منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) الصلاة بين الفقه والمقاصد: البعد الأخلاقي للصلاة

مصطفى اسماعيلي

0

الصلاة صلة بين العبد وربه، ومعراجه إلى مولاه، وما تقرب انسان بشيء أحب إلى الله تعالى من الصلاة عمود الدين، ولهذا كانت قرة عين المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان ينادي بلال بن رباح:” أرحنا بها يا بلال”، بل ويخصص صلوات ربي وسلامه عليه جوف الليل لإقامتها حتى تتفطر قدماه، فإذا خرج إلى الناس كان خلقه القرآن.

فما بال أقوام يصلون ولا أثر لصلاتهم في سلوكهم وأخلاقهم؟ ما سر هذا الانشطار بين صلاة ترفع، وأخلاق تستبشع؟ مع أن الصلاة – كما أقر الله تعالى- تنهى عن الفحشاء والمنكر.

وكيف تعطل دور الصلاة في تخليق الحياة العامة؟ وقبل هذا السؤال هل الصلاة لها القدرة على تغيير سلوك الناس؟ وإن كانت كذلك فماذا ينقص صلاتنا اليوم لتنقلنا من خلق إلى خلق أحسن منه؟ أم أن هناك عوامل أخرى غير الصلاة هي التي تؤثر في سلوكياتنا.

لنجيب على هذه الأسئلة، لابد من الرجوع أولا إلى علماء الفقه، ننظر قولهم في الصلاة والأخلاق، ثم نسائل علماء المقاصد في المقصد الشرعي من فرض الصلاة، وما قول علماء السلوك في علاقة الأخلاق بالصلاة دون أن ننسى علماء النفس وما يعتمد اليوم عند غيرنا في تقويم السلوك.

الإنسان يولد على الفطرة السليمة، ثم ما يلبث حتى تتغير سلوكياته باحتكاكه مع الغير فيتحول شيئا فشيئا إلى حب الذات وكره الغير والكذب والغش وما يتبع ذلك من أخلاق دنيئة، سماها البعض بهيمية وآخرون سموها شيطانية وغيرهما من النعوت القادحة.

المزيد من المشاركات
1 من 45

و لا يختلف اثنان في أن الاسلام جاء ليحافظ على الفطر السليمة ويقوم ما اعوج من الأخلاق، ويظهر هذا جليا في مجموعة من الآيات والأحاديث التي تدعو إلى الأخلاق الفاضلة، منها قول الله عز وجل:” إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون “(1) وقوله صلى الله عليه وسلم:” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”(2). وقد اعتمد الإسلام في هذا الصدد مجموعة من التدابير منها الردعية، والتي يشرف “السلطان” على إقامتها على شكل حدود لتأديب من تجاوزها، وأخرى وازعة تخاطب القلوب الحية وتنهاها عن فعل الشر. فهل الصلاة من ضمن هذه التدابير؟

استنادا لعلوم الفقه فإن الصلاة هي عبادة الله ضمن أقوال وأفعال مخصوصة، تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم وذلك في أوقات محددة لأداء الفرائض وأوقات مفتوحة لأداء النوافل، وإذا أتى بها المسلم كما نص عليها الفقهاء فصلاته صحيحة، لكن بالنظر إلى شكلها وشروطها ومجموع أركانها وكذا مستحباتها ومبطلاتها لا نجد لها أثرا على الأخلاق، فلا هي ترد صلاة من كذب أو سرق ولا حتى من قتل. وبالمقابل يحرص الفقيه على أدق الحركات والسكنات في الصلاة، يبدع من زاد أو ترك شيئا منها، أما الأخلاق فقد أدرجوها في أبواب خاصة بمعزل عن فقهيات الصلاة.

لكن عند وقوفنا إزاء علماء المقاصد أو المقاصديين فإننا نجد لهم رأيا آخر، إذ رتبوا للصلاة مجموعة من المقاصد مستقاة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبين الغاية من فرض الصلاة كما ذكر ذلك الإمام العز بن عبد السلام (3) في كتابه ” مقاصد الصلاة “، فقد جعل الله عز وجل للعبادات مقاصد وغايات وحكما وأسرارا، من حافظ عليها وأقامها على أحسن وجه، نال ثوابها وأدرك فضل غاياتها وتمثلها مبنى وروحا ومعنى. وإجمالا للصلاة خمسة مقاصد كبرى، فهي دعاء وعقل وطهارة وقرب وذكر:

  • الصلاة قرب؛ قال تعالى: “و اسجد واقترب”.(4)

يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام: “مقصود العبادات كلها التقرب إلى الله عز وجل.” وأي قصد أعظم من التقرب من الله تعالى خالق السماوات والأرض، فالقرب منه شرف لا يعلوه شرف، هو الجليل المهيمن، يتودد إليه الخلق ليرضى عنهم ويقربهم إليه وليبوئهم المنزلة العلية فيسعدوا في الدنيا والآخرة، والأشقياء من أبعدهم الله عنه ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم.

