منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني

حسنة المصطافي

0

نعيش نفحات العشر الأواخر من رمضان، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص هذه الليالي بمزيد اجتهاد لا يفعله في الليالي السابقة؛ قالت  أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها «كان النبي صلى الله عليه وسلم: يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها»[1]، وقالت: «كان إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشد المئزر»[2].

ففي هذه الليالي ليلة القدر وهي أفضل الليالي بل خير من ألف شهر، أي أن  العمل فيها خير من العمل في ألف شهر مما سواها؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”[3]، وقيامها يكون بالصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن وغير ذلك من وجوه الخير.

وينبغي للمؤمن أن يكثر في ليلة القدر من الدعاء لأنها من أوقات الاستجابة ولهذا سألت عائشة- رضي الله عنها- عن صيغة تدعو بها تلك الليلة؛ حيث قالت: يا رسول الله إن وافقتها فبم أدعو؟ قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»[4]

ارتبط هذا الدعاء بالعشر الأواخر وبليلة القدر، فما معنى العفو؟ وما الحكمة من اختصاص هذه الليلة بهذا الاسم؟

1- معنى العفو

المزيد من المشاركات
1 من 66

لغة: جاء في مقاييس اللغة: “العفو: ترك الشيء، وعفو الله عن خلقه: هو تركه إياهم فلا يعاقبهم فضلًا منه، وكل من استحق عقوبة فتركته فقد عفوت عنه”[5]

اصطلاحا: العفو: اسم من أسماء الله الحسنى، وهو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي؛ قال الحليمي في معنى العفو: “إنه الواضع عن عباده تبعات خطاياهم وآثامهم، فلا يستوفيها منهم، وذلك إذا تابوا واستغفروا، أو تركوا لوجهه أعظم ما فعلوا ليكفر عنهم ما فعلوا بما تركوا، أو بشفاعة من يشفع لهم، أو يجعل ذلك كرامة لذي حرمة لهم به وجزاء له بعمله”[6]

2- الفرق بين العفو والعافية والمعافاة

تعود هذه الألفاظ إلى نفس الجذر” عفو” إلا ان معانيها تختلف:

أولا: هو التجاوز عن الذنوب ومحوها،

والثاني: دفاع الله – سبحانه – الأسقام والبلايا عن العبد، وهو اسم من عافاه الله وأعفاه، وضع موضع المصد،

والثالث: أن يعافيك الله عن الناس ويعافيهم عنك، أي: يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم”[7]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

عن أبي هريرة مرفوعا: «سلوا الله العفو والعافية والمعافاة فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة»[8]، وهناك من ميز بينها باعتبار الزمن، “فالشر الماضي يزول بالعفو، والحاضر بالعافية، والمستقبل بالمعافاة لتضمنها دوام العافية”[9].

3- الفرق بين العفو والمغفرة

اعتنى اللغويون  بذكر الفروق الدقيقة بين الألفاظ التي تبدو أنها من المترادفات، فنجد أن العسكري قد فرق بينهما :

  •  العفو: ترك العقاب على الذنب،
  • والمغفرة: تغطية الذنب بإيجاب المثوبة؛ ولذلك كثرت المغفرة من صفات الله تعالى دون صفات العباد، فلا يقال: استغفر السلطان كما يقال: استغفر الله[10].

كما اعتبر الغزالي أن هذه الأسامي وإن كانت متقاربة المعاني فليست مترادفة واستبعد الترادف المحض على الجملة في الأسماء الداخلة في التسعة والتسعين[11]، يقول مبينا الفرق بينهما: “العفو قريب من الغفور ولكنه أبلغ منه، فإن الغفران ينبئ عن الستر والعفو ينبئ عن المحو والمحو أبلغ من الستر”[12]

وقد ورد لفظ “العفو” في القرآن في خمسة مواضع مقترنا بلفظ “الغفور” في أربعة منها، وبلفظ القدير” في موضع ومنها قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء 43]. ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء 149].

