منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الراوي (قصة قصيرة)

الراوي/ مجيد فلوح

0

الراوي (قصة قصيرة)

مجيد فلوح

الآن يتزاحم علي أبطال هاته القصة، الكل يريد أن يكون راويها..

وهل ينسلخ الراوي من نفسه حين يحكي الحكاية، وهل هناك موضوعيةٌ لدى الكاتب ومن سواه ممن ينقل الأحداث، ويصور المشاهد، ويحلل المجريات، ويستنتج النتائج..

هل أنوب عنهم جميعا؟ هل أجلس على كرسي المتفرج، الذي ينتظر من القصة أن تحفز فيه بعض المشاعر، لا يشترِط عليها، ينتظر النهاية، ليصدر حكمه بالرضى، أو عدمه..

أم أصعَدُ منصة القاضي، لأصدر صكَّ الاتهام، أو فَكَّ البراءة، لأستنطق الشهود، وأرتب القرائن..

أم أَتَّكئ على أريكة المرشد النفسي، أبحث عن الخلل المعرفي، الذي أنتج السلوك المضطرب..

ثم قررت أن نستمع إلى الجميع، ولكن بأيهم أبدأ؟

الإبن

ما أجمل لحظات الصبى، وخاصة إذا كنتَ مُمَيَّزا، ومِيزَتي أنني كنتُ ابنَ فنانٍ مشهور جدا، مبدعٍ في صَنعته، رائدٍ في فنه، له مدرسةٌ خاصة به، يجري الأثيرُ بِذِكره..

كنتُ أُباهي بِنَسبي أَقْراني..

صنعتُ لأبي تمثالا من العظمة، نَحثته بدقات قلبي، ببريق عقلي، خَامَتُه لم تكن من تراب الأرض، ولا من معدن السماء، بل كانت الروح، ويسألونك عن الروح..

ثم في لحظة لم تكن في الحسبان، انكسر التمثال..

كانت لي أمٌّ تحِنُّ عَلَيَّ، تُواسيني، تُدَلِّعُني، كنتُ لَوْحَتَهَا الخاصة، ترسم على قلبي الجمال، وعلى لساني الجمال، وعلى ثوبي الجمال، تُصبح كل الألوان على ريشتها جميلة، وكل الخطوط رائعة..

كما كانت ترعاني، كانت ترعى أخواتي، وتُوازن بين ما يتطلبه موقع أبي من علاقاتٍ اجتماعية، وما يفرضه البيت من أشغال يومية، وتُوازن بين ما نحتاجه من غذاء لإقامة أبداننا، وما نحتاجه من علم لسلامة عقولنا، وما نحتاجه من أدب لاستقامة سلوكنا..

وفي اللحظة التي لم تكن بالحسبان، تغيَّر أبي وتحولت أمي..

أصبح أبي يقيم في البيت أكثر مما كان، وترك الكثير من العادات التي كانت تشغله عن أسرته، ونقل بعض أعماله إلى محل إقامته..

لكن أمي مرضت..

فما فَتِئَ أبي حتَّى طلقها..

فوقع ما لم يكن بالحسبان..

خرجت أمي من الدار، وأدخل بدلها امرأة أخرى، سكنت قلبه، وأخذت لبه، واستأثرت به من دوننا، ونَزَعَنَا من حُضن أمنا..

هكذا خسرتُ أبي، واقْتُلِعَتْ روحي..

تصوَّرْ معي أن أبي لا يقبل الآن أن يستقبلني في بيته، بل انمحت صورتي من ذهنه..

في يوم من الأيام ويا ليته ما كان، قلتُ؛ أستغل معرضا نظمه أبي، وأُحرجه بالزيارة، عسى يخشى نِقمة الجمهور، ويُقَّبِلُني أمام الحُضور، عسى..

والمفاجأة التي لم تكن أيضا بالحسبان، أنه لم يعد يعرفني، وتاه عن صورتي، ولم يتذكرني إلا حين سمع صوتي، ونداء؛ أبي..

الأم

اختارني أب أبنائي من أسرة شريفة عريقة، كان يتباهى بجمالي وحسن سيرتي، ويعتز بتديني..

على خلافه، لم يكن متمسكا بشعائر دينه، وكان يدور في دوائر أصدقائه المترفين، لم يكن دائما ذا ثروة، كانت بدايته أستاذا في قطاع التعليم، ثم كسب من فنه ما نقله إلى طبقة اجتماعية أخرى، زادته غيابا عن البيت أكثر مما كان..

وكان له مزاج حاد، وكنت الإسفنج الذي يمتص كل ذلك، حتى لا يبقى في ذهن أبنائه إلا المثال المقتدى، وزاد من حدته مرضه بالسكري..

