منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحاجة إلى التجديد في علم الكلام

د. يوسف القسطاسي

0

نشر هذا المقال بمجلة ذخائر العدد السابع

تنزيل وقراءة المقال بصيغة pdf

ملخص:

يأتي هذا البحث للتأسيس لمنطلقات علمية ومنهجية في إطار التصحيح العلمي للنظر الفكري لعلم الكلام والتجديد في قضاياه، من أجل إبداء النصح في موضوع تحدث عنه علماء أفذاذ؛ كمحمد عبده، ومحمد رضا ومحمد الغزالي رحمهم الله جميعا، وللرد على من يتحامل على جهود جليلة في حفظ العقيدة وتحصينها من اتباع الهوى والتقول بغير دليل في علم التوحيد.

فالبحث رصد للحاجة الملحة التي يتطلبها إعادة النظر في تراث أسلافنا من فقهاء ومتكلمين وغيرهم لاستلهام العبر وإعادة بناء مجد الحضارة الإسلامية بما يصد عنها دعاوى الإلحاد والأفكار الهدامة التي انتشرت في مجتمعنا انتشار النار في الهشيم.

إن دواعي التجديد المنهجي في علم الكلام هي اليوم دواع عديدة وملحة؛ ذلك أن هذا العلم إنما هو ناشئ لغاية نصرة العقيدة الإسلامية إثباتا لحقائقها وردا للشبهات الواردة عنها؛ وستبقى هذه الغاية قائمة ما دامت الأسباب التي أفرزته عند النشأة هي نفسها قائمة اليوم.

المزيد من المشاركات
1 من 31

الكلمات المفاتيح: علم الكلام، العقيدة، الشبهات، التجديد المنهجي.

قراءة وتنزيل البحث بصيغة pdf

Abstract:

This research comes to establish scientific and methodological points within the framework of scientific correction to the intellectual consideration of Islamic theology and renewal in its issues. The purpose is to advise on a subject that was tackled by great scholars such as Mohammad Abdou, Mohammad Reda, and Mohammad Al-Ghazali (may God have mercy on them all). What is more, it responds to those who are reluctant to make great efforts to preserve Islamic doctrine and protect it from the followers of their caprice and to say without evidence in the monotheism science.

The research is a monitor of the urgent need to rethink the heritage of our ancestors of scholars, theologists, and others to delegitimize the lessons and rebuild the glory of Islamic civilization, as it reclaims the causes of atheism and destructive ideas overspread in our society.

The reasons for systematic renewal of theology are today many and pressing reasons; This science is emerging until the victory of the Islamic doctrine is confirmed by its facts and in response to the suspicions it contains, and this will remain the case as long as the reasons it created at the time of the rise are the same today.

Keywords: Islamic theology, doctrine, systematic renewal, Muslim scholars, heritage.

 

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

مقدمة:

يعمم بعض الباحثين الحكم في ذم علم الكلام– وهو أمر ليس بجديد- فيصف “المتكلمين بأنهم طوائف من علماء المسلمين أثاروا الجدل المنطقي والصراع في الدين”[1]، من أجل ما ادعوا أنه حقيقة يبدونها أو نظرية يشرحونها من نظريات العلم، وألفوا وكتبوا المجلدات الطوال في التوحيد،  ويذهب بعض المعاصرين[2] حاكيا الإجماع عن علماء؛ “إلى أن المبتدئ في هذا العلم يكاد يجزم أن فكرهم لم يولد إلا الصراعات الكلامية وإثارة الجدالات الفلسفية، فخرجوا بالدين عن ظواهر نصوصه ومحكم كلماته إلى عمق غريب يختصمون ويجادلون فيه، وقد كانت لهم مذاهب ومدارس انتشرت في كل مكان بين أقطار الأمة الإسلامية، فكانوا يجلسون للبحث والدرس فيجتمع لهم الشباب المثقفين للمعرفة الراغب في الاستزادة من العلم والإيمان، فيخرج هؤلاء الشباب من بين أيديهم وقد امتلؤا شكا وزاغت عقولهم وقلوبهم وراحوا يبحثون عن اليقين فلم يجدوه وعن الإيمان فلم يهتدوا إليه، وكان من هؤلاء المتكلمين من تأثر بمنهج الفلاسفة وبذلك اقترب رأي علماء الكلام من قضية التوحيد من رأي الفلاسفة، حيث قسم بعض المتكلمين الكلام عن التوحيد إلى ثلاثة أقسام، فقالوا: واحد في ذاته لا قسيم له. وواحد في صفاته لا شبيه له. وواحد في أفعاله لا شريك له. وأطلقوا هذه الأنواع الثلاثة مصطلحات، هي على الترتيب: توحيد الذات، توحيد الصفات، توحيد الأفعال[3].

هذا ويذهب البعض إلى أن علماء الكلام في تصورهم لوحدة الذات والصفات على نحو يماثل تماما ما سبقهم إليه الفلاسفة، واضطرهم هذا التصور إلى تأويل بعض آيات الصفات على نحو لم يكن مألوفا عند علماء السلف مما جعلهم هدفا لحملات بعض العلماء فوصفوهم بالمعطلة والنفاة.

وقد أنكر على من ذم علم الكلام علماء ممن سبقونا بإحسان. يقول أحمد رحومة: «ويكفي أن نقرأ كتابا لهؤلاء المتكلمين لنخرج منها برأي واحد لم تزد العقيدة نضجا وكشفا لما فيها من إيمان وهدى. إن تأثر المتكلمين بالمذاهب الفلسفية حول العقيدة إلى مجال للجدل العقلي وأخرجها من المقصد المرسوم لها وهو إثبات وجود الله وصفاته وأفعاله إثباتا يوافق منهج القران الكريم في الحديث عن الأولوهية والربوبية والأسماء والصفات.

فأفاضوا في القسم الثاني وهو التوحيد الاعتقادي وأغلقوا الكلام عن التوحيد العلمي. فكان من جراء ذلك أن فهم عامة الناس أنه يكفي في التوحيد اعتقاد أن الله واحد وإن لم يوحد توحيدا عمليا”[4].

ولست أعرض لهذه الأقوال وغيرها مما تناقله المتأخرون من أقوال في ذم علم الكلام لانتصب خصما  لعلماء وأساتذة أجلاء؛ لهم فضل السبق والإيمان والمعرفة، بل حسبي أن أعرض في هذا البحث لما يساعد في معرفة الضروري من هذا العلم، ذلك أن اطلاعي على بعض مباحث علم الكلام جعلتني أقف على صفاء وبهاء علم زاحم به علماء الإسلام الفلاسفة الملحدين لتصدي لخرفاتهم وحديثهم عن الإلهيات الواهية الباطلة المبنية على الهوى والعقل المجرد من الدليل، في حين أن منطلق علم الكلام هو النص الشرعي الذي كان للعقل المسلم دور في تجليته وتفهيمه والاجتهاد في تنزيله. وماكان من دعوى وقوع مزالق كلامية فهذا مجال للتصحيح والتجديد وإبداء النصح في موضوع تحدث عنه علماء تركوا بصمتهم بعد أن نفضوا عنه غبار التقليد. أما أن يتحامل على جهود جليلة في حفظ العقيدة وتحصينها من اتباع الهوى والقائلين بغير دليل في علم التوحيد وسوق لشبهات قديمة حول ذم علم الكلام فهذا أمر لا يستقيم.

فحاجة المسلم اليوم آكدة في النظر إلى تراثه أسلافنا من فقهاء ومحدثين وعلماء الكلام وغيرهم لاستلهام الدروس والعبر وإعادة بناء مجد الحضارة الإسلامية بما يعين على أداء واجب العبودية وتحقيق الاستخلاف في تآلف وتعاون ينبذ الفرقة ويحقق الوحدة ويصد عنا الأفكار الهدامة التي انتشرت في مجتمعنا انتشار النار في الهشيم.

