منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المذهب المالكي وأصوله النقلية

ذ.محمد الصغير خريس / المذهب المالكي وأصوله النقلية

0

المذهب المالكي وأصوله النقلية

ذ.محمد الصغير خريس

 

 

 

تقديم:

إن المذهب المالكي قائم في فقهه على أصول واسعة عميقة ميزته بمميزات نقلية وعقلية، وأكسبته القدرة على استيعاب التطورات و مواكبة الحياة و الإجابة عن مختلف المستجدات و القضايا و النوازل، يقول الدكتور مصطفى بن حمزة: إن الأصول التي قام عليها المذهب المالكي كفيلة بتحقيق مطالب لا بد منها لمجتمع ينظم حياته وفق هدي الإسلام، و يسعى لما تسعى إليه كل المجتمعات من جلب نفع و دفع ضرر، فهذه الأصول تضمن الأخذ بالكتاب و السنة من خلال فهمهما فهما عميقا يتجاوز الظاهرية التي تهدر علل الأحكام، كما أن تلك الأصول تحقق جلب رعاية المصالح التي عليها مبنى التشريع الإسلامي كله[1].

المزيد من المشاركات
1 من 20

وإدراكا مني لقيمة ما تميز به المذهب المالكي فقد جاء موضوعي هذا تحت عنوان: أصول المذهب المالكي النقلية ) السمعية (، وهدفي في ذلك بيان أن الفقه المالكي لصيق بالكتاب والسنة شديد الصلة بهما، خلافا لما يدعيه المدعون من أنه لايمثل إلا اجتهادات الفقهاء التي تجافي الكتاب والسنة، وقد تناولت فيه المراد من هذه الأصول والتي هي:

نص الكتاب العزيز، وظاهره، ومفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة، والإجماع،وعمل المدينة، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، وعززت ذلك بأمثلة من أدلة من الكتاب و السنة و أقوال العلماء، مع مراعاة الإيجاز والاختصار في بيان ذلك، وقد اعتمدت في تنفيذ خطة الموضوع على عرض أقوال علماء المالكية وتقريرها ذاكرا أدلتهم فيها، ومسندا الأقوال إلى أصحابها، فهذا إذن هو المنهج الذي سرت عليه.

المراد بالأصول النقلية:

وهي الأصول التي مرجعها في الأصالة إلى النقل، وهي:الكتاب و السنة، والإجماع وقول الصحابي وشرع من قبلنا، وعمل أهل المدينة، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله بعد أن بين أدلة الشرع وأنها تنقسم إلى قسمين، إلى أدلة سمعية وأدلة نظرية اجتهادية: ” فأما الضرب الأول فالكتاب والسنة، وأما الثاني فالقياس والإستدلال، ويلحق بكل واحد منهما وجوه…فيلحق بالضرب الأول الإجماع على أي وجه قيل به، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا، لأن ذلك حكمه وما في معناه راجع إلى التعبد بأمر منقول صرف لا نظر فيه لأحد، ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان والمصالح المرسلة إن قلنا إنها راجعة إلى أمر نظري[2].

بيان الأصول السمعية (النقلية):

 

  • الكتاب:

وهو أصل الأدلة وأقواها، ونعني به القرآن العظيم المكتوب بين دفتي المصحف,المنقول إلينا نقلا متواترا بالقراءة المشهورة[3].

وقد نص ابن الحاجب على أن ما نقل آحادا ليس بقرآن[4]، قال مالك رحمه الله “من صلى خلف رجل يقرأ بقراءة ابن مسعود فليخرج وليتركه[5]، لأن المشهور من مذهب مالك عدم جواز القراءة بالقراءات الشاذة[6].

  • السنة:

عرفها الأصوليون بأنها: ما أضيف للنبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير[7]، وقد عمم الإمام مالك لفظ السنة ليشمل – بالإضافة إلى السنة المرفوعة المتمثلة في الأحاديث الصحيحة سواء أكانت متواترة أو خبر آحاد – ما يمكن تسميته بالسنة الأثرية وهي فتاوى الصحابة وأقضيتهم وعمل المدينة وأعرافهم[8]، وقد كان الإمام مالك يستدل بنوعين:

  • الأول:

السنة المرفوعة وهي ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير سواء أضافها إليه صحابي أو تابعي أو من بعدهما، وسواء كان متصلا أو منقطعا، هذا هو المشهور عند المحدثين [9]،

وخصه الخطيب البغدادي[10]، بالصحابي فقال فيه: ” ما أخبر فيه الصحابي عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعل “.

