منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لا تقاعد في الحب (قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

0

كانا يفتتحان صباحهما كل يوم بابتسامة تفاؤل و قُبْلة محبة ، إيمانا منهما أنّ لا تقاعد في الحب .
منذ أن أحيلت ميلا على التقاعد في وزارة الصحة ببلدها هولندا ..وتقاعد زوجها لوكاس من مركزه السامي..توقفا عن القيام بأي نشاط مهني أو اجتماعي ..لكن الحب الذي بينهما ظل يشتغل دون تقاعد طوال هذه السنين ..رغم عدم وجود ذرية لهما تجمع و تربط ما بينهما .
بعد حالة التقاعد و الفراغ بشهور ، قاما بجولة حول العالم في رحلة سياحية ..فوقعا في عشق المغرب..اشتريا سكنا على شكل ( رياض ) بمدينة مراكش ..واتخداه وطنا و مستقرا لهما.
بعد الاستقرار بفترة ..أُُعْجِبا بالآذان لوجود مسجد قريب من سكناهما ..و انبهرا بطقوس الصلاة والعبادة لخادمتهما فاطمة الزهراء التي كانت ترافقهما كظلهما .. فتعمقا في دراسة الدين الإسلامي. ثم اعتنقاه عن إعجاب و قناعة..وأصبح هو يحمل اسم معاذ وتعلقت هي باسم خديجة..وانغمسا في أعمال البر و الإحسان , يغدقان بلا حساب ، و يجودان بكل سخاء .
في عيد زواجهما الواحد و الستين ، انحنى عليها زوجها معاذ بكل لطف وهي ممددة على سرير بالمستشفى ..يخفي خلف ظهره باقة من الورود بداخلها خاتم من الألماس..يسألها مستفسرا عن صحتها و عن الهدية ، هدية العيدَيْن .. فقد تقدم لخطبتها..طالبا يدها للزواج على طريقتهما الأوروبية يوم عيد ميلادها ..و أصرت أيام الخطوبة أن يكون زواجهما كذلك يوم عيد ميلادها .. قال لها مبتسما :
“أي الهدايا تتوقعين في العيدَيْنِ ؟ ”
لم تجبه ..لعلها تستوضح كلامه ..واصل حديثه ومساحة ابتسامته تتسع أكثر :
أتريدين وردة حمراء لعيد ميلادك أم باقة من الورود بعدد سنين زواجنا أم حديقة من الورود ؟!. أعلم أنك تعشقين الهدايا في المناسبات ”
ابتسمت وظلت تنظر إليه و لم تجب ، بحماس كبير قال لها:
من أجل هذه الإبتسامة على استعداد أن أضع ثروتي و كل ما أملك تحت قدميك،أتدرين لماذا ؟..حين أصِبْتُ بداء السكري..كنتِ تقدمين لي القهوة بدون السكر و انت تبتسمين،تجعلينها حلوة المذاق بابتسامتك..فكنتُ استطعمها دون أن أشعر بمرارتها أو خُلُوّها من السكر ..ولم أدرك ذلك إلا بعد ان استقر مستوى السكر في دمي.. إذن قولي أي الهدايا تنتظرين يا فاتِنَتي..وبأي العيدين نحتفل أولا ؟..ولو كان العمر يُهدى لأهديتك عمري و فوقه صحتي و حسناتي .
قالت له وهي تضع يدها المرتعشة على خده بحنان:
ليس الامر بيدي و لا بيدك ، لأني اريد سنة أخرى هدية من السماء ..حتى نمضي معا إلى العمرة ونطوف سويا ببيته العتيق ..بل أُطمع في مِنحةٍ بسنوات إضافية أقضيها معك و بحانبك ، ولا نفترق فيها ، نتحدى فيها الموت ، و الشيخوخة و العجز و الأدوية وكل الأمراض .
أيامي يا معاذ ابتدأت معك ..مع أول نظرة لك ..أول كلمة منك ..وأول ابتسامة جمعتنا..ونحن طلبة في الكلية..و نحن نتدرج معا و سويا في سلك الوظيفة ..ونحن ندخل في شراكة موثقة بعقد زواج..أيامي انطلقت مع حبك ..و عمري انطلق يوم اسلمنا وجهينا لله معا مسلميْن .
لقد رأيت جمال الدنيا بعينيك يا معاذ ..فاخشى أن يمضي أحدنا ..حين يخسر المعركة و يتقهقر كجيش مهزوم .. و يترك الآخر في دنياه وحيدا ..وما قيمة الدنيا لمفرد بلا ونيس..و ما فائدة بقاء أحدنا في دنياه بلا توأم روحه .
أجابها مواسيا ..مشجعا ..ومخفيا حسرَتَهُ بابتسامة شاحبة لا بريق فيها :
” كلانا يسكن في الآخر..قد تفنى القلوب و تفنى الأجساد لكن يبقى الحب مع الحياة للأبد..حبنا سيتحدى الموت و الزمان و المكان ويعيش بعدنا كما تعيش القصائد الخالدة و الوثائق التاريخية .. لأن الحب الصادق أبدا لا يشيخ ..لا يموت.. ولا يتقاعد .” .
في بيتهما..رياض الفردوس ، ظل معاذ يرعى خديجة ، وظلت فاطمة الزهراء ترعاهما معا ، وظل الله يرعاهم جميعا ، و أقرب إليهم من حبل الوريد .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.