منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

النسق الأخلاقي للبحث العلمي

لطيفة يوسفي / النسق الأخلاقي للبحث العلمي

0

النسق الأخلاقي للبحث العلمي

ذ. لطيفة يوسفي

 

 

ملخص

البحث العلمي هو سبيل نهوض الحضارات، فله مكانة مرموقة تسهم في تقدم البشرية ورقيها، فهو تحقيق منهجي لوضع الحقائق، وتطوير المعرفة. ولذلك تأتي أهمية مراعاة أخلاقيات البحث العلمي لزيادة الفائدة، والوصول إلى الأهداف التي تمنح القوة والرفعة للمجتمعات.

المزيد من المشاركات
1 من 8

إن النسق الأخلاقي يتضمن المبادئ الأخلاقية التي يجب على الشخص اتباعها، وينطوي السلوك الأخلاقي على فعل الشيء الصحيح في الوقت المناسب، كما تركز أخلاقيات البحث العلمي على المبادئ الأخلاقية التي يجب على الباحثين اتباعها في مجالات البحث الخاصة.

فالأساس الأول لنجاح البحث العلمي، وتقدمه هو التحلي بأخلاقيات البحث العلمي التي تعد مدخلا هاما، لتحقيق جودة هذا البحث العلمي في عالمنا العربي وفي العالم أجمع، وحقيقة فإن أخلاقيات البحث العلمي مسؤولية عظيمة لا تقع على عاتق الباحث وحسب، بل إنها تمتد لتشمل المشرف الأكاديمي، ومؤسسات البحث العلمي، وحتى المجلات والدوريات العلمية.

مقدمة:

إن البحث العلمي له أهمية عظيمة في تشكيل هوية المجتمع وأفكاره وتوجيهها بشكل صحيح بما يحقق الاستقرار، إذ أن بفضله يتم تغيير المفاهيم الخاطئة، والتعرف على الاتجاهات والسلوكيات القويمة، فهو سبيل نهوض الحضارات، وتقدم البشرية ورقيها، وتحقيق منهجي لوضع الحقائق، وتطوير المعرفة. ولذلك تأتي أهمية مراعاة أخلاقيات البحث العلمي لزيادة الفائدة، والوصول إلى الأهداف التي تمنح القوة والرفعة للمجتمعات.

إن النسق الأخلاقي يتضمن المبادئ الأخلاقية التي يجب على الشخص اتباعها، فينبغي أن يكون هناك تأصيل البحث العلمي، ووضعه في المكانة المناسبة له وفق نسق أخلاقي، يتضمن بشكل منتظم المبادئ الأخلاقية التي يجب على الباحثين اتباعها في مجالات البحث الخاصة.

فالأساس الأول لنجاح البحث العلمي، وتقدمه هو التحلي بأخلاقيات البحث العلمي التي تعد مدخلا هاما، لتحقيق جودة هذا البحث العلمي في عالمنا العربي وفي العالم أجمع، وحقيقة فإن أخلاقيات البحث العلمي مسؤولية عظيمة لا تقع على عاتق الباحث وحسب، بل إنها تمتد لتشمل المشرف الأكاديمي، ومؤسسات البحث العلمي، وحتى المجلات والدوريات العلمية. وسأعرض لجوانب هذا الموضوع مستوفية إياه من خلال النظر في ثلاثة محاور أساسية:

المحور الأول: ماهية النسق الأخلاقي

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

المحور الثاني: ماهية البحث العلمي وأنواعه

 المحور الثالث: النسق الأخلاقي للبحث العلمي

المحور الأول: ماهية النسق الأخلاقي

قبل أن نتطرق إلى النسق الأخلاقي للبحث العلمي، ينبغي تحديد دلالة المفاهيم التي تؤلف هذا الموضوع، باعتبار أن هذه المفاهيم والتعريفات تكون بمثابة السفينة التي يقتضي من الباحث أن يستقلها حتى يتمكن من ظلال الحقيقة.

