقيم في الشواطئ والساحات على الرقص والغناء والأجواق المشبوهة، ومنهم من يستسلم لوسائل الإعلام يبذر وقته وعمله وفراغه في الأفلام الفاسقة، وفي الإسراف والتبذير، يعشون في جفاء لكرامة رمضان، وفي عناد واضح لفضائل الصيام، وجحود فاضح لعبادات القيام، يستفزون بفسقهم مشاعر الصائمين، ويلوثون به أجواء رمضان، ويعكرون به صفو الإيمان، ويفسدون به وجوه البر والإحسان، ومنهم من يسب الدين والملة، ويدعون للإفطار العلني، ويرمون إحياء الليالي بالفوضى، ويلوثون المصاحف ولا يقبلون النصائح.

تذكروا هؤلاء واحمدوا الله على ما أمدكم به من توفيقه، وما هداكم إليه من التقرب إلى مراضاته، ثم سلوه الثبات على الأمر، والعزيمة على الرشد، ولا تنسوا هؤلاء الخاطئين المخطئين في دعواتكم الصالحة؛ بأن يهديهم الله على الخير، وأن يردهم إلى الحق ردا جميلا، وأن يصلح ضالهم، ويوفق حائرهم.

تذكروا -اخوة الإيمان- وأنتم تعيشون نفحات العشر الأواخر، إخوانا لكم اخترمتهم المنية، وأدركهم الموت، فلم يستطيعوا أن يدركوا معكم نفحات ليلة القدر، فهم في قبورهم محتجزون، وبأعمالهم مرتهنون، وبما قدمت أيديهم في هذه الحياة مجزيون، وتيقنوا أنكم إلى ما صاروا إليه صائرون، فهم السابقون ونحن اللاحقون، فلا تنسوهم في دعواتكم الصالحة؛ بأن يقيل الله عثراتهم، ويغفر زلاتهم، ويتجاوز عن خطيئاتهم.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.