فيخرج عنه بذلك مرسل التابعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدخل في المرفوع المسند والمتصل والمنقطع والمرسل ونحوهما.

  • الثاني:

السنة الأثرية وتشمل أقوال الصحابة وأقضيتهم وعمل أهل المدينة وأعرافهم، ويدخل في كل منهما يعني- الكتاب والسنة -:

*أولا: النص وهو في الإصطلاح: اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا [11]، أو هو اللفظ الدال على معناه دلالة قطعية بحيث لا يحتمل التأويل[12].

مثاله من القرآن: قول الله تعالى في صيام المتمتع الذي لم يجد هديا: ” فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ” [13]، فقوله تعالى “تلك عشرة كاملة ” نص في أن المتمتع الذي لم يجد هديا أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام بعد الرجوع، فتلك عشرة كاملة[14].

مثاله في السنة: ما رواه مالك في الموطأ عن أبي هريرة: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه الحل ميتته [15]، فهذا الحديث نص في إفادة طهورية ماء البحر وحل ميتته.

حكم النص: ذهب المالكية إلى أن النص إذا ورد وجب المصير إليه والعمل بمقتضاه إلا أن يرد ناسخ أو معارض [16].

من أمثلة القرآن: قول الله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين}[17]، فمالك يرى أن هذه الآية نص في موضوعها، ولذلك قال: ” الأمر المجتمع عليه عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا في فرائض المواريث، أن يرث الولد من والدهم، أو والدتهم أنه إذا توفي الأب أو الأم وتركا أولادا رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين “[18].

من السنة: مثال احتجاج المالكية على غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا، لا ثلاثا لقوله صلى الله عليه وسلم:إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا[19]، لأن الحديث يقتضي اعتبار العدد [20].

*ثانيا:الظاهر: وهو في الإصطلاح: المعنى الذي يسبق إلى فهم السامع من المعاني التي يحتملها اللفظ [21]، أي أن اللفظ يحتمل عدة معان، ولكن دلالته على واحد منها تكون أرجح، وهذا ما يسمى بالظاهر، والمعنى المرجوح يسمى مؤولا[22].

أمثلة من القرآن قول الله تعالى في آيات الظهار: “فإطعام ستين مسكينا ” [23] فهو ظاهر في أن المظاهر الذي لم يستطع الصوم يجب عليه إطعام ستين شخصا مسكينا أي فقيرا لا مال له لكل واحد.

من السنة: ما رواه مالك عن أبي ثعلبة الخشني قوله صلى الله عليه وسلم “أكل كل ذي ناب من السباع حرام”[24] فظاهر نهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع التحريم [25]، ويجوز أن يدل على الكراهة إن وجدت في الشرع[26].

أقسام الظاهر عند المالكية:

1-الظاهر بالوضع:

وهو كل لفظ وضع في اللغة بمعنى، واستعمل فيه على حسب ما وضع له كأوامر الشرع ونواهيه[27].

2-الظاهر بالعرف وينقسم إلى قسمين:[28]

*القسم الأول:

ظاهر بعرف اللغة والاستعمال، نحو قول الله تعالى: {أوجاء احد منكم من الغائط} [29]. يطلق الإتيان من الغائط في اللغة على المجيء من اطمأن من الأرض على أي وجه، ثم جرى العرف باستعماله عند العرب لكل ما جاء من ناحية قضاء الحاجة حتى اشتهر ذلك وعرف به، واستعمل فيه مع الإطلاق.

*القسم الثاني:

ظاهر بعرف الشرع: وهو اللفظ الدال على معنى علم في أصل اللغة ثم ورد في الشرع محمولا لا على معنى هو من جنس المعنى العام، كلفظ الصلاة تدل في اللغة على مطلق الدعاء ثم ورد في الشرع دالا مخصوص مقترن بركوع وسجود.