والقرب نوعان، قرب بالعلم والرؤية وشمول السلطان، وقرب بالجود والإحسان، فالأول عام والثاني خاص. فقرب العلم والسلطان عنوانه قول الله تعالى:” وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ” (5)، أي قريب منا جميعا بعلمه، يطلع على سرائرنا وأفعالنا وما يختلج صدورنا، وهو ما يمثل سلطانه على جميع الخلائق من الإنس والجن والدواب وسائر خلقه. أما قرب الجود والإحسان فعنوانه قول الله تعالى:” إن رحمة الله قريب من المحسنين” (6)، أي قريب ومع عباده الصالحين ليس بعلمه فقط، وإنما بتأييده أيضا وتوفيقه وحفظه وعونه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي:” من عادى لي وليا آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها…”. (7)

  • الصلاة دعاء؛ قال تعالى:” ادعوني استجب لكم “.(8)

الصلاة في اللغة تعني الدعاء، وجمعها صلوات، قال الإمام النووي في شرح مسلم:” اختلف العلماء في أصل الصلاة، فقيل: هي الدعاء لاشتمالها عليه، وهذا قول جماهير أهل اللغة العربية والفقهاء وغيرهم.” (9).

وأغلب أقوال الصلاة دعاء، وفاتحة الكتاب – أهم ركن في الصلاة – التي لا يجوز الصلاة بدونها، شطرها الأول ثناء وشطرها الثاني دعاء، وهو حق المصلي، وذلك في قوله تعالى:” إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.” يدعو الله عز وجل من خلالها؛ الهداية والثبات على الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله لعباده الصالحين.

كما أنها تضم بين أركانها أقرب مكان يكون فيه العبد بين يدي ربه ليدعوه ويناجيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.”. (10)

  • الصلاة ذكر؛ قال تعالى:” أقم الصلاة لذكري” (11)

ذكر الله أكبر ما في الصلاة، وقد وقف العلماء عند الآية من سورة العنكبوت في قوله تعالى:” وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر”. فقالوا أكبر ما في الصلاة، ذكر الله فيها، وقالوا أيضا ذكر الله لك عقب ذكرك له، أكبر من ذكرك له، لأنه هو المعطي وأنت المستجدي، وهو الكامل وأنت الناقص، فكيف يستوي ذكره بذكرك. ذكر الله حياة القلوب كما الماء حياة النفوس فكيف يستقيم انسان بدون حياة القلب، وكل من في الأرض يذكره ويسبح بحمده.

  • الصلاة عقل؛ قال تعالى:” يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون.” (12)

فالذي لا يعلم ما يقول في صلاته، هو في حكم السكران لأن الصلاة عقل ويطلب فيها حضور العقل، وغير العاقل لا تجب الصلاة عليه، والعاقل ليس له من صلاته إلا ما عقل منها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له نصفها ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا عشرها” (13)

والخطاب القرآني موجه للعقلاء ويدعوا المؤمنين لإعمال عقولهم، “أفلا تعقلون” “إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”……و الحضور بالعقل في الصلاة، هو أول أبواب الخشوع.

  • الصلاة طهارة؛ قال تعالى:” إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم.” (14)

فهي طهارة على كل الأصعدة، البدنية والقلبية والفكرية والأخلاقية. فمن قام إلى الصلاة يطلب إليه الطهارة البدنية أولا، على شكل وضوء أو اغتسال وإن تعذر عليه تيمم صعيدا طيبا استعدادا ليطهر قلبه، وهي الطهارة الثانية، إذ من خلال الصلاة يتطهر من الذنوب ما لم تكن كبيرة، كما أنها تطهر من الأفكار المنحرفة التي تتولد من النفس الأمارة بالسوء ووساوس الشيطان وذلك بالرجوع والاستماع لكلام الله تعالى، قال عز وجل:” الشيطان يعدكم الفقر ويامركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا”(15)

و تطهر فيما تطهر؛ الأخلاق البشرية، فتنهى المصلي عن سوء الأخلاق وتدعوه للأخذ بمكارمها، قال تعالى:” إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر”.(16) فتكون الصلاة بذلك كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر، لكن الناس متفاوتون في درجة الانتهاء من صفر إلى الانتهاء الكلي.