إن الأساس العقدي الجامع لمعنى التوحيد ركيزة أساسية تجتمع عليها الأمة في تجديد فكرها وحضارتها ودينها، ذلك أن علم التوحيد هو من أجل العلوم وأعلاها شأنا وارفعاها قدرا، كان لعلم الكلام دور في حفظه وتحصينه من شبهات المتقولين وسموم أعداء الدين.

لذلك أتناول في هذه البحث مباحث اعتبرها مهمة تحفظ بهاء علم الكلام وتقرب صورته للهفان وتقري العجلان، من خلال بيان حد علم الكلام ونشأته ورد شبهة ذمه وإبداء رأيي في الحاجة إلى تجديده.

المبحث الأول: علم الكلام تعريفه ونشأته

عُرف العلماء المتخصصون في علم الكلام بــ (المتكلمين) أو (علماء الكلام). وكان منهجهم النظر في النصوص الدينية؛ كي يردوا على أسئلة المسلمين أولا، معتمدين على الأدلة العقلية البرهانية، لاسيما هؤلاء الذين لا يسلمون بأدلة القران والسنة[5].

هذا وقد عرف البحث في الأصول الدينية الكلية، أو الأحكام الاعتقادية من الشريعة الإسلامية بجملة أسماء من أهمها ما يلي: علم التوحيد، علم العقيدة الإسلامية، علم أصول الدين، علم الفقه الأكبر، علم الكلام…[6]

  1. تعريف علم الكلام:

أصل مادة الكلام في اللغة (ك ل م)، وقد وردت في القرآن الكريم ما يقرب من اثنين وسبعين مرة، منها أربع مرات بلفظ الجمع (كلام) كقوله تعالى:(يسمعون كلام الله) [البقرة:75].

والكلام في أصل اللغة هو: “الأصوات المفيدة. كما أنه في علم الكلام: «المعنى القائم بالنفي الذي يعبر عنه بألفاظ”[7].

هذا وإن علم الكلام بصفة عامة: “هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد[8]، “. أو هو: “علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية، وإبراز الحجج، ودفع الشبه”[9].

وعرف الفارابي علم الكلام “بأنه صناعة الكلام وملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل”[10].

وعرفه الشريف الجرجاني بقوله: “علم يبحث فيه عن ذات الله وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام”. فهو علم عظيم الشأن، يعالج أهم قضايا الإنسان، مثل: قضية الألوهية، وقضية الرسالة، وقضية الجزاء في اليوم الآخر، وغير ذلك. فعلم الكلام، وعلم أصول الدين، وعلم التوحيد والصفات، ثلاثة أسماء مترادفة لمسمى واحد، وسُمِّي بعلم التوحيد؛ لأن مبحث الوحدانية أشهر مباحثه، وسمي بعلم أصول الدين؛ لابتناء الدين عليه.[11]

  1. سبب التسمية:

وقد سمّي علم الكلام بهذا الاسم؛ لأنّ عمدة مسائله، نحو: إثبات الصفات، والذات، وأفعال الله تعالى وحكمته، ووحدانيته، وضرورة بعثة الأنبياء، وغيرها من المسائل، تعتمد على نظر الأدلّة العقليّة في ما هو نقلي، وهي بحاجة إلى نظرٍ وفكرٍ واستدلالٍ.

وهذا العلم اشتهرت فيه مباحث كلامية كان أكثرها نزاعا بين الباحثين في المسائل الاعتقادية هي مسألة “كلام الله”. قال سعد الدين التفتازاني في بيان أسباب تسمية هذا العلم، باسم: علم الكلام: “لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا؛ ولأن مسألة الكلام كان أشهر مباحثه وأكثرها نزاعًا وجدالًا، حتى إن بعض المتغلبة قتل كثيرًا من أهل الحق؛ لعدم قولهم بخلق القرآن[12].

وذهب الشهرستاني في كتابه الملل والنحل إلى أن سبب تسميته بهذا الاسم: «إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها، وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان”. ويعلل عضد الدين الإيجي تسمية علم الكلام بأسباب مماثلة بقوله: «إنما سمي كلاما إما لأنه بإزاء المنطق للفلاسفة، أو لأن أبوابه عنونت أولا بالكلام في كذا، أو لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه حتى كثر فيه التناحر والسفك فغلب عليه، أو لأنه يورث القدرة على الكلام في الشرعيات ومع الخصم”[13].

  1. ماهية علم الكلام:

بناء على سبق ذكره في مسألتي التعريف وسبب تسمية علم الكلام بهذا الاسم؛ يمكن أن نقول أن علم الكلام يتوفر على بحث ودراسة مسائل العقيدة الإسلامية الحقّة بإيراد الأدلة وعرض الحجج على إثباتها، ومناقشة الأقوال والآراء المخالفة لها، ومحاكمة أدلة تلكم الأقوال والآراء، وإثبات بطلانها، ونقد الشبهات التي تثار حولها، ودفعها بالحجة والبرهان. فمثلا: إذا أردنا أن نستدل على ثبوت وجود خالق لهذا الكون، وثبوت أنه واحد لا شريك له، نرجع إلى هذا العلم، وعن طريقه نتعرف الأدلة، التي يوردها علماء هذا العلم في هذا المجال.

ذلك أن هذا العلم هو الذي يعرفنا الأدلة والبراهين والحجج العلمية التي باستخدامها نستطيع أن نثبت أصول الدين الإسلامي ونؤمن بها عن يقين. كما أنه هو الذي يعرفنا كيفية الاستدلال بها وكيفية إقامة البراهين الموصلة إلى نتائج يقينية.

  1. موضوع علم الكلام:

موضوع علم الكلام المجمع عليه، وهو “أصول الدين”. وأصول الدين تختلف مكوناتها وجزئياتها لاختلاف المذهبين السني والشيعي، حيث يجعل هذا الأخير مشتملات وجزئيات أصل الدين: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد.

وهو أيضاً ما يصطلح عليه أغلب علماء الكلام بأن موضوع علم الكلام هو ذات الله وصفاته وأسماؤه وأفعاله، ولقد سمّيت موضوعات هذا العلم المذكورة في أعلاه بأصول الدِّين في مقابل الأحكام القائمة على أساس منها والمبتنية عليها التي تعرف بفروع الدين. وهذا التقسيم للدين إلى أصول وفروع مأخوذ من تقسيمهم الدين إلى معرفة وطاعة. ويعنون بالمعرفة: العقيدة، وبالطاعة: العمل.