4- الحكمة من طلب العفو

بين الحافظ ابن رجب الحكمة من طلب العفو في هذه الليلة في قوله “وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر

قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو”[13]، أي أن لا يعتد الإنسان بعمله، بل يديم الوقوف بين يديه معترفا بتقصيره وافتقاره لله عز وجل.

كما أن العبد إذا دعا الله باسم من أسمائه الحسنى وهو مستحضر لمعانيها وتجلياتها “كان أكمل في الأحوال العبادية، خوفًا ورجاءً وتوكلًا”[14]؛ فعندما يردد “إنك عفو تحب العفو فاعف عني” فهو يعترف بذنوبه ويرجو عفو مولاه الذي “لو لم يكن العفو أحب الأشياء إليه لم يبتل بالذنب أكرم الناس عليه، فقد ابتلى كثيرا من أوليائه وأحبابه بشيء من الذنوب ليعاملهم بالعفو”[15]

ومن جهة أخرى، فكما يحب الله أن يعفو عن عباده يحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بجميل سترة وكمال عفوه، يقول الغزالي: “وحظ العبد من ذلك (أي من اسم الله “العفو”) لا يخفى وهو أن يعفو عن كل من ظلمه بل يحسن إليه كما يرى الله تعالى محسنا في الدنيا إلى العصاة والكفرة غير معاجل لهم بالعقوبة بل ربما يعفو عنهم بأن يتوب عليهم وإذا تاب عليهم محا سيئاتهم إذ التائب من الذنب كمن لا ذنب له وهذا غاية المحو للجناية”[16]

وختاما نسأل الله عز وجل أن يعفو عنا وأن يجعلنا من عتقائه وأن يجعل لنا نصيبا من اسمه “العفو”.


[1] سنن الترمذي الصوم (796)

[2] صحيح البخاري صلاة التراويح (2024)، صحيح مسلم الاعتكاف (1174)،

[3] رواه البخاري في (الصوم) باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا برقم (1901)، ومسلم في (صلاة المسافرين) باب الترغيب في قيام رمضان برقم (760)

[4] رواه الترمذي في (الدعوات) باب في عقد التسبيح باليد برقم (3513)

[5] معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس (المتوفى: 395هـ) المحقق: عبد السلام محمد هارون الناشر: دار الفكر عام النشر: 1399هـ – 1979م، 4/ 56- 57

[6] الأسماء والصفات للبيهقي ، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ) حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: عبد الله بن محمد الحاشدي الناشر: مكتبة السوادي، جدة – المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، 1413 هـ – 1993 م، 1، 149

[7] معجم الفروق اللغوية المؤلف: أبو هلال العسكري (المتوفى: نحو 395هـ) المحقق: الشيخ بيت الله بيات، ومؤسسة النشر الإسلامي الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بـ «قم» الطبعة: الأولى، 1412ه، ص: 363

[8] عمل اليوم والليلة، النسائي، 881

[9] المبدع في شرح المقنع، ابن مفلح، (المتوفى: 884هـ) الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان الطبعة: الأولى، 1418 هـ – 1997 م، 3/59.

[10] معجم الفروق، ص: 364

[11] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، الغزالي (المتوفى: 505هـ) المحقق: بسام عبد الوهاب الجابي الناشر: الجفان والجابي – قبرص الطبعة: الأولى، 1407ه، 1987م، ص: 42

[12] نفسه، ص: 140

[13] لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ابن رجب، الحنبلي (المتوفى: 795هـ) الناشر: دار ابن حزم للطباعة والنشر الطبعة: الأولى، 1424هـ/2004م، ص: 206

[14]شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية، الشارح الشيخ عبد الرحمن البراك، إعداد: سليمان الغصن، كنوز أشبيليا، الطبعة الأولى، عام 1425 هـ، ص:18.

[15]لطائف المعارف، 206

[16] المقصد الأسنى، ص: 140

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.