النسق لغة: ” والنسق: ما جاء من الكلام على نظام واحد، والعرب تقول لطوار الحبل إذا امتد مستويا: خذ على هذا النسق أي على هذا الطوار؛ والكلام إذا كان مسجعا، قيل: له نسق حسن. ابن الأعرابي: أنسق الرجل إذا تكلم سجعا.” [1] يقال ” جاء القوم نسقا وزرعت الأشجار نسقا ويقال شعر نسق مستوي النبتة حسن التركيب ودر نسق منتظم والمنسوق يقال كلام نسق متلائم على نظام واحد و (حروف النسق) حروف العطف.” [2] فالنسق في اللغة لا يخرج عن مفهوم النظام والتلاؤم والتتابع.

واصطلاحا: معنى النسق في التعريف الاصطلاحي ليس ببعيد عن المعنى اللغوي، فقيل في تعريفه مايلي: ” النسق مجموعة من الأجزاء تكون متماسكة ارتباطا ومتكاملة حركيا ومتكافئة وظيفيا، ومتناغمة إيقاعيا، فالنسق يتنفس ويحي وجوديا ووظيفيا من خلال تكامل أجزائه المترابطة وقد عرف بأنه ” نظام ينطوي على أفراد مفتعلين تتحدد علاقاتهم بعواطفهم وأدوارهم التي تتبع من الرموز المشتركة والمقررة ثقافيا في إطار هذا النسق، وعلى نحو يغدو معه مفهوم النسق أوسع من مفهوم البناء الاجتماعي.” [3]

وقيل في تعريفه: ” ما يتولد عن تدرج الجزئيات في سياق ما، أو ما يتولد عن حركة العلاقة بين العناصر المكونة للبنية، إلا أن لهذه الحركة نظاما معينا يمكن ملاحظته وكشفه.” [4]

الأخلاق لغة: ” (خلق) الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، والآخر ملامسة الشيء. فأما الأول فقولهم: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته. ومن ذلك الخلق، وهي السجية، لأن صاحبه قد قدر عليه. ” [5]

واصطلاحا: معنى الأخلاق في التعريف الاصطلاحي ليس ببعيد عن المعنى اللغوي:

” الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية. ” [6] وقال الغزالي: ” الخلق: عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلا وشرعا بسهولة، سميت الهيئة: خلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة، سميت الهيئة: خلقا سيئا، وإنما قلنا: إنه هيئة راسخة؛ لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال: خلقه السخاء، ما لم يثبت ذلك في نفسه، وكذلك من تكلف السكوت عند الغضب بجهد أو روية لا يقال: خلقه الحلم، وليس الخلق عبارة عن الفعل، فرب شخص خلقه السخاء، ولا يبذل، إما لفقد المال أو لمانع، وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل، لباعث أو رياء.”[7]

النسق الأخلاقي

من خلال معنى النسق والأخلاق لغة واصطلاحا، يمكن استخلاص معنى النسق الأخلاقي كمركب بأنه: مجموعة منظمة من القواعد الأخلاقية التي تتبع في البحث وتعمل على نجاحه.

المحور الثاني: مفهوم البحث العلمي وأنواعه

أولا: تعريف البحث العلمي

البحث لغة: ” (بحث) الأرض وفيها بحثا حفرها وطلب الشيء فيها وفي التنزيل العزيز ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾،[8] والشيء وعنه طلبه في التراب ونحوه وفتش عنه والأمر وفيه اجتهد فيه وتعرف حقيقته وعنه سأل واستقصى فهو باحث.” [9]

البحث اصطلاحا: ” هو إثبات النسبة الإيجابية، أو السلبية، بين الشيئين، بطريق الاستدلال.” [10]

العلم لغة: ” (علم) فلان علما انشقت شفته العليا فهو أعلم وهي علماء (ج) علم والشيء علما عرفه وفي التنزيل العزيز ﴿ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾[11] والشيء وبه شعر به ودرى وفي التنزيل العزيز ﴿ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾[12] والشيء حاصلا أيقن به وصدقه تقول علمت العلم نافعا، وفي التنزيل العزيز﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [13] فهو عالم (ج) علماء.” [14]