ولأن العمل بطبيعته يقوم على المعرفة سميت مفاهيم وأحكام المعرفة بأصول الدين، ومفاهيم وأحكام الطاعة بفروع الدين. ونستطيع أن نتبين فحوى هذا التقسيم من فهمنا للدين بأنه توجيه لسلوك الإنسان في هذه الحياة.[14]

ويلخص علماء السنة غاية علم الكلام وموضوعه (أصول الدين) فيما يلي:

  • معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله.
  • تقوية اليقين بالدين الإسلامي عن طريق إثبات العقائد الدينية بالبراهين القطعية ورد الشبه عنها.
  • أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية متقنا محكما.
  • الرقي بالمسلم من التقليد إلى اليقين[15].
  1. بيان نشأة علم الكلام:

كانت بلاد الحجاز وما حوله من فلسطين والشام وبلاد الروم والعراق وأرض الفرس والهند وبلاد إفريقية ‏وما ‏والاها حين بُعث النبي صلى الله عليه وسلم  لأناس على الشرك من عبادة الأوثان والأصنام والكواكب ‏وغير ‏ذلك، فقام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم بالدعوة إلى الإسلام وأقام الحجة لدعوته بحيث لا ‏يدع لمعاند ‏عذراً، وأيقظ العقول بطريقة لا تعلو عن مدارك العامة ولا يستنكرها الخاصة فدانوا له ‏تباعاً، وعلمهم ‏طريق التنزيه وفقههم في أبواب العمل ودربهم على الفضيلة والسجايا الكريمة فانتشرت ‏دعوته صلى الله ‏عليه وسلّم إلى جميع الآفاق فدانت الأمم بنور هدايته في مشارق الأرض ومغاربها. ‏وأمهات ما تلقت ‏الأمة من النبي صلى الله عليه وسلّم هي العلم بالله وصفاته والعلم بالأحكام العملية ‏من عبادات ‏ومعاملات[16].‏

وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسألونه عن الحق لصحة الاعتقاد والمعرفة، ‏ويسألونه ‏عن الباطل والشر للتمكن من المجانبة حتى قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “كان الناس ‏يسألون ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنتُ أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني “[17] ‏وإنما كان يفعله لتصح له مجانبته لأن من لم يعلم الشر يوشك أن يقع فيه كما قال ‏الشاعر:

عرفـتُ الشـرَّ لا للشرلــــــــكــــــــــن لتــــــــــــــوقـــيــه
ومــــــــــــن لا يعَرف الشرمن الخير يقع فيه[18]

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر في زمن الإسلام فرق مختلفة تخالف ما عليه ‏‏المتمسكون بالكتاب والسنة، فقال عليه الصلاة والسلام: “إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين: ‏‏ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة”.[19].

‏ فظهرت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فرق عديدة منها المعتزلة ويسمّون القدرية لإنكارهم القدر، ‏‏والجهمية ويسمّون الجبرية أتباع جهم بن صفوان، يقولون إن العبد مجبور في أفعاله لا اختيار له وإنما ‏هو ‏كالريشة المعلقة في الهواء يأخذها الهواء يمنة ويسرة، والخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي ‏كرم الله وجهه، ويكفرون مرتكب المعصية الكبيرة، والمرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب ‏بمعنى؛ لا يعاقب ‏عصاة المؤمنين في الآخرة، والكرّامية الذين يقولون إن الله تقوم به الحوادث في ذاته ‏وأقواله ويقولون بأن ‏الله ليس له نهاية من الجهات الخمس وله نهاية من الأسفل، والمشبهة والمجسمة الذين يتقوّلون بإثبات الحركة له والنقلة ‏والحد والجهة والقعود والإقعاد والاستلقاء والاستقرار إلى نحوها مما ‏تلقوه بالقبول من دجاجلة ‏الملبسين من الثنوية وعباد الأوثان ومما ورثوه من أمم قد خلت، ويؤلفون ‏في ذلك كتباً يملأونها بالوقيعة في ‏أهل السنة ويتسترون بالسلف مستغلين ما ينقل عن بعض السلف ‏من الأقوال المجملة التي لا حجة فيها…[20]

لقد نشأ علم الكلام للرد على المبتدعة، الذين أكثروا من الجدال مع علماء المسلمين، وأوردوا شُبها على ما قرره الأوائل، فاحتاج العلماء من أهل السنة إلى مقاومتهم ومجادلتهم ومناظرتهم حتى لا ‏يلبسوا على الضعفاء ‏أمر دينهم، وحتى لا يُدْخِلُوا في الدين ما ليس منه، ولو ترك العلماء هؤلاء الزنادقة وما يصنعون؛ لاستولوا على كثير من عقول الضعفاء ‏وعوام المسلمين، والقاصرين من فقهائهم وعلمائهم، فأضلوهم ‏وغَيَّروا ما عندهم من الاعتقادات الصحيحة.

وقبل تصدي هؤلاء العلماء لهم لم يكن أحد يقاومهم، وسكوتهم هذا أدى إلى نشر كلام هؤلاء الزنادقة حتى اعتقده بعض الجاهلين، فكان لِزَامًا على علماء المسلمين أن يقوموا بالرد على هؤلاء من خلال تعلمهم هذا العلم ونبوغهم فيه؛ لأن إفحامهم بنفس أدلتهم أدعى لانقطاعهم، وإلزامهم الحق، فردوا عليهم وأبطلوا شبههم، وكانت طريقتهم في الرد هي إثبات العقائد الإسلامية، والاستدلال عليها بما هو من جنس حُجَجِ القرآن، من الكلمات المؤثرة في القلوب، المقنعة للنفوس، من الأدلة الجلِيَّة الظاهرة.

قال سعد الدين التفتازاني: “الأحكام الجزئية بأدلتها التفصيلية موقوفة على معرفة أحوال الأدلة الكلية من حيث توصل إلى الأحكام الشرعية، وهي موقوفة على معرفة الباري وصفاته وصدق المبلغ ودلالة معجزاته ونحو ذلك مما يشتمل عليه علم الكلام الباحث عن أحوال الصانع والنبوة والإمامة والمعاد وما يتصل بذلك على قانون الإسلام”.[21]

لقد كانت لنشأة علم الكلام ضرورة للرد على أهل البدع من المعتزلة والمجسمة وغيرهما ‏من ‏الفرق، وللرد على الفلاسفة والملاحدة والمخالفين لأهل الحق في المعتقد.

ويعتبر بعض العلماء أن جذور علم الكلام يرجع إلى الصحابة والتابعين ويورد البعض على سبيل المثال رد ابن عباس، وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، والحسن بن محمد ابن الحنفية على المعتزلة، ورد علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الخوارج، ورد إياس بن معاوية المزني على القدرية والتي كانت شبيهة بفرضية الحتمية[22].

