منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وصية الشهيد الحي

وصية الشهيد الحي / من إعداد الأستاذ عثمان غفاري

0

وصية الشهيد الحي

من إعداد الأستاذ عثمان غفاري

 

استشهد يوم الأحد 21 نونبر 2021 الموافق ل 15 ربيع الثاني الشيخ فادي محمود أبو شخيدم أحد قادة حركة حماس في القدس المحتلة، بعد تنفيذه لعملية فدائية ضد مستوطنين وجنود الاحتلال الإسرائيلي أردى خلالها قتيلا واحدا وأصاب ثلاثة بجروح عند باب السلسلة أحد أبواب مدينة القدس المحتلة.

وقد أمضى الشهيد في القدس حياته بين دعوة وجهاد، تشهد له أرجاء المدينة وجنبات المسجد الأقصى، قبل أن يحسن الله خاتمته بمعركة بطولية جندل فيها قوات الاحتلال، وأوقع فيهم قتلى وجرحى.

وجدير بالإشارة عن الشهيد فادي محمود أبو شخيدم من أبناء مخيم شعفاط بالقدس المحتلة من مواليد سنة 1979، وهو أحد أعلام المرابطين في ساحات المسجد الأقصى والمدافعين عنه بالخطابة، قضى في سجون الاحتلال بضع سنين قبل أن يحرر، استكمل تحصيله الدراسي بحصوله على ماجستير في الشريعة الإسلامية، ليعمل مربيًّا ومدرساً للتربية الإسلامية في مدرسة الراشيدية بالقدس، وهو من روّاد وشيوخ المسجد الأقصى المبارك، كما عمل خطيباً لعدد من المساجد في مدينة القدس، وكان من أهم وجهاء وأعلام قادة حركة حماس في مخيم شعفاط. وقد كان في استشهاد الشيخ فادي محمود أبو شخيدم عن سن يناهز 42 سنة رسالة عملية من المقاومة للكيان الصهيوني الغاصب الذي تمادى في احتلال الأرض وانتهاك العرض وتدنيس المقدسات، مستقويا بقوى الضغط الخارجي من جهة، وأعوانه من المطبعين العرب الذين خانوا العهد وزاغوا عن القصد ووادوا العدو، رسالة كان فحواها بأن طريق المقاومة والممانعة هو الطريق الوحيد الأوحد لتحرير البلاد وتطهيرها من الفساد والاستعباد.

المزيد من المشاركات
1 من 124

هذا وكانت الوصية التي خطها بيمينه في نفس يوم استشهاده بمثابة درس عملي يستحق أن يدرس للعلماء والفقهاء والمشايخ والخطباء والمجالس العلمية وروابط نصرة الإسلام والأنبياء والمقدسات علنا نتعلم منها تصديق القول بالفعل. كما صرح بذلك أحد علماء الأمة.

وقد حوت وصية الشهيد الحي خمس رسائل، كل رسالة منها وجهت لمرسل بعينه على سبيل التحديد، خاطبه الشهيد بثنائية الإقرار بالفضل والتذكير بالأصل، والاستنفار للحوق بالركب من ذوي العزم والفضل، من خلال وصايا دقيقة حوت عدة عبر ودرر وتوجيهات وعزمات يصعب اختزالها أو اختصارها، لذلك سأكتفي فقط بإعادة نشرها دون زيادة ولا نقصان إلا ما كان من اقتراح تقسيم لها على فقرات مبوبة ومعنونة والله نسأل أن يحيي بها قلوبا مواتا قبل فوات الأوان.

أولا: توطئة الاستمداد والاستعداد للقاء الله

أنا فادي محمود أبو شخيدم أكتب حروفي هذه وأنا بأعلى درجات السعادة استعدادا لتتويج سنوات من العمل الدؤوب المتواصل للقاء الله تعالى، فمنذ أن عرفت قدماي المسجد وأشربت القرآن والسنة وأنا أحلم بقرب لقاء الله شهيدا بإذن الله مقبلا غير مدبر، وما كانت سنوات عمري السابقة إلا إعدادا واستعدادا إيمانيا وعسكريا لهذه اللحظة الشريفة المباركة.