في لحظة فارقة؛ تحول الرجل، وأقبل على صلاته وشعائر دينه، تعلق قلبه بأهل التقوى، فاستبدل رفقته الأولى برفقة أثلجت صدري، وسعدت كثيرا بمكوثه في البيت، وإنشائه لورشته بداخله..

غير أن تحوله هذا لم ينقص من حدة طبعه، وإقامته الطويلة بيننا أثقلت على الإسفنج ما خرق ثوبها، فأُصبت باكتئابٍ أَحَدَّ مِنْ طَبْعِ الرَّجُلِ، وعَاقَرْتُ الأدوية، ولازمت الفراش، واضطربت الأسرة بمرضي..

فطلقني، ونزع الأبناء من حضانتي، واستبدلني بامرأة سرقت كل جهدي وعمري، وذهبت بروحي..

البنت

وقعُ “سندريلا” فتاة الرماد على عقولنا في الصغر كان كبيرا، تفننت “والديزني” في تصويرها وإخراجها، وكنت أنتظر دائما ظهور الساحرة أو الأمير الذي ينتزعني من الوضع الذي أضحيت فيه بعد مغادرة أمي بيتنا..

كل القصص التي يستبدل الأبُ الأمَّ بامرأة أخرى لابد أن تشبه إحدى روايات قصة فتاة الرماد، فقد صدر منها إصدارات تكفي لكل الصور المحتملة..

أغلقت أختي باب بيتها على نفسها، وورثتْ من أمي صندوق أدويتها وأمراضها أيضا، وانخرطت أنا مع المرأة الجديدة في مشاكسات لم تجعل إقامتها عندنا بالأمر المريح، ولم يكن لأبي بد من تطليقها إذا أراد أن نبقى تحت حضانته..

وكان لدي بصيص أمل لعودة أمي إلى مكانتها، ولكنها أماني فقط، أعدمها زواج أبي الثاني..

لم يكن لي استعداد أبدا أن أتعاطف مع الزوجة الجديدة، أو أي امرأة أخرى تدخل بيت أمي، كنت أحسن معاملة زوجة خالي، وزوجة عمي، ولكن لن تحظى مني زوجة أبي إلا ما تستحق من تنقيص..

حصل أبي على الساحرة التي ذهبت بقلبه، وحصلت على الأمير الذي أخرجني من بيت أبي..

تعرفت على شاب كان سندي في التمرد على أبي، فلم يكن لأبي خيار سوى قبوله بزواجي..

زوجة الأب

ليس للمرأة في مجتمعنا فرص كثيرة للزواج، خاصة إذا كانت متوسطة الجمال، أو مطلقة، أو مقيمة في البيت بلا عمل، أو فقيرة، أو عاقر..

فكيف إذا اجتمع كل هذا في امرأة واحدة..

عُرِضَ عليَّ هذا الزواج في فترة كنت أسائل نفسي عن إنجازاتي في حياتي، عن وجودي الذي كعدمي، لم يكن هذا العرض طوق نجاة فقط، وإنما كان كرامة ربانية، خلفني الله في كل مصائبي خيرا، بدل عقري أعطاني الله ثلاثة أبناء، وبدل فقري ثروة وبيتا وسيارة، وبدل وحدتي زوجا يؤنسني..

تعرضت لاختبار شديد، مهما حاولت أن أكون لأبناء زوجي أما، اتخذوني عدوة، كنت أعذرهم، وكنت أعلم أن أمهم تحرضهم، وآمل دائما أن أعوضهم في بعض الحنان الذي حَكم عليهم القدر بفقدانه..

كان يزيدني اعتنائي بزوجي الجديد منه قربا، أسهر على نظامه الغذائي وتناول أدويته، وأجد في ذلك أنسا ولذة وفرحا..

أتعبتني كثيرا مشاغبات إحدى بناتي، ومرض الثانية، لكن اليوم أحمد الله أنني حضرت مناسبات زواجهم، ونسائك أولادهم، بل أصبحت أقرب إليهم من أبيهم..

وتعرضت لاختبار آخر، وكان أشد من كل هذا، وهو حين تمرد على زوجي أبناؤه، وأراد أن يكون له أبناء آخرون، ولم أكن لأحقق أمنيته، وعرض علي أن يتزوج بأخرى..

لو انطبقت عليَّ السماء لكانت أخف وطأة، لكن أحمدُ الله أيضا أن لي أمًّا حكيمة، أمرتني أن آذَنَ له بطِلبته وأن أُحسن مع ذلك معاشرته، فسيف البر والمعروف لا يكسر..

وكذلك كان، ورجعت عنده في رتبة أرفع، بعد أن طلَّق ضَرَّتِي..

وهمي الآن أن أصلح بين زوجي وابنه، ولن يكون الأمر سهلا، لأنني كلما ذكرت له أمر صلته بابنه قَلَّبْتُ عليه مواجيع شتى، تسبب له ارتفاع الضغط والسكر، والرجاء في الله وحده..