‏قال القاضي أبو المعالي بن عبد الملك: “من اعتقد أن السلف الصالح رضي الله عنهم نهوا عن ‏معرفة ‏الأصول وتجنبوها أو تغافلوا عنها وأهملوها فقد اعتقد فيهم عجزاً وأساء بهم ظنّاً لأنه يستحيل ‏في العقل ‏والدين عند كل من أنصف من نفسه أن الواحد منهم يتكلم في مسألة العول وقضايا الجد ‏وكمية الحدود ‏وكيفية القصاص بفصول ويباهل عليها ويلاعن ويجافي فيها ويبالغ ويذكر في إزالة ‏النجاسات عشرين ‏دليلاً لنفسه وللمخالف ويشقق الشعر في النظر فيها ثم لا يعرف ربه الآمر خلْقَه ‏بالتحليل والتحريم ‏والمكلّف عباده للترك والتعظيم فهيهات أن يكون ذلك، وإنما أهملوا تحرير أدلته ‏وإقرار أسئلته وأجوبته فإن ‏الله سبحانه وتعالى بعث نبينا محمداً صلوات الله عليه وسلامه فأيده ‏بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة ‏حتى أوضح الشريعة وبيَّنها وعلَّمهم مواقيتها وعينها فلم يترك لهم ‏أصلاً من الأصول إلا بناه وشيده ولا ‏حكماً من الأحكام إلا أوضحه ومهده لقوله سبحانه وتعالى: ‏‏(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ ‏إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{44} [سورة النحل]، فاطمأنت ‏قلوب الصحابة لما عاينوا من عجائب الرسول ‏وشاهدوا من صدق التنزيل ببداءة العقول والشريعة ‏غضة طرية متداولة بينهم في مواسمهم ومجالسهم ‏يعرفون التوحيد مشاهدة بالوحي والسماع ‏ويتكلمون في أدلة الوحدانية بالطباع، مستغنين عن تحرير أدلتها ‏وتقويم حجتها وعللها، كما أنهم كانوا ‏يعرفون تفسير القرءان ومعاني الشعر والبيان وترتيب النحو ‏والعروض وفتاوى النوافل والفروض من ‏غير تحرير العلة ولا تقويم الأدلة. ثم لما انقرضت أيامهم وتغيرت ‏طباع مَن بعدهم وكلامهم وخالطهم ‏من غير جنسهم وطال بالسلف الصالح والعرب العرباء عهدهم ‏أشكل عليهم تفسير القرءان ومَرَن[23] ‏‏عليهم غلط اللسان وكثر المخالفون في الأصول والفروع ‏واضطروا إلى جمع العروض والنحو ‏وتمييز المراسيل من المسانيد والآحاد من التواتر وصنفوا التفسير ‏والتعليق وبينوا التدقيق والتحقيق، ولم ‏يقل قائل إن هذه كلها بدع ظهرت أو أنها محالات جمعت ودونت ‏بل هو الشرع الصحيح والرأي ‏الصريح، وكذلك هذه الطائفة كثّر الله عدَدهم وقوى عُدَدهم، بل هذه ‏العلوم أولى بجمعها لحرمة ‏معلومها فإن مراتب العلوم تترتب على حسب معلوماتها والصنائع تكرم على ‏قدر مصنوعاتها، فهي ‏من فرائض الأعيان وغيرها إما من فرائض الكفايات أو كالمندوب والمستحب، فإن ‏من جهل صفة من ‏صفات معلومه لم يعرف المعلوم على ما هو به، ومن لم يعرف البارئ سبحانه على ما ‏هو به لم ‏يستحق اسم الإيمان ولا الخروج يوم القيامة من النيران”‏[24].‏

المبحث الثاني: علم الكلام بين المدح والذم

يعرف العاقلون الحق بعرض ما استشكل عليهم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن كان الكلام ‏معقولا ‏في نفسه مؤيداً بالبرهان ولم يكن فيه مخالفة للكتاب والسنة فلِمَ ينبغي أن يهجر ويترك وإن لم ‏يتكلم به ‏الصحابة والتابعون، وإن كان الكلام باطلاً يُرد ولا يلتفت إليه. لذلك نجد علماء من السلف والخلف يؤيدون علم الكلام ويدعون إلى عدم الاغترار بمن ينفر عن هذا العلم -علم الكلام- “بتخييله إليك أنه من البدع؟ فهل الوصول إلى الخير من البدع، وهل من البدع التسلح بأسلحة نقاوم بها الكفر في النفس، وندرأ بها الكفر عن الغير، ونرد بها الكفر عن أن يدمر الخير والحق والدين العظيم!!! وكل من لديه أدنى معرفة بهذا العلم -علم الكلام-، يدرك فعلا كم هي فائدته حقا في طمأنينة النفس، وانكشاف الحقيقة لديها، وفي إفحام الخصوم المشككين من أهل البدع والكفر. وبدراسة هذا العلم، يتبين الإنسان فعلا أن الإسلام هو الدين الحق عن دليل وبينة، لا عن تقليد وتعصب أعمى”[25].

1.تأييد علم الكلام ومدحه:

وقد أيد مجموعة من العلماء علم الكلام كالإمام أبي حامد الغزالي الذي قال فيه: «علم الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة”[26].

قال الإمام الحافظ ابن ‏عساكر في ‏كتابه الذي ألّفه في الدفاع عن الإمام الأشعري وبيَّن فيه كذب من افترى عليه ما نصّه: “والكلامُ ‏المذموم كلام أصحاب الأهوية وما يزخرفه أرباب البدع المُرْدية، فأما الكلام الموافق ‏للكتاب والسنّة ‏الموضح لحقائق الأصول عند ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء ومن يعلمه، وقد ‏كان الشافعي يحسنه ‏ويفهمه، وقد تكلم مع غير واحد ممن ابتدع، وأقام الحجة عليه حتى انقطع”[27].
وقال الحافظ البيهقي في شعب الإيمان  في باب القول في إيمان المقلّد والمرتاب ما نصه: ” أخبرنا ‏أبو ‏طاهر الفقيه، أنبأنا أبو بكر محمد ابن الحسين القطان، أنبأنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا محمد ‏بن ‏يوسف الفريابي، حدثنا سفيان، عن جعفر ابن برقان، عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه ‏سأله ‏رجل عن شيء من الأهواء فقال: “عليك بدين الأعرابي الغلام في الكُتَّاب وَالْهُ عمن سوَاه”[28].‏

قال الإمام البيهقي رحمه الله: «وهذا الذي قاله عمر بن عبد العزيز قاله غيره من السلف فإنما هو لأنهم ‏رأوا ‏أنه لا يحتاج إليه لتبيين صحَّة الدين في أصله، إذ كان رسول الله صلى‎‎الله عليه وسلم إنما بُعِثَ ‏مؤيداً ‏بالحُجج فكانت مشاهدتُها للذين شاهَدُوها، وبلاغُها المستفِيضُ ومن بَلغَه كافياً في إثبات ‏التوحيد والنُّبُوَّة ‏معاً عن غيرها، ولم يأمَنُوا أن يوسع الناس في علم الكلام، وأن يكون فيهم مَن لا ‏يكملُ عقلهُ ويضعُفُ ‏رأيُه فيرتبك في بعض ضلالة الضالين وشُبَه الملحدين، ولا يستطيع منها مَخْرجاً ‏كالرجل الضعيف غير ‏الماهر بالسباحة إذا وَقع في ماءٍ غامرٍ قويّ لم يُؤمَنْ أن يَغرق فيه ولا يقدر على ‏التخلُّص منه، ولم يَنْهَوا ‏عن علم الكلام لأنَّ عينه مذموم أو غير مفيد‎؛‎‏ وكيف يكون العلم الذي ‏يُتوصل به إلى معرفة الله عزَّ وجلَّ ‏وعلم صفاته ومعرفة رسله والفرق بين النبيّ الصادق وبين المُتَنَبّىء ‏الكاذب عليه مذموماً أو مرغوباً عنه؟ ‏ولكنهم لإشفاقهم على الضُّعفاء لئلا يبلغوا ما يريدون منه ‏فيضِلُّوا نَهَوْا عن الاشتغال به. ثم بسط الحليمي ‏رحمه الله تعالى الكلام في التحريض على تعلُّمه إعداداً ‏لأعداء الله عزّ وجل”[29].

وقال محمد زاهد الكوثري الحنفي: «والحق أن ‏‏عقيدة السنة في الإسلام واحدة سلفاً وخلفاً لا تتغير ولا تتبدل بل الذي يتجدد هو طريق الدفاع ‏عنها ‏بالنظر لخصومها المتجددة، وذم علم الكلام ممن كان في موضع الإمامة من السلف محمول حتماً ‏على ‏كلام أهل البدع وخوض العامي فيه، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وأجاد: لا يجحد علم ‏الكلام إلا ‏أحد رجلين جاهل رَكَنَ إلى التقليد وشقَّ عليه سلوك طرق أهل التحصيل وخلا عن طرق ‏أهل النظر ‏والناس أعداء ما جهلوا فلما انتهى عن التحقق بهذا العلم نهى الناس ليضل كما ضل، أو ‏رجل يعتقد ‏مذاهب فاسدة فينطوي على بدع خفية يلبس على الناس عوار مذهبه ويعمى عليهم ‏فضائح عقيدته ويعلم ‏أن أهل التحصيل من أهل النظر هم الذين يهتكون الستر عن بدعه ويظهرون ‏للناس قبح مقالاته، ‏والقلاب لا يحب من يميز النقود والخلل فيما في يده من النقود الفاسدة كالصراف ‏ذي التمييز والبصيرة ‏وقد قال تعالى:(هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [سورة ‏الزمر/ 9]”[30].