3- الظاهر بالدلالة:

أن يكون اللفظ موضوعا لمعنى ,ثم يأتي الدليل على أن ذلك المعنى غير مراد، ومنه قول الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}[30] فهذا لفظ الخبر، إلا أن الدليل قام على أن المراد به الأمر[31]. والظاهر عند المالكية يشمل النهي والعام والمطلق، والدليل الشرعي إن كان ظاهرا فإن الإمام مالكا يأخذ به، قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه أن أحدا لا يحلق رأسه ولا يأخذ من شعره حتى ينحر هديا إن كان معه، ولا يحل من شيء حرم عليه حتى يحل بمنى يوم النحر، وذلك أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه العزيز{ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [32]

4- مفهوم الموافقة:

وهو في الاصطلاح إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى[33]، أو هو أن يعلم أن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، ويسمى هذا النوع عند المالكية بفحوى الخطاب [34] و تنبيه الخطاب، قال الإمام القرافي: فترادف تنبيه الخطاب وفحوى الخطاب ومفهوم الخطاب لمعنى واحد، وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى [35]. وقال: فهذه الألفاظ وضعها بإزاء هذه المعاني المذكورة اصطلاحي لا لغوي[36].

*أنواعه:

  • مفهوم الأولى: هو الذي يطلق عليه المالكية بفحوى الخطاب ويقصدون به إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى، مثاله قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف}[37]. فإنه يدل بالمنطوق على تحريم تأفيف الوالدين، ويدل بالمفهوم الموافق على أن ضربهما أولى بالتحريم من التأفيف.
  • مفهوم المساوي: ويسميه المالكية بلحن الخطاب: وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق المساواة، كما في قول الرسول صلى الله عيله وسلم: ” لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت [38] فإنه يدل بالمنطوق على إجابة الداعي إلى الذراع والكراع وقبولهما هدية، ويدل بالمفهوم الموافق على إجابة وقبول ما هو الأكثر من الذراع والكراع، لأنه صلى الله عليه وسلم إذا كان يجيب من دعاه على ذلك القدر اليسير، فلأن يقبله ممن أحضره إليه أولى.

5- دليل الخطاب ويسمى مفهوم المخالفة:

عرفه القرافي بأنه: إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه [39]، مثاله من القرآن الكريم قول الله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} [40]. فقد أخذ العلماء وجوب الصلاة على أموات المسلمين بطريق مفهوم المخالفة.

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:”في الغنم السائمة زكاة “[41] فمفهوم الصفة أن المعلوفة لا تجب فيها الزكاة، ومذهب مالك أن الزكاة تجب في الأغنام سواء كانت سائمة أو معلوفة أو عاملة، وذكر السائمة في الحديث بالنظر للغالب.

*أنواع مفهوم المخالفة:

لمفهوم المخافة أنواع: منها مفهوم الصفة، مفهوم الشرط، مفهوم الغاية، مفهوم العدد مفهوم الزمان، مفهوم المكان، ومفهوم اللقب.

6- دلالة التنبيه وتسمى أيضا دلالة الإيماء:

ومعناها أن يقترن الوصف بحكم لو لم يكن اقتران الوصف بذلك الحكم لبيان كونه علة له لعابه الفطن بمقاصد الكلام، لأنه لا يليق بالفصاحة [42] وهذه الدلالة حجة عند مالك [43] وفي ذلك شواهد من القرآن الكريم منها قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [44]ودلالة التنبيه في هذه الآية أن المرض علة لجواز الفطر.

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم “من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مساجدنا يؤذينا بريح الثوم ” [45]. ودلالة التنبيه في هذا الحديث أن الأذى برائحة الثوم علة النهي عن قربان المساجد، وقد ألحق مالك بالثوم ما أشبهه مما فيه ريح كريهة.

  • الإجماع:

الإجماع لغة العزم، واصطلاحا اتفاق العلماء المجتهدين من هذه الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في أي عصر على حكم. وقد ذهب المالكية إلى أن الإجماع لا يختص بعصر الصحابة فقط، بل هو عام يشمل كل العصور بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فمتى اتفق أهل الاجتهاد في أي عصر على أمر شرعي فهو حجة، لأن أدلة حجية الإجماع عامة مطلقة، فلا يجوز تخصيصها أو تقييدها دون دليل شرعي معتبر[46].

