منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مات مؤذن مسجدنا..

عبد القادر الدحيمني

0

 

مات السي البشير، الرجل الطيب البشوش، الرجل الذي كنت أطلّ عليه من النافذة وهو يفتح باب المسجد، إبان إغلاقه زمن كورونا، فيختلج صدري أسًى على تلك الأبواب الموصدة، وتشتعل الجوانح شوقا لفتح قريب، فأراه يدخل مؤذنا، وأسمع، بحكم قربي من المسجد، قراءته الجهرية في بعض صلواته، قبل أن يخرج ويغلق الباب الخشبي وراءه، كنا نتبادل أحيانا نظرات متحسّرة، ونبتسم لبعضنا ونمضي..

رجل لا يمكن إلا أن تحبّه، في صمته وهيبته وأخلاقه، كان نعم الجار الخلوق الأصيل..
مات على حين غرّة بعدما كان في الصباح يسلم بحرارة على بعض معارفه، مات الرجل فجأة وفشلت كل جهود الإنقاذ التي اعتبرت الأمر أزمة اختناق وارتباك نبض في قلب كان دائم التعلّق بالمسجد..

غلبتني دموعي وبكيت مُدَارِيًا إيّاها عن الناس، قدّمت التعازي لابنه ولزوجته المفجوعة بالفقدان المستعجل لركن البيت وحبيب القلب ورفيق الدّرب، فحكت لي رؤيا رآها قبل أيّام فقط، وحكاها لها مستبشرا، أن رأى في منامه المَلِكَ قد أتاه وأخبره بأن ملّفه نقِيٌّ تماما ومقبول..

وبقدر ما أحزنتني وفاته المفاجئة، أفرحني إيمانه ورسوخه في حضور الصلوات بالمسجد، مهما كانت الأجواء والظروف، أليس يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ”،(سورة التوبة الآية: 18). أليس يزكّي رسول الله صلّى الله عليه وسلم هذا المعنى إذ يقول: “إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان”.(ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري).

المزيد من المشاركات
1 من 18

ولعمري إنه لفوز ثانٍ، يسبقه فوز عظيم أوّل، بفرح الله وتَبَشْبُشِهِ لمن استقام على إقامة الصلاة مع الجماعة في المسجد، أليس يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “ما توطَّن رجلٌ المساجدَ للصلاة والذكر إلا تبشبشَ اللهُ تعالى إليه كما يتبشبشُ أهلُ الغائبِ لغائبهم إذا قَدِمَ عليهم”، (ابن ماجه عن أبي هريرة).

فكيف لا تهفو الروح إلى أن تكون مع هؤلاء الفائزين الموعودين بالقرب والرضى، أليس يخبرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنهم، بما يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه قائلا: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن عمّار بيوت الله هم أهل الله عز وجل”،(البيهقي عن أنس بن مالك).

رحمك الله السي البشير ورفع مقامك، وقبلك في الصالحين من عباده المقرّبين، خدّام بيوت الله، والمؤذّنين فيها، وجعلك الله معهم أطول الناس أعناقا كما بشّر بذلك الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، رزقك الله شفاعته وصحبته في الآخرة.

ورحم الله الفقيه الخمّالي، المأموم الطّيب، الذي سبقك إلى الدار الآخرة، ولم يبق إلا صوتُه الطّيب وغُنّتُه البلدية الرفيعة وهو يصلّي بنا خَلَفًا للإمام كلّما تعذّر حضورُه..
رحمكما الله وألحقنا بكما مسلمين ثابتين، خُدّاما لبيوت الله متعلّقين به، متنوّرين بأنواره.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.