العلم اصطلاحا: ” العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وقال الحكماء: هو حصول صورة الشيء في العقل، والأول أخص من الثاني، وقيل: العلم هو إدراك الشيء على ما هو به، وقيل: زوال الخفاء من المعلوم، والجهل نقيضه، وقيل: هو مستغن عن التعريف، وقيل: العلم: صفة راسخة تدرك بها الكليات والجزئيات، وقيل: العلم، وصول النفس إلى معنى الشيء، وقيل: عبارة عن إضافة مخصوصة بين العاقل والمعقول، وقيل: عبارة عن صفة ذات صفة.” [15]

البحث العلمي كمركب: بعد النظر في معنى البحث والعلم لغة واصطلاحا، نورد تعريفات للبحث العلمي إجمالا لا إفرادا:

هو ” عمل منظم يبحث عن العلاقات المتبادلة بين الظواهر والأحداث والمتغيرات المختلفة، وذلك من خلال فكر وجهد علمي ذي طبيعة منهجية، يهدف إلى اكتشلف معارف جديدة، والتأكد من صحتها وتحليل العلاقات بين الحقائق المتغيرات المختلفة التي تهم الإنسان في شتى المجالات، وكذلك إيجاد حلول المشكلات التي تواجهه، واكتشاف الحقائق من خلال تحليل المعلومات الدقيقة والشواهد المتاحة والأدلة والحقائق في إطار قوانين عامة لها مناهجها الواضحة، وتؤكد هذه الأهداف أن البحث العلمي وسيلة لتحقيق الأهداف بطريقة منظمة وهو ليس غاية في حد ذاته.” [16]

” السعي المنظم بين الأفكار المتعلقة بمشكلة ما، وما دون منها في الكتب، وما سكن في أدمغة العلماء، والتعرف على ذلك كله، وسبر أغواره، والغوص في دقائقه حيث يطمئن الباحث إلى أنه لم يترك شيئا قد قيل في موضوعه إلا وقد اطلع عليه.” [17]

 ثانيا: أنواع البحث العلمي

يمكن تصنيف أنواع البحث العلمي إلى نوعين أساسيين:

  • النوع الأول: البحوث النظرية

إن البحوث النظرية تتمحور بالأساس حول النظريات والفرضيات العلمية، والهدف من تلك هذه الأبحاث النظرية هو الفهم لموضوع أو مشكلة معينة، ومن ثم وضع القوانين والمسلمات والنظريات بغض النظرعن التطبيق من عدمه.

وتعتبر البحوث النظرية نتاج إبداع وفكر إنساني منتظم وموجه تجاه ظاهرة، وإيجاد حل لها بشرط تحمل دراسة هذه الظاهرة على اعتبارها تكتفي بالحلول النظرية.

  • النوع الثاني: البحوث التطبيقية

وهي من بين أنواع البحث العلمي التي تهدف إلى تطبيق نظريات معروفة للتأكد من صحتها، وتحقيق المعرفة، وذلك النوع يستخدم في تطوير طرق العمل في مجال معين.

يمكن القول أن هذه البحوث النظرية والبحوث التطبيقية تشترك في الكثير من الورقات في مجالات البحوث العلمية، لكن الاختلاف بينهما جوهري بالطريقة البحثية ونتائج البحوث والغاية من كل بحث.

