منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(خطبة الجمعة) ضرورة بقاء المصلحين ولو مع قدوم يوم الدين

(خطبة الجمعة) ضرورة بقاء المصلحين ولو مع قدوم يوم الدين/ الشيخ بنسالم باهشام

1

خطبة الجمعة: ضرورة بقاء المصلحين ولو مع قدوم يوم الدين

الشيخ بنسالم باهشام

عباد الله، روى الطيالسي، وعبد بن حُميد، والبخاري في “الأدب المفرد” ، والبزار كما في مجمع الزوائد، وقال الهيثمي: رجاله أثبات ثقات، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا)، والفسيلة هي النخلة الصغيرة.

[أخرجه الطيالسي (2068) ، وعبد بن حميد (1216) ، والبخاري في “الأدب المفرد” (479) ، والبزار كما فى مجمع الزوائد (4/63) قال الهيثمي : رجاله أثبات ثقات والضياء (7/263 ، رقم 2714)].

عباد الله، من معاني الحديث الذي ربى عليه الشيوخ طلبتهم ولا زالوا يربونهم عليه، ضرورة عمل الصالحات، واستكمال صنائع المعروف حتى آخر الأنفاس، فليس بعد قيام الساعة إلا الموت، وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم، فإن من معاني الحديث، أن لا ننشغل عن العمل لديننا مهما كان الصخب حولنا، فقيام الساعة يستدعي معه كل صور الاضطراب، من طلوع الشمس من مغربها، والنفخة الأولى في الصور، وغيرها من الأحداث المفزعة التي تتفطر لها القلوب، ورغم ذلك، وفي ظل هذه الأجواء يقال لك: اغرس فسيلتك!

وهنا تطرح التساؤلات المثبطة: وما تصنع فسيلتي؟ ومن سيأكل منها ؟ ومن أين لي بطاقة نفسية تعينني على الغرس والسقيا، والعالم ينتهي من حولي؟!

ويأتي هذا الحديث النبوي الشريف ليرفع همتك، ويشحذ عزيمتك، ويقول لك: أنت مطالب بعمل الخير، وبذل المعروف، حتى ولو كنت قريب الأجل، وحتى ولو كان العالم من حولك شديد الاضطراب، ولو كان اضطراب يوم القيامة! لأن الله عز وجل لا يريد للمصلحين أن يتوقفوا، ولأن المصلح لا تخلو يدُه من فسيلة خير إلا إذا مات، ما عدا ذلك فحتى القيامة لا تبرر ترك الفسيلة! فكيف بمن يتركون فسائلهم لأن الناس ساءت أخلاقهم، ولأن العالم صار موحشا، ولأنه لم يعد لديهم طاقة وسط هذا الاضطراب والصخب الحياتي المرهق؟!

عباد الله، إننا إذا تقاعسنا عن الدعوة بدعوى الفساد المستشري في كل مكان، فمن سيغرس فسائل الخير إذن؟! وأين اضطراب اليوم من اضطراب يوم القيامة؟ إنه لا عذر لمقصر، ولا حجة لتارك الفسيلة! بل المعروف أنه كلما صعب غرس الفسيلة عظُم الأجر.

عباد الله، كم امتلأت كتبُنا بنماذج من قصص الغارسين للفسائل إلى آخر لحظة من حياتهم، فكم من الأئمة الصالحين من ظلوا يُعلمون طلابهم ويربونهم حتى خرجت أرواحهم وهم يغرسون الفسائل. وكم من الصحابة رضي الله عنهم من تركوا لنا نماذج نيرة في غرس الفسائل،  وعلى سبيل المثال لا الحصر، قصة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي خرج مع جيش القسطنطينية وهو في الثمانين من عمره، لا يثبت على الفرس! وقصة أنس بن النضر رضي الله عنه الذي صرخ في أصحابه الذين أقعدهم نبأ موت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: فيمَ مقامكم بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه!