2.أقوال الأئمة في علم الكلام:

لقد اشتغل عدد من علماء السلف بعلم الكلام إلى جانب اشتغالهم بالقرآن والسنة، والذي ألجأهم إلى ‏ذلك ‏الحاجة للرد على أهل البدع والدفاع عن عقيدة أهل الحق وحراستها من تشويشات وشُبَه ‏هؤلاء ‏المنحرفين.‏
ومن أبرز علماء السلف المشتغلين بهذا العلم الإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي، ‏فقد ‏قال الحافظ البيهقي: «قرأت في كتاب أبي نعيم ‏الأصبهاني ‏حكاية عن الصاحب بن عباد أنه ذكر في كتابه بإسناده عن إسحاق أنه قال: قال لي أبي: ‏كلَّم الشافعي ‏يوماً بعض الفقهاء فدقق عليه وحقق، وطالب وضيق، فقلت له: يا أبا عبد الله: هذا ‏لأهل الكلام لا لأهل ‏الحلال والحرام، فقال: أحكمنا ذاك قبل هذا”[31].

وقال الربيع بن سليمان: “حضرت الشافعي وحدَّثني أبو شعيب إلا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن ‏عبد ‏الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد وحفص الفرد وكان الشافعي يسميه المنفرد، فسأل حفص ‏عبد الله بن ‏عبد الحكم فقال: ما تقول في القرءان، فأبى أن يجيبه فسأل يوسف بن عمرو،فلم يجبه ‏وكلاهما أشار إلى ‏الشافعي، فسأل الشافعي فاحتجَّ عليه الشافعي، فطالت فيه المناظرة فقام الشافعي ‏بالحجة عليه بأن القرءان ‏كلام الله غير مخلوق، وكفَّر حفصاً الفرد، قال الربيع: فلقيت حفصاً الفرد في ‏المسجد بعدُ فقال: أراد ‏الشافعي قتلي “[32].

وللإمام أبي حنيفة رضي الله عنه: (الفقه الأكبر) و (الرسالة) و(الفقه الأبسط) و (العالم والمتعلّم) و‏‏‏(الوصية) ، واختلف في نسبتها إلى الإمام كثيراً، فمنهم من ينكر نسبتها للإمام مطلقاً ويزعم أنها ‏ليست ‏من عمله، ومنهم من ينسبها إلى محمد بن يوسف البخاري المكنى بأبي حنيفة وهذا قول المعتزلة ‏لما فيها من ‏إبطال نصوصهم الزائغة وادعائهم كون الإمام منهم- أي في المعتقد- كما في المناقب ‏الكردرية. والإمام ‏أبو حنيفة وصاحباه أول من تكلم في أصول الدين بالتوسُّع وأتقنها بقواطع البراهين ‏على رأس المائة ‏الأولى، وقد ذكر عبد القاهر البغدادي أن أو متكلمي أهل السنّة من الفقهاء ‏أبو حنيفة والشافعي، ‏ألّف فيه الفقه الأكبر والرسالة في نصرة أهل السنّة إلى مقاتل بن سليمان ‏صاحب التفسير وكان مجسّماً، ‏وقد ناظر فرقة الخوارج والقدرية والدهرية وكانت دعاتهم بالبصرة ‏فسافر إليها نيفاً وعشرين مرةً، ‏وفضَّهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في الكلام- أي علم التوحيد- إلى أنه ‏كان المشار إليه بين الأنام، واقتدى به ‏تلامذته الأعلام… وعن الإمام أبي عبد الله ‏‏الصيمري أن الإمام أبا حنيفة كان متكلم هذه الأمة في زمانه، وفقيههم في الحلال والحرام.‏

‏ هذه الكتب الخمسة ليست من جمع الإمام أبي حنيفة، بل الصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه ‏‏الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه كحماد وأبي يوسف وأبي مطيع الحكم بن عبد الله ‏‏البلخي وأبي مقاتل حفص بن سلم السمرقندي، فهم الذين قاموا بجمعها، وتلقاها عنهم جماعة من ‏الأئمة ‏كإسماعيل بن حمّاد ومحمد بن مقاتل الرازي ومحمّد بن سماعة ونصير بن يحي البلخي وشداد بن ‏الحكم ‏وغيرهم، إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي، فمن عزاهن إلى ‏الإمام صح ‏لكون تلك المسائل من إملائه، ومن عزاهن إلى أبي مطيع البلخي أو غيره ممن هو في طبقته ‏أو ممن هو ‏بعدهم صح لكونها من جمعه، ذكر ذلك الفقيه المحدّث اللغوي محمد مرتضى الزبيدي”[33].

قال الزركشي حكاية عن الإمام ‏أبو ‏بكر الإسماعيلي: «أعاد الله هذا الدين بعدما ذهب يعني أكثره بأحمد بن حنبل وأبي الحسن ‏الأشعري ‏وأبي نعيم الإستراباذى، وقال أبو إسحاق المَرْوَزي: سمعت المحاملي يقول في أبي الحسن ‏الأشعري: لو أتى ‏الله بقُراب الأرض ذنوباً رجوت أن يغفر الله له لدفعه عن دينه، وقال ابن العربي: ‏كانت المعتزلة قد رفعوا ‏رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري فحجزهم في أقماع السماسم”[34].‏

هذا هو دين الله الذي كان عليه السلف الصالح وتلقاه عنهم الخلف الصالح، وطريقة الأشعري ‏‏والماتريدي في أصول العقائد متحدة. فالمذهب الحق الذي كان عليه السلف الصالح هو ما عليه ‏الأشعرية ‏والماتريدية وهم مئات الملايين من المسلمين.

3.رد شبه المانعين لعلم الكلام:

من وظائف علم الكلام تقوية اليقين بالدين الإسلامي عن طريق إثبات العقائد الدينية بالبراهين القطعية ورد الشبه عنها ودفعها، وكما هو معلوم فإن الشبه التي تثار حول ديننا الحنيف وعلومه تختلف باختلاف الزمان والمكان، ولذلك كان العلماء يتصدون لها قديماً وحديثاً. وكان علم الكلام أحد هذه العلوم التي لم تسلم من الشبهات، ذلك أنه علم حي يسير مع التاريخ لا على هامشه، “فالغاية الدفاعية استلزمت أن يكون الفكر الكلامي مترصداً لما يفرزه الواقع الثقافي مما فيه مجانبة للعقيدة الإسلامية”[35].

ومن شبه المانعين من الاشتغال بعلم الكلام والرد عليها نذكر مايلي:

  • قولهم أنالصحابة لم يتعلموا ولا علَّموا هذا ‏العلم، فلو كان هذا العلم مهمّاً في ‏الدين لكان ‏أولى به الصحابة والتابعون ‏وأن جماعة من السلف ذموه.

وجوابا وردا على هذه الشبة ذهب علماء إلى القول: «إنما مثلهم كأناس ليس بحضرتهم من ‏يقاتلهم فلم يحتاجوا إلى إبراز ‏السلاح، ومثلنا كأناس بحضرتهم من يقاتلهم فاحتاجوا إلى إبراز السلاح”[36].