المحور الثالث: النسق الأخلاقي للبحث العلمي

النسق الأخلاقي للبحث العلمي يتألف من مجموعة من القواعد الأخلاقية التي تنتظم البحث وتعمل على إنجاحه في نسق أخلاقي، ونجملها فيما يلي:

  • الأمانة العلمية

وهي ” أن لا يقوم الباحث بنسخ ماقاله الآخرون دون إعطاء كل ذي حق حقه، وعدم الأمانة العلمية هي أن يقوم شخص بنقل أو نسب تعب ومجهود الآخرين إلى نفسه دون الإشارة إليهم. ” [18]

والأمانة العلمية هي وسيلة للتدليل على أصالة البحث وجودته، وبها يتمكن القارئ من الرجوع إلى الأصل لمعرفة نص الكلام. ” [19] ومن أوجه الأمانة العلمية كذلك أنه ” عند اقتباس شيء من أحد الباحثين الآخرين وقص جزء منه لا يحتاج إليه الباحث في بحثه أن لا يضر الحذف بالمعنى الأصلي الذي يراه الكاتب.” [20] والأمانة هي أهم صفة أخلاقية يجب أن تنطوي عليها نفس الباح، إذ إن نسبة الكلمات والعبارات والأفكار إلى صاحبها ـ إشارة أو اقتباسا وتوثيقا ـ تعد من أهم شمائل الباحث وخصاله.

وأما خصوص نسبة العلم إلى الأمانة فلعله من أبرز ما يتسم به العالم الرباني، الذي التزم بالضوابط الأخلاقية لأهـل العلم من جهة التلقي والفهـم والأداء، فارتقى إلى الرتبة العـلمية المعبر عنها بقوله عز وجل ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾[21] وهذه الربانية تجلت لديه في الصدق والإخلاص في العلم اللذين نمت عنهما الأمانة العلمية، ثم إن تلك الأمانة أثمرت بركة في الفهم، وقبولا من المولى، وتقبلا واستجابة عند أداء العلم إلى أهله. [22]

  • التزام الموضوعية

وذلك بأن يلتزم الباحث في بحثه المقاييس العلمية ويقوم بإدراج الحقائق والوقائع التي تدعم وجهة نظره وكذلك التي تتضارب مع وجهة نظره، فعلى الباحث أن يعترف بالنتائج المستخلصة حتى لو كانت لا تنطبق مع تصوراته وتوقعاته. فالمقصود بالموضوعية في البحث العلمي تجنب الباحث التحيز الشخصي، وعدم إصدار الأحكام إلا بعد فحص ما لديه من أدلة وبراهين بتجرد وشفافية، وإلا فسوف يصبح البحث موجها لتحقيق منافع خاصة، ومن تم خلوه من الموضوعية، فهي على هذا ” معيار أساسي من معايير البحث، يقوم على الصدق والعلم والأمانة، والبعد عن الأهواء الشخصية.”[23]

واصطلاح الموضوعية وفق القواعد الشرعية التي وضعها الوحي لضبط إصدار الأحكام، والتعامل مع الآخر.[24] جاء في الذكر الحكيم: ﴿ قال تعالى لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾،[25] وهذا الخلق بقتضي التزاما من قبل واضعي المناهج، على ألا يتجاوزوا في خلافاتهم مع الآخر الحد الموضوعي، فيقدم المحتوى المعرفي، كما لو أن الآخر لا يحمل سوى الشر المحض. قال أبو عمر: ” من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم.” [26]

  • الاعتماد على الأدلة والقرائن

يجب على الباحث الابتعاد عن التأملات والافتراضات الشخصية التي لا تستند إلى حقائق علمية ثابتة، والحرص على أن يكون بحثه معززا بالأدلة والبراهين التي تؤكد ما توصل إليه من نتائج، وتضفي عليه طابع القوة والمصداقية. فيلزم اتباع الحجة والدليل.