ثانيا: تهيئة ذوي الأرحام للاصطبار والاستنفار

أمي وإخواني وأختي وزوجتي وأولادي وبناتي:

والله إن الحياة في ظلكم شرف ورفعة لكن ما عند الله أشرف وأرفع وأعلى، وكم كنتم لي عونا وسندا في حياتي فكان علي حقا أن أجازيكم بخير منه، ذلك أنه بلغنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم أن الشهيد يشفع لأهله وأسأل الله أن أكون شفيعا لكم ولوالدي رحمه الله تعالى، فاصبروا واحتسبوا واثبتوا واعلموا أني اخترت هذه الطريق مرضاة لله وفوزا بجنة الله تعالى، فالحياة قصيرة وأفلح من جعلها لله فاستطاع أن يضحي بنفسه لله، فأوصيكم بالثبات على دين الله حتى تلقوا الله، فدينكم لحمكم ودمكم وأقصاكم عزكم وفخركم.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 21

ثالثا: تعبئة الإخوان كي يكونوا دعاة فعلة

إخواني رفقاء الدعوة والعمل الإسلامي:

إن كلماتنا ودعوتنا المباركة التي نعمل فيها منذ نعومة أظفارنا تستوجب علينا التضحية والفداء فلا تبقى كلماتنا ميتة دون روح فلابد للكلمة من شاهد على صدقها وهو العمل، وخير تغيير التغيير بالتضحية وموافقة القول الفعل، وبعد هذه السنوات في العمل وطلب العلم وتعليمه للناس، أقول لا بد وأن نقود المركب بدمائنا وأن نكون القدوة العملية في باب الجهاد كما يعتبرنا الناس قدوة لهم في العلم والعمل، فخير طريق لنا في ظل الظلم الذي يتعرض له مسجدنا أن نفديه بدمائنا.

فلا حياة لنا بعزة وكرامة ومسجدنا حاله يوما بعد يوم تسوء وتزداد الهجمات عليه، فوطنوا أنفسكم على الرباط والجهاد والتضحية والفداء، وفكوا أغلال الدنيا عنكم قال صلى الله عليه وسلم: “والَّذي نفسي بيدِهِ لولا أن أشقَّ على المسلمينَ ما قعدتُ خلافَ سريَّةٍ تخرجُ في سبيلِ اللَّهِ أبدًا ولَكن لا أجدُ سَعةً فأحملَهم ولا يجدونَ سعةً فيتَّبعوني ولا تطيبُ أنفسُهم فيتخلَّفونَ بعدي والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ لودِدتُ أن أغزوَ في سبيلِ اللَّهِ فأُقتَلَ ثمَّ أغزوَ فأقتَلَ ثمَّ أغزوَ فأقتَل” أخرجه الشيخان.

فحيهلا ومرحبا وهنيئا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسأل الله أن أكون رفيقه صلى الله عليه وسلم على الحوض اللهم آمين، ولكم مثله إن شاء الله تعالى.

رابعا: تبرئة وتحذير طلبته من علم بلا عمل

طلابي وطالباتي الغوالي والغاليات:

ما يتجاوز العشرون عاما مرت وانا أعلم وأدرس في المدارس والمساجد ودار الفقه ودار القرآن ودار الحديث وغيرها من محاضن التربية والتعليم وكنت في كل لقاء أحزن لأن غيري سبقني إلى الجنة مقبلا غير مدبر، وكنت أحدثكم بقصص هؤلاء من لدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسود الإسلام في عصرنا، ووالله ما فارقت الدمعة عيني عند الحديث عنهم لكني كنت أعد واستعد للحاق بهم والسير في ركبهم، واليوم أحبتي أغادركم للحاق بهم، وأوصي كل فرد منكم بالثبات والاستمرار في هذا الطريق، فهو طريق الأنبياء والصالحين الذي لا يخطئ. ولقاؤنا بإذن الله في الجنة فلا تبخلوا علي بالدعاء والمسامحة.

خامسا: تبرئة وتحذير طلبته من علم بلا عمل

وأخيرا فيا أهل بيت المقدس:

اختاركم الله للرباط فيه والذود عن مسرى نبيه صلى الله عليه وسلم فلا تخذلوا المسرى واعلموا أن مشاكلكم تبدأ من رباطكم وجهادكم، قال الله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. فوحدتكم في أقصاكم وزوال المشاكل الاجتماعية والعائلية في ضبط البوصلة نحو مسجدكم المبارك، ووالله ثم والله إن مسراكم وأقصاكم ينتظر منا الكثير، فأعيدوا الرباط والبوصلة نحوه، والله يتولاكم وهو خير الناصرين.

وأختم وصيتي هذه بطلب الدعاء لي بالقبول والمغفرة والرحمة ورفع الدرجات، من كان له حق علي، فله أن يطالب أهلي به أو أن يسامحني، ومن كان لي حق عليه فإني أبرؤه منه لوجه الله تعالى، وأسأل الله أن يتقبلني وأن يتقبل مني جهدي وجهادي إنه ولي ذلك والقادر علية وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وعلى من سار على هديه إلى يوم الدين.

 

أخوكم المحب الشهيد الحي بإذن الله تعالى فادي محمود أبو شخيدم

20/11/ 2021

15 ربيع الثاني 1443

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.