وإن كان من علم لم يظهر في عهد الصحابة ولم يتعلموه أو يقول به فإن الكثير من العلوم لم تظهر إلا بعد قرنهم، فهذه الشبهة تعارض بمثلها في سائر العلوم، ‏فإنه لم ينقل عن ‏النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه التلفّظ بالناسخ والمنسوخ، والمجمل ‏والمتشابه، وغيرها كما هو ‏المستعمل عند أهل التفسير، ولا بالقياس والاستحسان، والمعارضة ‏والمناقضة، والطرد والشرط، والسبب ‏والعلة وغيرها كما هو المستعمل عند الفقهاء، ولا بالجرح ‏والتعديل، والآحاد والمشهور والمتواتر ‏والصحيح والغريب، وغير ذلك كما هو المستعمل عند أهل ‏الحديث، فهل لقائل أن يقول يجب رفض ‏هذه العلوم لهذه العلة. على أنه في عصر النبي صلى الله ‏عليه وسلم لم تظهر الأهواء والبدع فلم تمسّ ‏الحاجة إلى الدخول في التفاصيل والاصطلاحات[37].‏ ‏‏

  • واستدلوا في ذم علم الكلام بحديث قيل: رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: “تفكَّروا في كل شيء ولا تفكروا ‏في ‏ذات الله “[38] فهو منهي عنه.‏

الجواب: أن النهي ورد عن التفكر في الخالق مع الأمر بالتفكر في الخلق، فإنه يوجب النظر وإعمال ‏الفكر ‏والتأمل في ملكوت السماوات والأرض ليستدل بذلك على وجود الصانع، وعلى أنه لا يشبه ‏شيئاً من ‏خلقه. ومن لم يعرف الخالق من المخلوق كيف يعمل بهذا الأثر الصحيح. وقد أمر القرءان ‏بتعلّم الأدلة ‏على العقائد الإسلامية على وجوده تعالى وعلى ثبوت العلم له والقدرة والمشيئة ‏والوحدانية إلى غير ذلك، ‏ولم يطعن إمام معتبر في هذا العلم الذي هو مقصد أهل السنّة والجماعة من ‏السلف والخلف[39].‏

  • ومن شبه المانعين لعلم الكلام قيل أنه روي عن الشافعي أنه قال: “لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه ‏بعلم ‏الكلام “.

والجواب أن هذا اللفظ غير ثابت عنه، واللفظ الثابت عنه هو: “لأن يلقى الله عز وجل العبدُ ‏بكل ذنب ‏ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء”[40]. والأهواء جمع هوى وهو ‏ما مالت إليه ‏نفوس المبتدعة الخارجين عما كان عليه السلف، أي ما تعلق به البدعيون في الاعتقاد ‏كالخوارج والمعتزلة ‏والمرجئة والنجارية وغيرهم…‏فليس كلام الشافعي على إطلاقه إنما هو في المبتدعة القدرية وغيرهم ‏الذين جانبوا نصوص الشريعة كتاباً ‏وسنّةً، وتعمقوا في الأهواء الفاسدة، وأما الكلام الموافق للكتاب ‏والسنّة الموضح لحقائق الشريعة عند ‏ظهور الفتنة فهو محمود عند العلماء قاطبة لم يذمّه الشافعي، وقد ‏كان الشافعي يحسنه ‏ويفهم؛ وقد سبق بيان  تأييد الإمام الشافعي لعلم الكلام[41].

  • ومن شبه من ذم علم الكلام قولهم: لسنا نعرف غير المذاهب الأربعة فمن أين أتى هذا المذهب الخامس ‏‏الذي اخترعتموه ولمَ رضيتم لأنفسكم بالانتساب إلى الأشعري الذي اتبعتموه، وهلا اقتنعتم ‏بالانتساب ‏إلى الإمام الألمعي أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي فإنه أولى بالانتساب إليه ممن سواه ‏وأحق بالانتماء ‏إلى مذهبه ممن عداه؟

فهذا قول عري عن الصدق وقائله بعيد عن الحق فمن ذا الذي حصر المذاهب بالعدد الذي ‏حصرتم ‏ومن يصحح لكم من قولكم ما ذكرتم، بل المذاهب أكثرها لا ينحصر بهذا العدد الذي عددتم ‏ولو كانت ‏منحصرة به لم يحصل لكم بذلك ما قصدتم، وكأنكم لم تسمعوا بمذهب الليث بن سعد ‏المصري وعثمان ‏بن سليمان البتي البصري وإسحاق بن راهويه الخراساني وداود بن علي الأصبهاني ‏وغيرهم من علماء ‏الإسلام الذين اختلفوا في الفتاوى والأحكام لا في أصول الدين المبنية على القطع ‏واليقين، وليس انقراض ‏أرباب هذه المذاهب التي سمينا يصحح لهذا الجاهل هذه المقالة التي عنه حكينا. ‏ولسنا نسلَّم أن أبا الحسن ‏اخترع مذهباً خامساً وإنما أقام من مذاهب أهل السنة ما صار عند المبتدعة ‏دارساً، وأوضح من أقوال من ‏تقدمه من الأربعة وغيرهم ما غدا ملتبساً، وجدد من معالم الشريعة ما ‏أصبح بتكذيب من اعتدى ‏منطمساً، ولسنا ننتسب بمذهبنا في التوحيد إليه على معنى أنَّا نقلده فيه ‏ونعتمد عليه ولكنا نوافقه على ما ‏صار إليه من التوحيد لقيام الأدلة على صحته لا لمجرد التقليد، وإنما ‏ينتسب منا من انتسب إلى مذهبه ‏ليتميز عن المبتدعة الذين لا يقولون به من أصناف المعتزلة والجهمية ‏المعطلة والمجسمة والكرامية والمشبهة ‏السالمية وغيرهم من سائر طوائف المبتدعة وأصحاب المقالات ‏الفاسدة المخترعة، لأن الأشعري هو الذي ‏انتدب للرد عليهم حتى قمعهم وأظهر لمن لم يعرف البدع ‏بدعهم، ولسنا نرى الأئمة الأربعة الذين عنيتم ‏في أصول الدين مختلفين بل نراهم في القول بتوحيد الله ‏وتنزيهه في ذاته مؤتلفين، وعلى نفي التشبيه عن ‏القديم سبحانه وتعالى مجتمعين، والأشعري رحمه الله ‏في الأصول على منهاجهم أجمعين، فما على من ‏انتسب إليه على هذا الوجه جناح ولا يرجى لمن تبرأ ‏من عقيدته الصحيحة فلاح، فإن عددتم القول ‏بالتنزيه وترك التشبيه … فالموحدون بأسرهم ‏أشعرية[42]

لقد كان الدافع لدراسة أصول الدين أولا، وتأكيده بدراسة الفلسفات المتنوعة، هو الحرص على الإسلام والدعوة إليه، ورد شبهات الأعداء عنه، وتفنيد حجج الطاعنين به من الكفار والمشركين خارج الدعوة الإسلامية، والملحدين الذين انضووا تحت لواء المسلمين، وتستروا بالباطنية وغيرها من الفرق الضالة، للدس على الإسلام، والتشكيك فيه، وإثارة الشبه بين المسلمين…، فصار دراسة أصول الدين وعلم الكلام وتدريسه والتأليف فيه السبيل القويم أمام المسلمين، فانكب العلماء على دراسته وتدريسه والتصنيف فيه، وهو ما سلكه إمام الحرمين الجويني رحمه الله[43].