والدليل: في اللغة هو المرشد، وما به الإرشاد، وفي الاصطلاح: هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.[27] والله عز وجل في كتابه العزيز يذم الذين يتركون الحق والدليل ويتبعون الظن لأنه لا يغني من الحق شيئا، يقول تعالى ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾.[28]

  • الصبر والمتابرة

ذلك أن البحث عمل شاق ذهنا وجسما ومالا، وبه عقبات ومشكلات، ويحتاج إلى وقت طويل يتفرغ فيه الباحث للبحث، فلابد للباحث أن يتحلى بالصبر، والمثابرة والدأب، حتى يؤتي البحث ثماره المرجوة منه، ويستوي على سوقه. فـ«لَا تُكَابِرْ هَذَا الْعِلْمَ؛ فَإِنَّمَا هُوَ أَوْدِيَةٌ فَأَيُّهَا أَخَذْتَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَهُ قَطَعَ بِكَ وَلَكِنْ خُذْهُ مَعَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ».[29]

  • التزام أدب البحث

وذلك باحترام الآخرين وآرائهم، وبالتواضع، فلا يؤدي به الأمر إلى الحط من آراء الآخرين، أو النيل من شخصياتهم، وإن كان على صواب فيما ينقد أو يعرض، ولا يؤدي به الغرور العلمي إلى التعالي بما وصل إليه، فإن هذه الأمور مما يشين البحث ويشوهه، ويحط من مكانته وقوته، وينفر القارئ من مطالعته.

فالتواضع العلمي من أعظم التواضع وأسماه وأسناه. وهو عند الكبار من أهل العلم والرأي والحكمة، فكلما ازداد الإنسان علما ازداد تواضعا، والمكان المنخفض أكثر ماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ».[30] وقد ضرب الإمام مالك بن أنس رحمه الله أروع الأمثلة في تجسيد خلق التواضع عند العلماء، فقد روى ابن عبد البر عنه أنه قال:

لما حج أبو جعفر المنصور دعاني فدخلت عليه فحدثته، وسألني فأجبته فقال:

” إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها ـ يعني الموطأ ـ فينسخ نسخا ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعلموا بما فيها لا يتعدون إلى غيره، ويجعون ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث، فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من اختلاف الناس: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل أهل بلد لأنفسهم.” فقال: لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به. قال الراوي بعد نهاية القصة: ” وهذا غاية في الإنصاف لمن فهم. ” [31]

وقال عبد الرحمن بن القاسم، لمالك: ما أعلم أحدا أعلم بالبيوع من أهل مصر فقال له مالك: «وبم ذلك؟» قال: بك، فقال: «أنا لا أعرف البيوع فكيف يعرفونها بي؟»،[32] وغيرها من الآثار الدالة على ضرورة التزام الباحث في بحثه العلمي أسمى خلق الآداب.

  • القراءة الواعية

يجب القراءة الواعية لكل فصل أو مبحث انتهى منه، لتصحيح ما قد يقع من خطأ، وتلافي ما يقع من نقص، وإعادة صياغة عبارة توقع في لبس، والتأكد من صحة الحواشي وأرقام الصفحات. وقد ثبت بالتجربة أن كل قراءة سيظهر للقارئ فيها معان جديدة، كما تترسخ لديه المعاني السابقة، قال المزني: ” قرأت الرسالة خمس مائة مرة مامن مرة إلا واستفدت منها فائدة جديدة وفي رواية عنه قال أنا أنظر في الرسالة من خمسين سنة ما أعلم أني نظرت فيها مرة إلا واستفدت شيئا لم أكن عرفته.” [33]

  • التراكم العلمي والمعرفي

فالباحث ينبغي أن يكون عنده علم ومعرفة سابقان في مجال تخصصه، وألا يترك كتابا أو بحثا أو غيرهما تناول موضوعه أو جانبا منه إلا اطاع عليه. عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ مَعَادِنِ التَّقْوَى تَعَلُّمَكَ إِلَى مَا قَدْ عَلِمْتَ مَا لَمْ تَعْلَمْ، وَالنَّقْصُ فِيمَا قَدْ عَلِمْتَ قِلَّةُ الزِّيَادَةِ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُزَهِّدُ الرَّجُلَ فِي عِلْمِ مَا لَمْ يَعْلَمْ قِلَّةُ انْتِفَاعِهِ بِمَا عَلِمَ».[34]