إضافة لهذه المقاصد الكبرى هناك مقاصد أخرى أيضا، فالصلاة شكر كما جاء في الحديث، ويمكن إدراج الشكر في الذكر، وهي أيضا للاستزادة من الحسنات والنجاة من النار، إذ هي أول ما يحاسب العبد عليه يوم القيامة. كما لها عدة فوائد جلاها العلم الحديث، كأهمية حركاتها في الجانب الصحي وغيرها، والفرق بين المقاصد والفوائد، أن الأول يستند إلى نصوص شرعية ويستحب قصده بالنية، فيما الثاني جاء نتيجة أبحاث علمية ولا يجوز قصده بالنية.

بالنظر إلى مجموع المقاصد التي رتبها الشرع في الصلاة، نجد الصلة وثيقة بين الصلاة والأخلاق. فما من مقصد إلا وتجد بين ثناياه تلميحا أو توضيحا لضرورة التفاعل بينهما، حتى أنه لا يتصور التباعد بينهما قيد أنملة، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فلانا يصلي الليل كله، فإذا أصبح سرق. فقال: سينهاه ما تقول – أو قال – ستمنعه صلاته. (17)

فمقصد القرب من الله وهو أعلى المقاصد, تتجلى فيه رقابة الله على العبد, فإذا استحضر العبد رقابة الله عليه لا يجرؤ أبدا على معصيته، وفي القرب أيضا تتبدى حافظية الله لعباده الصالحين كما جاء في حديث الولاية. وفي مقصد الدعاء يتضرع المصلي إلى المولى ليهديه سواء السبيل، وما سواء السبيل إلا مجموع الأخلاق الفاضلة, فيما نجد مقصد الذكر يعمل في استصلاح القلب الذي هو مصدر كل عمل سني, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله وإذا فسدت، فسد الجسد كله ألا وهي القلب”(18)، ومقصد العقل يعمل على استحضار السمع والفؤاد للإنصات لكلام رب العزة ومناجاته والخضوع له بالكلية، ثم مقصد الطهارة الذي هو ثمرتها، يزكي العبد من الأدران والذنوب وسوء الأخلاق.

إذن ما الذي حال بين المقاصد الشرعية والصلاة الواقعية اليوم؟. من الذي بنى للصلاة قلعة منيعة وحرمها من الخروج إلى السوق والمشغل، ودواليب الإدارات، وفناء البيوت، وجنبات الطرقات، ليستنير بها هذا، ويصافحها آخر، ويستظل بها الكل؟.

هذا السؤال موجه لي، ولكثير من المصلين، ولآخرين تهاونوا عليها واستصغروها، سؤال لشباب متعطش لدينه وآخرين منهم تاهوا في الحياة المادية والعبثية اللاهية، سؤال للتاجر والأجير كما هو سؤال للمسؤول والحاكم، ما موقع أخلاقك من صلاتك؟

لا شك أن أكثر من عامل ساهم بقليل أو كثير الأثر، وسنحاول تلمس بعضها، أو بالأحرى أكثرها وضوحا وتأثيرا.


(1) سورة النحل الآية 90

(2) رواه البخاري في الأدب المفرد رقم 273، وابن سعد في الطبقات وابن عساكر في تاريخ دمشق ( 1/267/6) من طريق ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا بإسناد حسن، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم

(3) العز بن عبد السلام. ( 577، 660 ه ) الإمام والفقيه المغربي أصلا والدمشقي مولدا ونشأة ثم المصري دارا ووفاة، من العلماء القلائل الذين زاوجوا بين الفقه والأصول والتصوف والجهاد، يلقب بسلطان العلماء.

(4) سورة العلق الآية 19

(5) سورة الحديد الآية 4

(6) سورة الأعراف الآية 56

(7) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب التواضع ( 5/ 2384)

(8) سورة غافر الآية 60

(9) نيل الأوطار كتاب الصلاة ج1 ص306.

(10) رواه مسلم (482) وأحمد وأبو داود والنسائي

(11) سورة طه الآية 14

(12) سورة النساء الآية 43

(13) أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح.

(14) سورة المائدة الآية 6

(15) سورة البقرة الآية 268

(16) سورة العنكبوت الآية 45.

(17) رواه أحمد والبزار والطحاوي والبغوي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة.

(18) متفق عليه، رواه البخاري في كتاب الإيمان (1/28)، ومسلم في كتاب البيوع (3/1219)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.