المبحث الثالث: مفهوم التجديد ومبرراته لعلم الكلام

جاء الإسلام دينا كاملا ليخرج الناس من ظلمات الجهل والتخلف، وبالتعبير القرآني: (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) [ابراهيم:1]. ظلمات حلت بالأمم والشعوب بعد عصور من الازدهار والتنوير التي صاحبت بعثة الأنبياء والمرسلين، ثم حرفت شرائعهم وأبيدت الحضارات التي أثل لها أنبياء الله تعالى بفعل الفساد في الأرض والظلم والضلال في الفهم العقدي والشرعي حتى عبدت الحجارة واتخذت الأوثان أندادا، والخرافات أحكاما، والأهواء قوانين وسلطانا… وتعرضت الكتب السماوية للتحريف والتبديل فضيعها الأتباع كما ضاعوا هم أيضا. قال الله تعالى:(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)[المائدة:46]، وكان من رحمة الله الغامرة بالناس في زمن الدين الخاتم الذي بعث به رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أن حفظ القران الكريم ولم يترك حفظه للبشر(إنا نحن نزلنا الذكر،وإنا له لحافظون)[ الحجر:9]، ولهذا كان القرآن مرجعا يلجأ إليه عند الانحراف فتعتدل المسيرة. ولكن كلما غفل أهله عنه وسها حاملوه جرت عليهم سنة من كان قبلهم، فصاحبهم ما صاحب غيرهم حتى يراجعوا دينهم ويعودوا إليه وتعتدل مسيرتهم.

فعندما كانت الرسالة غضة طرية وأخذها المسلمون من خلال الوحي والنبوة كانت قوية وفعلت في التاريخ فعلها، وسارت في الأمم سيرتها العظيمة الباهرة، ثم ورث بعدها قوم ورثوا الكتاب يأخذون عرضا أدنى ويقولون سيغفر لنا ربنا، ويحسبون أن السنن ستحابيهم أو تغفل عنهم، وقد جرهم هذا الوهم الكاذب إلى عواقب وخيمة وأوصلتهم غلى ضياع الفكر والفهم ومواكبة الأحداث الجارفة.

من هنا أصبح الفكر الإسلامي في أزمة، وفي حاجة إلى الخروج من الانعزالية والتقوقع والانطواء حتى يؤدي دوره في الحياة، فتجديده مطلوب وتبديله مرفوض.

  • مفهوم التجديد:

التجديد لغة إعادة الشيء إلى سيرته الأولى”جدد الثوب تجديدا: صيره جديدا. وتجدد الشيء تجددا: صار جديدا، تقول: جدده فتجدد وأجده أي الثوب وجدده واستجده: صيره، أو لبسه جديدا فتجدد. والجديد نقيض البلى والخلق”[44].

أما التجديد في الاصطلاح الشرعي “فهو اجتهاد في فروع الدين المتغيرة، مقيد (محدود) بأصوله الثابتة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”[45]. وعرف العلماء التجديد فى الحديث: «بإحياء ما أندرس من معالم الدين، وانطمس من أحكام الشريعة وما ذهب من السنن، وخفي من العلوم الظاهرة والباطن”[46].

ويرى الدكتور عمارة أن المراد بالتجديد هنا هو: «إزالة ما طرأ على الأصول والكليات والقسمات الأساسية مما يتعارض مع روحها ومقاصدها، الأمر الذي يكشف عن نقاء هذه الأصول ويعيدها بالعقلانية والاجتهاد كي تفعل فعلها في مستحدثات الأمور، وما يستجد في واقع الحياة، ففيه عودة لحقيقة الذات واستلهام لعوامل الثبات وقسماته، مع إضافات جديدة تعالج الجديد في إطار الأصول والثوابت، بحيث يتم للحضارة ذلك الاتساق الذي يجعل حاضرها الامتداد المتطور للقسمات الأصلية والثوابت الجوهرية في بنائهم القديم”[47].

كما عرفوا المجدد بأنه من “له حنكة رد المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق والنظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته”[48].

“فالتجديد هو التطور النافع، وهو سنة الحياة وضمان استمرارها على نحو يمنع التخلف ويوفر النجاح، كل جديد مستحدث ينبغي معرفة حكمه الشرعي، وموقف الإسلام منه بصورة واضحة بينة مدعمة بالدليل عن طريق أهل الذكر من العلماء المتخصصين. قال تعالى:(فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) [النحل:43].

“ومما ينبغي التنبيه له أن الإسلام دين لا يعتريه التجديد والتطوير في ذاته بأي حال من الأحوال لارتباطه بنصوص لا تتغير، وإنما التطوير يعتري فهم الناس لحقيقة الأحكام وغاياتها، فالتجديد في الدين لا يعني إحداث تشريع لم ينزل به الوحي، أو تغيير حكم ثابت بدليل قطعي، وإنما يشمل ما اندرس من أحكام الشريعة، وما ذهب من معالم السنن، وما خفي من العلوم الظاهرة والباطنة، فهو تجديد مطلق يشمل العلم والعمل جميعا.”[49].

هذا وينسحب مفهوم التجديد عن الكشف عن حكم الله في كل ما يجد من أحداث ويقع من نوازل ليس لها نص تشريعي مباشر، أو صريح مهما اختلف الزمان وتنوع المكان.

  • ضوابط التجديد:

إن التجديد في الفكر الإسلامي بشكل عام يستلزم الضوابط التالية:

  1. تصحيح العقيدة، بحيث تصبح عقيدة سليمة تشيع في الأمة بقوتها وعمقها ووضوحها وبساطتها وتمامها، فتخالط بشاشتها القلوب، وتنقي طهارتها العقول، وتهيمن على منطلقات الأفراد والجماعات، وتدين الأمة بها وتتفاعل معها، وتفجر طاقات أبنائها في العطاء والإبداع والعمران.
  2. النظر المنصف الناقد المستنير لتراث الإنساني المعاصر، والحضارة الراهنة لمعرفة ما يقبل منها وما يرفض دون تبعية مطلقة أو رفض مطلق، بحيث تتميز إيجابيات هذه الحضارة عن سبلياتها، وخيرها عن شرها، ونفعها عن ضارها.
  3. حسن النظر في التراث الإسلامي الهائل، بحيث يتحقق الاعتزاز به والانتفاع منه دون تقديسه، أو المنع من مناقشة أي شيء فيه، فمصادر الإسلام شيء والتراث شيء آخر.
  4. العناية بتصحيح مناهج الفكر، وكليات الأمور والقواعد والضوابط الأساسية، بدلا من ملاحظة الجزئيات المتغيرة باستمرار، ذلك أن الجزئيات غير متناهية، بخلاف المناهج والكليات والقواعد، ومن هنا وجبت العناية بتصحيحها، والتركيز عليها، لأنها تصحح حركة العقل، وتضبط مسيرته، وتؤصل موازينه مما يجعل نشاطه في الاتجاه الصحيح، والسلوك فرع عن التصور.
  5. ربط المناهج بالواقع الحياتي للأمة المسلمة فهذا يساعدها على تلمس الحلول من ناحية، ويجعل لها عطاءات علمية من ناحية أخرى، فتنجو بذلك من أن تظل الحلول نظرية أو متخيلة.
  6. تحقيق تصور حضاري إسلامي يمكن من بناء أمة ومجتمع ودولة حديثة قوية ومتماسكة معطاءة.
  7. اعتبار العقيدة والفكر والمعرفة والمنهج نسقا معرفيا متكاملا يمكن تقديمه إلى كل فصائل الأمة بشكل يحقق قناعتها الثقافية والفكرية ويربيها عليها[50].
  • صفات المجدد:

المجدد هو من يقوم بإحياء ما انطمس من معالم الدين، وما اندرس من الجوانب العملية والعلمية الحقة… ولما كانت مهمة التجديد واسعة الأرجاء متشعبة المسالك كان لابد من توافر صفات لابد أن يتصف بها المجدد وأهم هذه الصفات:

1.أن تكون له القدرة على نقل المعاني الصحيحة للنصوص وإحياء الفهم الصحيح لها.