  • الدقة و الضبط والتنظيم

والدقة من ” (دقق) في الشيء استعمل الدقة والشيء أنعم دقه وصيره دقيقا، و(أدق) تتبع الدقيق من الأمور (أي خسيسها) والشيء صيره دقيقا.” [35] فلابد أن يكون الباحث دقيقا في عمله، فينظم بحثه في خطته ومنهجه، وحواشيه وفهارسه وأسلوبه، وطباعته وتجليده. قال ابن البر: «أَوَّلُ الْعِلْمِ الْإِنْصَاتُ ثُمَّ الِاسْتِمَاعُ ثُمَّ الْحِفْظُ ثُمَّ الْعَمَلُ ثُمَّ النَّشْرُ».[36] والضبط من (ضبطه) ” ضبطا حفظه بالحزم حفظا بليغا وأحكمه وأتقنه ويقال ضبط البلاد وغيرها قام بأمرها قياما ليس فيه نقص والكتاب ونحوه أصلح خلله أو صححه وشكله.”[37] فالضبط: إسماع الكلام كما يحق سماعه، ثم فهم معناه الذي أريد به، ثم حفظه ببذل مجهوده، والثبات عليه بمذاكرته إلى حين أدائه إلى غيره.[38]

خاتمة:

وخلاصة القول في هذه السطور أن النسق الأخلاقي للبحث العلمي له أهمية كبيرة في مدى إنجاح هذا البحث أو الإخفاق فيه، وهي الأخلاقيات التي لابد أن يأخذها الباحث بعين الاعتبار أثناء عملية البحث بنوعيه سواء النظرية منها أو التطبيقية. فهي القواعد التي تقوده وتساعده في تقرير أي من الأهداف أهم، وتسوية القيم التي فيها إشكالات معينة، ومن هذه القضايا الأخلاقية الهامة للباحث، الأمانة العلمية، والموضوعية، والاعتماد على الأدلة والقرائن، والصبر والمثابرة، والتحلي بآداب البحث، والقراءة الواعية، كما يتطلب التراكم العلمي والمعرفي، وتحري الدقة والضبط التنظيم في البحث العلمي.


المصادر والمراجع

  • إحياء علوم الدين الغزالي، بيروت، دار المعرفة.
  • أسس البحث العلمي لمحمد محمد حسين 2011م، الرياض دار النشر الدولي.
  • الأمانة العلمية بين الضوابط الأخلاقية وورع العالم الرباني، لمحمود مصري، 2014م.
  • البحث اللاهوتي كيف نكتب بحثا أكاديميا، وجيه يوسف، القاهرة، 2007م.
  • التعريفات، للجرجاني، الطبعة الأولى 1403هـ -1983م، بيروت –لبنان، دار الكتب العلمية
  • جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، الطبعة الأولى، 1414 هـ – 1994 م، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.
  • دليل الباحثين في اعداد البحوث العلمية لسيد الهواري 2004م، القاهرة دار الجبل للطباعة.
  • صحيح مسلم، النيسابوري، المنصورة ـ مصر، مكتبة الإيمان.
  • عصر البنيوية، لأديث كريزويل ترجمة جابر عصفور، الطبعة الأولى 1993م الكويت، دار سعاد الصباح.
  • كيف تكتب بحثا أو رسالة دراسة منهجية لكتابة الأبحاث وإعداد رسائل الماجستير أو الدكتوراه، لأحمد شلبي، 1968م، القاهرة، دار النهضة المصرية.
  • لسان العرب، لابن منظور، الطبعة الرابعة 2005م، بيروت، دار صادر.
  • المجموع شرح المهذب، ليحيى بن شرف النووي محي الدين أبو زكريا تحقيق محمد نجيب المطيعي،، جدة – المملكة العربية السعودية، مكتبة الإرشاد.
  • المصطلحات الاساسية في لسانيات النص وتحليل الخطاب، لنعمان بوقرة، 2015م.
  • معايير السلوك الاخلاقي لنشر البحوث العلمية لدى أعضاء هيئة التدريس بالجامعة الاسلامية بغزة، العاجز فؤاد علي 2011م، الجامعة الاسلامية سلسلة الدراسات الإنسانية المجلد التاسع عشر، العدد الأول، 1 ـ 31
  • المعجم الوسيط، لمصطفى، الزيات، عبد القادر، النجار، دار الدعوة.
  • مقاييس اللغة لابن فارس، تحقيق عبد السلام محمد هارون،1979م، دارالفكر.
  • الموضوعية في العلوم التربوية من وجهة النظر الإسلامية، لحمدان عبد الله الصوفي الطبعة الأولى 1409 مكة المكرمة جامعة أم القرى.
  • الموضوعية في العلوم التربوية، لعبد الرحمن بن صالح عبد الله الطبعة الأولى 1407جدة دار المنارة.
  • الموطأ، للمام مالك، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة 1985م.