عباد الله، إن الله تعالى قد أقام هذا الكون على قانون سنة التدافع بين أهل الحق والباطل، فقال سبحانه وتعالى في سورة البقرة: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 251]، والعجيب أن تاركي الفسائل من المصلحين اليوم، يتركونها وأصحاب الفسائل الضارة، وناشرو الفجور، وأصحاب الأفكار الهدامة، يزرعون شجر الغرقد، ويبنون أماكن الضرار في كل بلد وشارع، بلا كلل ولا ملل. حتى ملئوا الأرض إلحادا وشذوذا وفجورا وفواحش… بينما الكثير منا ينظر إليهم بنفس مهزومة وعقول موهومة…

عباد الله، استكملوا غرس فسائلكم، فلا يصح أبدا أن يزهق ويملّ الحق ويستكمل الباطل! أكملوا الغرس فلا عذر لكم إن كانت القيامة تقوم، فكيف بما دونها؟!

أكملوا الغرس ولا تُشمتوا فيكم ابن سَلول وأبا عامر الفاسق، فأماكن الضرار أعمارها قصيرة، وإن ظننا غير ذلك!

أكملوا الغرس في صغار أبناء الأمّة وكبارها، استنقذوا مَن استطعتم من الناس من النار، جابهوا سلاح الفجور ولو بالصدور. أكملوا الغرس في تثبيت بعضكم، والعضّ معاً على جراحكم. فاللهُ الذي تعبّدكم بالغرس ولو مع قيام القيامة، لا يريد منكم إلا أن تظلوا رافعي اللواء ولو حاصركم الأعداء، وتستكملوا العمل ولو أطفئت مشاعلُ الأمل.

يقول الإمام المربي، مرشد جماعة العدل والإحسان، عبد السلام ياسين رحمه الله، في رسالة الطالب والطالبة: ( وشرف المؤمن والمؤمنة في أزماننا هذه الغريقة في جاهليتها وجهلها بالله والمعاد أن يتعهدا البذرة الدفينة في كل فرد فرد، بالدعوة الحكيمة، والرفق الحاني، والمحبة والإيناس، حتى ينتعش الذابل، ويتفتق المكموم، وتفتح الزهور عن حياة جديدة ثمرتها العمل الصالح المقبول عند الله، المقرب إلى الله، شرف حمل الرسالة وسعادة) [ص33].

ويقول رحمه الله في رسالة غرس الشجرة المباركة: (…إن صحبة إنسان في طريقه إلى الهداية؛ تنتشله من وهدة الغفلة، لنعم العمل. إن غرس الإيمان في القلوب، وزراعة الأخلاق الإسلامية في النفوس، ورعاية الغرس حتى يستغلظ، وتعهده حتى يشتد عوده، لنعمت الفلاحة. وإن الرفق بالعباد من سوق الغفلة، سوقهم بحضورك، بكلمتك، بقدوتك ومثالك، ببسمتك، بمجلسك، بمواساتك إلى سوق التجارة مع الله لنعم المكسب).

عباد الله، إن الشخصية الإسلامية لا تكتمل إلا بثلاثة مقومات،

 – المقوم الأول: العلم بالإسلام، لأن الله عالم ولا يعبد إلا بعلم، والعلم إمام العمل

 – المقوم الثاني: هو العمل بالإسلام، إذ لا فائدة من علم دون عمل،

والمقوم الثالث: وهو العمل للإسلام  لينتقل المسلم من الصلاح والخلاص الفردي إلى إصلاح الآخرين والذين هم فسائل تحتاج إلى من يغرسها ويرعاها ويتعهدها حتى يشتد عودها، يقول الإمام المربي عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في رسالة غرس الشجرة المباركة: (إن من أعلى شعب الإيمان، بل من أسبق سابقات الجهاد، أن تدعو غيرك إلى الله، إنها مهمة الرسل والأنبياء عليهم السلام، ومهنة المصطفين من عباد الله، فتعست همة لا تطمح هذا المطمح، ولا عاش من لا يحمل هم الأمة، الساكت عن الدعوة ساعة من نهار، وفرصة كل لقاء، مثبط قاعد). وبكثرة المصلحين في البلد، وأداء رسالتهم في غرس الفسائل، يُحفظ الناس من عقاب رب العالمين، قال تعالى في سورة هود: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 117]

تعليق 1
  1. يوسف يقول

    حفظك الله ورعاك استاذنا الفاضل ❤️

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.