منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحد في لسان القرآن

الحد في لسان القرآن/ أ.د/ طه جابر العلواني

0

الحد في لسان القرآن

أ.د/ طه جابر العلواني

…العقل المسلم لم يعن كثيرًا ببناء المفاهيم قرآنيًّا وانطلاقًا من لسان القرآن ونظمه وسياقه، فالمفاهيم الشرعيَّة يفترض أن ينفرد القرآن بتأسيس وصياغتها بلسانه ونظمه وسياقه وأسلوبه وبيانه وعاداته في التعبير؛ لذلك فإنَّ من أولويَّات التحديد والمراجعة إعادة صياغة المصطلحات والمفاهيم الشرعيَّة وإعطائها الأبعاد التي يمنحها القرآن لها، لتأخذ مكانها الملائم في صياغة التصورات وتشكيل مفردات الفهم النظري والتطبيق العملي في حياتنا المعرفيَّة والمنهاجيَّة.

لقد كانت النتيجة الطبيعيَّة لعدم الاعتماد على مفهوم “الحدود” كما استعمله القرآن وليس كما استعمله الناس هي أنَّ أغلب المسلمين يساوون في المعنى بين ثلاثة مفاهيم متباينة وهي العقوبات والحدود والشريعة. فلما فُهمت الحدود على أنَّها عقوبات فهمت الشريعة -أيضًا- على أنَّها عقوبات، وبالتالي أصاب المفهوم الحقيقي للشريعة وموقع منها لبس وغبش الحدود، وبقي معنى العقوبات ماثلًا في الأذهان نستدعيه كلما طرح موضوع “تطبيق الشريعة” برزت الحدود وكأنَّها الشريعة كلّها. وسوء القصد لدى البعض في تكريس هذا الفهم الخاطيء ظاهر بيِّن.

العقوبات كفارات:

فالعقوبات –في شريعة القرآن- زواجر ومطهِّرات تندرج في وسائل التربية والتهذيب وتقويم السلوك. وليس الأمر كذلك في الشرائع السابقة –التي اتخذت العقوبات فيها صفة “النكال والتعذيب” فكانت من قبيل الإصر والأغلال. وذلك لاختلاف الخصائص التشريعيَّة، فشريعة القرآن شريعة تخفيف ورحمة، وهي شريعة عالميَّة، انبثقت عن حاكميَّة القرآن، لا عن حاكميَّة إلهيَّة مباشرة، أنزلت على خاتم النبيين لا ينغلق دونها أيّ نسق تشريعي لتكون عامَّة شاملة لا ينغلق دونها أيّ نسق تشريعي.

وقد اشتهر عند الفقهاء قولهم: “الحدود كفارات”، فقد ذهب جمهورهم إلى أنَّ العقوبة كفارة وطهور، فلا يبقى معها على المعاقب بعد إنزال العقوبة به وزر يعاقب عليه ثانيًا، وقد ثبت ذلك في أحاديث عدة:

-منها ما روي عن خزيمة بن ثابت مرفوعًا: “من أقيم عليه حد غفر له ذلك الذنب”. وفي لفظ آخر له: “من أصاب ذنبًا فأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته”.

وما روي عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: “من أصاب منكم حدًا فجعلت له عقوبته فهو كفارته وإلا فأمره إلى الله”.

وفي لفظ آخر له: “من أتى منكم حدًا مما نهي عنه فأقيم عليه الحد فهو كفارة له، ومن أُخر عنه الحد فأمره إلى الله إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له”.

وفي لفظ ثالث له: “من أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له”.

وأخرج الشافعي مرفوعًا : “ما يدريك لعل الحدود نزلت كفارة للذنو”.

وعن علي أمير المؤمنين أنَّه قال: “من أتى شيئًا من حد فأقيم عيه الحد فهو كفارته”.

-وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ عليًّا -رضي الله عنه- أقام على رجل حدًا فجعل الناس يسبونه ويلعنونه، فقال علي (رضي الله عنه): “أما عن ذنبه هذا فلا يسأل”.

وعند شرح الحافظ لحديث عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) وكان شهد بدرًا وهو أحد النقباء ليلة العقبة أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال وحوله عصابة من أصحابه: “بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك”.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.