  • حجية الإجماع:

-من ذلك قول الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [47]، فقد جمع الله سبحانه وتعالى بين مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فدل على أن اتباع سبيل المؤمنين واجب والإجماع من سبيلهم، فيجب اتباعهم فهو المطلوب [48]، ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم “لا تجتمع أمتي على ضلالة” [49]

  • عمل أهل المدينة:

المراد بعمل أهل المدينة عند المحققين من المالكية هم الصحابة والتابعون وتابعوهم ممن أدركه مالك رضي الله عنهم أجمعين. والمقصود بعملهم ما كانوا عليه وتناقلوه جيلا عن جيل من سنن النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية والتقريرية، فكان هذا الذي وجدوا عليه النبي صلى الله عليه وسلم حجة قوية تمسك بها مالك رضي الله عنه، لأن أهل المدينة شهدوا آخر ما كان عليه العمل النبوي وعرفوا ناسخه ومنسوخه وما لم ينسخ[50].

ولعل أقرب تعريف يحدد هذا المعنى هو: ” نقل متعلق بمكان خاص هو المدينة المنورة، ومبني على مشاهدة حسية، وهو رواية مستمرة من جيل لآخر إلى أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم [51].

  • أقسام عمل أهل المدينة:

منه ما يكون سنده النقل الذي نقله الجيل عن الجيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القسم ينبغي أن لا يخالف في حجيته أحد، بل لم يخالف في حجيته أحد، لأنه باب الأخبار المتواترة، والأخبار المتواترة حجة عند جميع العلماء [52]، وهو يشمل عدة أنواع، سواء ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة القول، كالآذان والإقامة، أو من جهة فعله، كنقلهم ما علم ضرورة من أحواله وسيرته وصفة صلاته من حيث عدد ركعاتها وسجداتها وأشباه هذا، أومن جهة تقريره لما شاهده منهم ولم ينقل عنه إنكاره، أو من جهة تركه لأحكام لم يلزمهم إياها مع ظهورها فيهم، كتركه أخذ الزكاة من الخضروات أو تحديد مقادير شرعية كالصاع والمد وغير ذلك [53]

ومنه ما يكون سنده الاجتهاد والاستدلال، وهذا النوع اختلف فيه أصحاب مالك، فذهب معظمهم إلى أنه ليس بحجة ولا فيه ترجيح، وهو قول كبراء البغداديين منهم ابن بكير قالوا لأنهم بعض الأمة، والحجة إنما هي بمجموعها، وأنكر هؤلاء أن يكون مالك يقول هذا وأن يكون مذهبه والأئمة أصحابه، وذهب بعضهم إلى أنه يرجح على اجتهاد غيرهم، وذهب آخرون إلى أنه حجة يقدم على خبر الواحد [54]. لأن أهل المدينة لهم مزية بمشاهدة واستماع خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان اجتهادهم أقرب إلى الحق وأولى بالصواب.

يقول القاضي عبد الوهاب “إجماع أهل المدينة نقلا حجة تحرم مخالفته”. ومن طريق الاجتهاد مختلف في كونه حجة، والصحيح عندنا أنه يرجح به على غيره ولا يحرم الذهاب إلى خلافه، وأما إجماعهم من طريق النقل أو ما في معناه، فإنه ينقسم إلى نقل قول ونقل فعل، ونقل إقرار، ونقل ترك، وعليه أصحابنا الكلام في كثير من مسائلهم واحتجوا به على مخالفهم وتركوا له أخبار الآحاد والمقاييس، وهو مثل الأذان والإقامة وتقديم الأذان للفجر قبل وقتها، والصاع والمد وترك الزكاة من الخضروات وإثبات الأحباس والوقوف ونعتبر ذلك دليلنا على كونه حجة اتصال نقله على الشرط المراعى في التواتر من تساوي أطرافه وامتناع الكذب والتواطؤ والتواصل والتشاعر وهذه صفة ما يحج نقله [55]، ويقول الباجي: ” ما أدركوه بالاستنباط والاجتهاد فهذا لا فرق فيه بين علماء المدينة وعلماء غيرهم في أن المصير منه إلى ما عضده الدليل والترجيح، ولذلك خالف مالك في مسائل عدة أقوال أهل المدينة. هذا مذهب مالك في هذه المسألة، وبه قال محققو أصحابنا كابي بكر الأبهري وغيره، وقال به أبو بكر وابن القصار وأبو تمام وهو الصحيح، وقد ذهب جماعة ممن ينتحل مذهب مالك ممن لم يمعن النظر من هذا الباب إلى أن إجماع أهل المدينة حجة فيما طريقه الاجتهاد[56].