1- لسان العرب، لابن منظور، 10 / 353

2- المعجم الوسيط، ص 918

3- عصر البنيوية، لأديث كريزويل، ترجمة، جابر عصفور، ص 411

4- المصطلحات الأساسية في لسانيات النص وتحليل الخطاب، لنعمان بوقرة

5- مقاييس اللغة، لابن فارس، 2 / 213 ـ 214

6- احياء علوم الدين، للغزالي 3 / 47

7- التعريفات، للجرجاني ص 101

8- سورة المائدة الآية 33

9- المعجم الوسيط ص 40

10- التعريفات، للجرجاني، ص 42

11- سورة الأنفال الآية 61

12- سورة يس الآيتان 25ـ26

13- سورة الممتحنة الآية 10

 14-المعجم الوسيط / 624

15- التعريفات، للجرجاني، ص 155

16- أسس البحث العلمي، لمحمد محمد حسين ص 30

17-العاجز فؤاد علي 2011 معايير السلوك الاخلاقي لنشر البحوث العلمية لدى أعضاء هيئة التدريس بالجامعة الاسلامية بغزة، الجامعة الاسلامية سلسلة الدراسات الانسانية المجلد التاسع عشر، العدد الأول، 1 ـ 31 ص 5

18- البحث اللاهوتي كيف نكتب بحثا أكاديميا، لوجيه يوسف، ص 43

19- دليل الباحثين في اعداد البحوث العلمية، لسيد الهواري ص 42

20-كيف تكتب بحثا أو رسالة دراسة منهجية لكتابة الأبحاث وإعداد رسائل الماجستير أو الدكتوراه، أحمد شلبي، ص 91

21-سورة آل عمران الآية 78

22-  انظر: الأمانة العلمية بين الضوابط الأخلاقية وورع العالم الرباني لمحمود مصري ص 55

23- الموضوعية في العلوم التربوية، لعبد الرحمن بن صالح عبد الله ص 6

24- الموضوعية في العلوم التربوية من وجهة النظر الإسلامية، لحمدان عبد الله الصوفي ص 5

25- سورة آل عمران الآيات 113ـ114ـ115

26- جامع بيان العلم وفضله، فصل في الإنصاف في العلم رقم (ح) 862 ( 1 / 530)

27- التعريفات، للجرجاني ص 104

28- سورة الأنعام الآية 117

29- جامع بيان العلم وفضله ابن عبد البر باب كيفية الرتبة في أخذ العلم رقم 653 ( 1 / 432)

30- أخرجه مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، رقم (ح) 2588، (4/2001)

31- الموطأ، رواية محمد بن الحسن 1 / 33

32- جامع بيان العلم وفضله، باب في الإنصاف في العلم، رقم ( ح) 871 ( 1 / 533 )

33- المجموع شرح المهذب للنووي 1 / 9

34-جامع البيان باب الحض على استدامة الطلب والصبر فيه على اللأواء والنصب رقم 580( 1 / 401

35- المعجم الوسيط ص 291

36- جامع البيان باب منازل العلماء رقم (ح) 762 ( 1 / 478)

37- المعجم الوسيط ص 533

38- التعريفات، للجرجاني، ص 137

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.