الأب

عرفت حياتي تحولات كبيرة، لم يعرف قلبي الاطمئنان مهما حاولت، اطلعت على المدارس الفنية العالمية، وما يدور حولها من فلسفات، ولبست ثوب كثير منها، عسى يجد قلبي سكينة، أو أفهم لهذه الحياة مغزى..

داومت السمر مع أهل الفكر، وأهل الفن، نَبِيتُ يذلف لساننا بلغة موليير، وكنت أُقنع عقلي وقلبي أن مع هؤلاء الحقَّ والحقيقة، والعلم والمعرفة، فإن لم يكن رسل مدينة الأنوار، وسفراء الحضارة الأغرار أهل الحق، فهل سيكون أهلها أولئك الرجعيون من لسانهم التخلف، ومذهبهم التاريخ، ووسيلتهم الكسل !

وكسبت ثروة من المال، لم أستطع أن اشتري بها سعادتي..

حتى أزال الله على قلبي غشاوة، وعلى عقلي ضلالة، وتنبهت من غفلة، وأقبلت على المسجد وأهله، أهل التقوى والمغفرة، فنزلتْ عليَّ السكينةُ، وغشيتني الرحمة، وفُتح لي في العلم باب، وفي الفن أبوابا..

ثم جاءت الابتلاءات تترى..

تغير حال أهلي، ولم تعد زوجي تطيق قربي، ونزل عليها من الهَمِّ ما أصابها بأمراض نفسِيَّة كثيرة، وتَصَبَّرْتُ على وضعها أعواما معدودة، فقد كانت لي نعم السند والعضد، وصبرَت عليَّ حين كنت في زمن التيه، غير أنها لم تعد تحتمل رؤيتي، وعلمت أن راحتها في بعدي، وقد أسرَّت ذلك وأعلنت، وطلبت الطلاق وألحت، فلم يكن بد من ذلك، وكنت أعلم أن لهذا القرار تداعيات مضرة بالأبناء..

وبقي لها في قلبي منزلة حتى تزوجت من استأمنته على ابني، وأدخلته بيتي لتعليمه وتأديبه، فتلبست بي الظنون حتى طردت النوم عن الجفون..

ثم عزَمَت على الهجرة إلى بلاد بعيدة، فطلبتُ حضانة أبنائي، واشتريتها منها بأموال طائلة، فقد كانوا روحي، ولم أكن لأتركهم حتى وإن دفعت كل مالي..

ثم بذلت في تعليمهم بغير بخل، ولكنهم كانوا يُحَمِّلونني جريرة فراق أمهم، ويعاقبونني على ذلك بكل وسيلة متاحة، حتى استبدلتُ حبهم بلاَّمبالاة..

تَفَنَّنَتْ ابنتي في إِنْزَالِ العُقُوبَةِ بي؛ طردت زوجتي، وارتبطت بمدمن على المخدرات، وهَان عليها أن يكسر عظامها، ويَكْدِمَ وجهها، على أنْ تَنْزِلَ في قلب أبيها..

وأما ابني فبعدما عَمِلْتُ على أن يحصل على وظيفة شريفة، ويُتقن من فني وصنعتي ما يَبُّزُ أقرانه، وزَوَّجْتُهُ بمن يرضى من النساء، طردني من بيته، وشَهَّرَ بي في مواقع التواصل الاجتماعي..

بل لم يعد لهم همٌّ إلا مغادرتي إلى الدَّار الأُخْرى لِيَرِثُوا مِنِّي، ويَغْنَمُوا من مالي، بل عنَّ لهم أن يطلبوا التَحْجِيرَ على تَصَرُّفَاتِي، وتَسْفِيهَ أفعالي، وزَعَمُوا أنِّي كَرْكُوزٌ بيد امْرَأَتِي..

فهل أجد السكينة ثانية؟

الراوي

هكذا انتهت رواية الجميع، وها نحن استمعنا لكل راو من زاويته..

كعادتي أقرأ القصة على أفراد عائلتي قبل نشرها..

قال ابني الصغير أنها تشبه الحلقة الأخيرة من الموسم الأول من سلسلة “الأنيم”، التي يعزم أصحابها على إطلاق موسم ثان..

أما ابنتي فتنتظر النهاية، واقْتَرَحَتْ أن أنهي الحكاية بلقاء حميمي بين الأب وابنه على فراش الموت، ولكي أزيد من الدراما، أُدخل إحدى البنتين إلى مشفى المجانين، وأُرجع الأخرى إلى بيت أبيها من بعدما قضى مدمن المخدرات على آدميتها..زأزيا

ولكن في الحقيقة أفراد هذه العائلة هم الوحيدون الكفيلون بكتابة نهاية قصَّتهم..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.