– قول الصحابي:

يعبر عنه بقول الصحابي أو بفتوى الصحابي أو مذهب الصحابي، والمراد به كما عرفه الدكتور بابكر محمد الشيخ في رسالته قول الصحابي: ” ما أثر عن أحد الصحابة من قول أو فعل في أمر من أمور الدين” [57] قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته، وقوة على دينه ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنوا اهتدى، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.[58] ويرى أن الأخذ بمذهب الصحابي هو السنة، ولذلك فإن موطأه اشتمل على أقوال الصحابة وفتاويهم وأقضيتهم إلى جوار أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو حجة. وهو مأخوذ من طريقة مالك في الموطأ. فإنه كثيرا ما يستند إلى أقوال الصحابة، ومن أمثلة ما جاء في الموطأ: عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سجد وضع كفيه على الذي يضع عليه وجهه، قال نافع: ولقد رأيته في يوم شديد البرد وإنه ليخرج كفيه من تحت برنس له حتى يضعها على الحصباء[59].

– عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: من قال والله ثم قال إن شاء الله ثم لم يفعل الذي حلف عليه لم يحنث، قال مالك: أحسن ما سمعت في الثنيا أنها لصاحبها ما لم يقطع كلامه، وما كان ذلك نسقا يتبع بعضه بعضا قبل أن يسكت، فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له” [60]

كذلك أورد الإمام مالك عن عبد الله بن عمر في صفة التيمم، ومن صفته أنه مسح اليدين إلى المرفقين، وقد احتج مالك بفعل ابن عمر، حيث إن هذا الرأي هو رأي مالك ولم يورد في هذا الباب دليلا غير فعل ابن عمر.[61]

– شرع من قبلنا:

يقول الدكتور بدران أبو العينين بدران: شرع من قبلنا والمراد بذلك الأحكام التي شرعها الله للأمم السابقة وجاء بها الأنبياء السابقون، وكلف بها من كانوا قبل الشريعة المحمدية كشريعة إبراهيم وموسى وعيسى. يقول الدكتور الدرويش: “فيجب تقييد قاعدة الاحتجاج بشرع من قبلنا بما ورد في شرعنا أنه شرع من قبلنا مما قصه الله أو أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس في شرعنا ما ينسخه أو يقره شرع لنا..” [62]

 وينقسم شرع من قبلنا إلى قسمين:

*أصول الدين كتوحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة ونفي الشرك فيه، فهو شرع لنا أصالة، لأن الله تعالى يقول: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [63]

*الفروع الواردة في شرع من قبلنا وهي على قسمين:

– ما ثبت عن طريق الأمم، وهذا النوع ليس بحجة بالإتفاق [64]، لعدم الثقة بنقلهم لعدم عدالتهم ولتحريف كتبهم وتبديلها [65]

– ما ثبت عن طريق شرعنا، وهذا النوع ليس على إطلاقه، فما نقل إلينا على أنه مشروع في حقنا فهذا شرع لنا بالاتفاق[66]. وما نقل إلينا مقترنا بما يدل على أنه منسوخ في حقنا، فهذا لا يجوز العمل به والاحتجاج به، لأنه ليس بشرع لنا بالاتفاق، وإن نقل إلينا بإطلاق الإخبار من غير إنكار ولم يدل دليل على كونه مشروعا أو منسوخا فهذا محل خلاف. وقال ابن رشد الجد: ما أخبر الله تعالى به من شرائع من قبلنا من الأنبياء لازم لنا إلا أن يأتي في شرعنا ما ينسخه، وإلى هذا ذهب مالك رحمه الله تعالى [67]، وقد احتج العلماء بهذه الآية على وجوب اتباع شرائع الأنبياء فيما عدم فيه النص: ” أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ” [68]

خاتمة:

إن المذهب المالكي هو في حقيقة الأمر مذهب ممثل لفقه الصحابة و التابعين، ومنهم الفقهاء السبعة، و بذلك فهو امتداد طبيعي – عضوي فكري – و تاريخي لأيام الرسالة فأصوله كثيرة وقواعده خصبة و مناهجه متنوعة، فهي التي أعطته هذه المكانة وهذه القدرة على الاستجابة لمختلف المعضلات والمستجدات، وهي التي جعلته فقها يتسم بسعة ومرونة، وجعلته كذلك يتسم بالمزاوجة بين الأثر والرأي، فهو يجمع بين المنقول والمعقول وبذلك كان منهج المذهب المالكي في الاجتهاد منهجا متميزا عن غيره من المذاهب.


[1] – الدكتور مصطفى بن حمزة: شخصية الفقه المالكي – فهم عميق للكتاب و السنة و حماية لعقيدة الأمة دار النشر بدون طبع 1430ه – 2009 ص 25

[2] – الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة شرحه وخرج احاديثه فضيلة الشيخ عبد الله دراز دار الكتب العلمية(

بيروت ط 1-1411ه/1991 م – ج3 ص 29-30.

[3] – ابن جزي: تقريب الوصول الى علم الأصول تحقيق محمد حسن محمد إسماعيل دار الكتب العلمية بيروت ط 1-1424-2003 ص 20(

[4] – ابن الحاجب: منتهى الوصول في علمي الأصول والجدل دار الكتب العلمية بيروت ط 1-1405 ص 46

[5] – الإمام مالك: المدونة الكبرى من رواية سحنون التنوخي دار الفكر للطباعة والنشر ج 1 ص 84

[6] – – سيدي عبد الله بن ابراهيم العلوي الشنقيطي: نشر البنود على مراقي السعود إشراف اللجنة المشتركة لنشر الثراث الاسلامي المملكة

المغربية ودولة الامارات ج 1 ص 82

[7] – نشر البنود ج 2 ص9

[8] – محمد المختار ولد اباه: مدخل إلى اصول الفقه – الدار العربية للكتاب طرابلس ص 62

[9] – ابن عبد البر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني و الأسانيد مطبوعات وزارة الأوقاف المغربية 1387ه – 1967م ج 1 ص 25

[10] – الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية تقديم محمد الحافظ التجكاني مطبعة السعادة –القاهرة ص 58

[11] – تقريب الوصول الى علم الأصول، ص 161

[12] – الإمام الباجي:احكام الفصول في أحكام الأصول تحقيق عبد المجيد تركي دار الغرب الاسلامي ط 2-1415-1995 ج 1 ص 195

[13] – سورة البقرة من الآية 195

[14] – الفقيه حسن بن محمد المشاط: الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة دراسة وتحقيق عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان دار الغرب الإسلامي ط1 1406- 1986-ط 2-1411-1990 ص 123-124

[15] – الإمام مالك: كتاب الموطأ رواية يحيى بن يحيى الليثي –منشورات المجلس العلمي الأعلى القسم الاول –كتاب الطهارة –الطهورللوضوء ص112

[16] – أحكام الفصول في أحكام الأصول ج 1 ص 196

[17] – سورة النساء من الآية 11

[18] – الموطأ:كتاب الفرائض-ميراث الصلب القسم الأول،ص 524

[19] – الإمام مسلم: صحيح مسلم:كتاب الطهارة-باب حكم ولوغ الكلب رقم 279 ج 1 ص234

[20] – الباجي: كتاب المنتقى بشرح الموطأ مطبعة السعادة ط 1-1332 ج 1 ص 73

[21] – الباجي: الحدود في الاصول مطبوع مع الاشارة في أصول الفقه تحقيق محمد حسن اسماعيل دار الكتب بيروت ط 1-1424-2003

ص 106

[22] – الولاتي: إيصال السلك في أصول الإمام مالك الطبعة التونسية للطباعة والنشر 1412-1992 ص 7

[23] – سورة المجادلة، من الآية 4

[24] – الموطأ كتاب الصيد-تحريم أكل ذي ناب من السباع القسم الاول ص 508

[25] – الباجي: المنتقي ج 3 ص130

[26] – الباجي: المنتقي ج 3 ص 130

[27] – الباجي: المنهاج في ترتيب الحجاج تحقيق عبد المجيد ترقي دار الغرب الاسلامي ط 3 -2001 ص 16

[28] – نفس المصدر ص 16 -17

[29] – سورة النساء من الآية 43

[30] – سورة البقرة من الآية 226

[31] – المنهاج في ترتيب الحجاج، ص 17

[32] – سورة البقرة الآية 196

[33] – القرافي: شرح تنقيح الفصول ج 1 ص 49

[34] – التلمساني: مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول حققه وخرج أحاديثه و قدم له عبد الوهاب عبد اللطيف الناشر مكتبة الخانجي بمصر بدون طبعة ولا تاريخ ص 83

[35] – شرح تنقيح الفصول ج 1 ص 54

[36] – تنقيح الفصول ج 1 ص 55

[37] – سورة الإسراء الآية 23

[38] – الإمام البخاري: اخرجه البخاري في كتابه الهبة باب القليل من الهبة حديث رقم 2568 فتح الباري ج 5 ص 236

[39] – الإمام القرافي، شرح تنقيح الفصول، ج 1 ص 53

[40] – سورة التوبة، الآية: 84.

[41] – موطأ مالك كتاب الزكاة باب صدقة الماشية ج 1 – ص 219

[42] – إيصال السالك في أصول مالك، ص 16

[43] – إيصال السالك في أصول مالك، ص 16

[44] – سورة البقرة، الآية 184

[45] – الموطأ، كتاب وقوت الصلاة النهي عن دخول المسجد بريح الثوم وتغطية الفم في الصلاة، القسم الأول الصفحة 108

[46] – نشر البنود، الجزء الثاني ص 81

[47] – سورة النساء، الآية 115

[48] – نشر البنود، الجزء الثاني ص 87

[49] – أبو داوود: سنن أبي داوود: كتاب الفتن والملاحم باب ذكر الفتن ودلائلها رقم 2453 الجزء 984 ج وسنن الترمذي كتاب أبواب الفتن باب ما جاء في لزوم الجماعة رقم 2167 الجزء 4 الصفحة 36

[50] – برنامج تأهيلي الائمة في إطار خطة ميثاق العلماء اللقاء العاشر 22 ماي 2010 البطاقة 1 الإمام والثوابت اصول المذهب المالي المنفردة وعمل اهل المدينة

[51] – محمد رياض: الشريعة الإسلامية كمال في الدين وتمام في النعمة، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الطبعة الأولى 2000م – ص:177

[52] – القاضي عياض: ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، الطبعة اللبنانية، تحقيق أحمد بكير محمود، مكتبة الحياة بيروت، والطبعة المغربية تحقيق محمد بن تاويت الطنجي وعبد القادر الصحراوي والدكتور محمد بن شريفة،جزء 1 ص 68-69

[53] – ترتيب المدارك ج 1 ص 48 – إحكام الفصول الجزء 1 ص 487

[54] – الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة، ص 209-210

[55] – القاضي عبد الوهاب، المعونة على مذهب عالم المدينة تحقيق محمد حسن دار الكتب العلمية الطبعة 1 الطبعة الاولى 1998 ج 2 ص 607

[56] – إحكام الفصول في أحكام الأصول الجزء 1 الصفحة 488.

[57] – محمد بابكم محمد الشيخ الفادني: قول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية، رسالة ماجستير في كلية الشريعة الرياض التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة 1400 هـ

[58] – ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين، رتبه و ضبطه وخرج آياته محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط 2 – 1414ه – 1993م ج 4 ص 115 – 116 و الموافقات ج 4 ص 58

[59] – موطأ مالك: وضع اليدين على مايضع عليه الوجه في السجود، القسم الأول ص 224

[60] – الموطأ كتاب النذر والأيمان باب ما تجب فيه الكفارة من الأيمان، القسم الأول ص 519

[61] – الموطأ، كتاب التيمم، العمل في التيمم، القسم الأول ص140

[62] – عبد الرحمان بن عبد الله الدرويش: الشرائع السابقة ومدى حجيتها في الشريعة الإسلامية، ط 1- 1410 ص 262

[63] – سورة النحل: 36

[64] – ابن العربي: أحكام القرآن ج 1 ص 38

[65] – نشر البنود ج 2 ص 24

[66] – ابن العربي: احكام القرآن ج 1 ص 38

[67] – ابن رشد: المقدمات ج 2 ص: 5

[68] – سورة الأنعام من الآية 91

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.