2.أن يؤمن بالحجة والبرهان منهجا من مناهج البحث مع مقدرة عالية على استحضار الأدلة والبراهين على ما يقدمه من آراء.

  1. أن يكون ذا ملكة قوية تستطيع استنباط الحقائق والدقائق متميزا بنظر ثاقب.
  2. أن يكون ذا ثقافة موسوعية، وعلى دراية بالتاريخ الإسلامي وما حفل به من أحداث وما انطوى عليه من مآثر.

5.أن تكون جهوده الإصلاحية ذات تأثير في اتجاهات الفكر والعلم في حياة الناس، وأن يشهدوا له بالكفاءة.

  1. أن يكون جريئا في قول الحق صلبا قويا معروفا بالصدق والأمانة متعففا عما في أيدي الناس[51].

4- دواعي التجديد في علم الكلام:

إن نظرة سريعة لما يدور في أروقة الأقسام الدراسية وحجرات ومدرجات الدروس والمحاضرات الجامعية الخاصة بعلم الكلام اليوم تكشف عن هوة سحيقة بين واقع المسلمين، وما يعج من مشكلات دينية وثقافية، وما يلقى على طلبة العلم من دروس فكرية تتصل بعلم الكلام، هذا العلم الذي كان يمثل خط الدفاع الأول والحصن الحصين ضد حملات التشكيك في الإسلام وعقائده، والذي أصبح الآن تراثا ثقافيا يتعرف الطالب خلاله على آراء وأقوال وحجج الأقدمين التي واجهوا بها حملات المغرضين والتي اعترضت سبيل الدعوة في عصرهم، فيدرس الطالب أصول المعتزلة ، من العدل والتوحيد والوعد والوعيد و المنزلة بين المنزلتين والأمر والنهي عن المنكر، وتفريعات هذه المسائل وسلسلة الحوارات المتبادلة بين أوائل المعتزلة و المتأخرين منهم ، وبين المعتزلة والأشاعرة ، ثم بين اتباع المدرسة الأشعرية ومن شايعهم في الرأي.

وأصبح مقياس المستوى العلمي للطالب مرتبطا بمدى حفظه لآراء هذه المدرسة أو تلك، وكيفية إبطال حجج المتكلمين، والانتصار لبعضها. ونسج على نفس المنوال شيوخ المذاهب المعاصرين دروسا في علم الكلام لا ترتبط بواقع الحياة اليومية، بل اكتفت المؤلفات المتناولة لهذا العلم بسرد الجانب التاريخي له أو مبرزة متعصبة لفرقة دون أخرى…فأصبح مجال تناول علم الكلام تنافسيا بين الآخذين فيه. تاركين الساحة لدعاة التغريب والتشيع لنشر أباطيلهم وسمومهم التي تجاوزت ما هو فكري إلى ما هو سلوكي واقعي يجسد حقيقة معتقدات فاسدة وباطلة.

من هنا كانت الحاجة ملحة إلى تجديد هذا العلم، انطلاقا من مواضع يتفق عليها العلماء، نقترح لبعضها ما يلي:

  1. تحريك العقل المسلم وململته للخروج من الواقع المتردي في الجانب العقدي والسلوكي، وحرص دعاة الإصلاح على نهوض الأمة بأن يؤسسوا إصلاحهم على العودة لأصول الاعتقاد الصحيح الذي فهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم[52].
  2. حسن تشخيص علاقة بين الغرب والشرق وما صاحب ذلك من تغيرات فكرية وسياسة اقتصادية كان لها تأثير على الفكر الديني عامة والفكر العقدي خاصة، والقصد من ذلك اجتثاث كل شيء داخل على الخصوصية العقدية لأمة الإسلام وتطهيرها مما لحقها من شوائب.
  3. الوقوف على النظريات التي لبست ثوبا علميا بشكل أو بآخر وألقت بتلابيبها على مسائل العقيدة تأثرا بثقافات غريبة، كما هو الشأن بالنسبة للدهريين الذين حاول “محمد عبده” و”محمد إقبال” و”وحيد الدين خان” التصدي لهم .

هذا و يتحدث “محمد إقبال” عن الظروف الداعية إلى التجديد الديني فيقول: « ظلَّ التفكير الديني في الإسلام راكدًا خلال القرون الخمسة الأخيرة، وقد أتى على التفكير الأوربي زمنٌ تلقَّى فيه وحي النهضة عن العالم الإسلامي، ومع هذا فإن أبرز ظاهرة في التاريخ الحديث هي السرعة الكبيرة التي يَنزِع بها المسلمون في حياتهم الروحية نحو الغرب، ولا غبار على هذا المنزع، فإن الثقافة الأوروبية في جانبها العقلي ليست إلا ازدهارًا لبعض الجوانب المهمة في ثقافة الإسلام، وكل الذي نخشاه هو أن المظهر الخارجي البراق للثقافة الأوروبية، قد يشلُّ فنعجز عن بلوغ كُنْهها وحقيقتها، وكانت أوروبا خلال جميع القرون التي أُصِبنا فيها بجمود الحركة الفكرية تدأب في بحث المشكلات الكبرى التي عُني بها فلاسفة الإسلام وعلماؤه عناية عظمى… فلا عجب إذًا أن نجد شباب المسلمين في آسيا وإفريقية يتطلَّبون توجيهًا جديدًا بعقيدتهم… أضِف إلى هذا أنه لا سبيل إلى تَجاهُل الدعوة القائمة في أواسط آسيا ضد الدين على وجه عام، وضد الإسلام على وجه خاص”[53].

  1. ومن دواعي التجديد طريقة التأليف في العلم الكلام التي يجب أن تتجاوز نقاط الجدل التاريخي في قضايا لم تعد موضوع اهتمام المسلم المعاصر، فضلا على أنها ليست من أصول الاعتقاد وفق منهج أهل السنة التي يجب أن نعيد الأمة إليها.

وقد أجمل محمد الغزالي -رحمه الله- هذه الدواعي للتجديد حيث ذكر سبب تأليفه لكتاب (عقيدة المسلم) فقد قال: “إن ما وصل إليه علم الكلام أبعده عن حياة الناس بل وألجأهم إلى التصوف برغم ما فيه.

كما أن الجدل الذي دار بين الفرق قديما أبعد العلم عن هدفه الحقيقي، بل إنه أدخل المسلمين في تشقيقات لا حاجة لهم بها.

ثم يقرر أن العصر الحديث لم تعد كتب علم الكلام القديم تصلح له نظرا لوجود مذاهب مادية جديدة، وحوارات جديدة وفهوم وعلوم جديدة.

ويرى أن الناس بحاجة إلى عقيدة واضحة ومقنعة؛ وضوح والاقناع المنهج القرآني، ليعودوا مرة أخرى إلى إيمان لا تذهب حلاوته …”[54]

  1. انفصال علم الكلام عن الواقع، فعلى الرغم من أننا نجد علم الكلام في فترات ازدهار قد خاض في معارك طاحنة، أبلى فيها بلاء حسنا في مجال الدفاع عن العقيدة إلا أنه في عصوره الأخيرة بات يعرض التراث دون ابداع أو تجديد، ليقدم فيها العقائد الإسلامية في صورة مثالية منقطعة الصلة عن الواقع الإسلامي المعاش[55].
  • تجديد علم الكلام:

وبناء على ما سبق من عوامل نشأة علم الكلام وما فيه من تأثير في الحياة الفكرية وحفظ صفاء العقيدة ورد شبه المتقولين فيها…إلا أنه يمكن أن نطرح سؤالا: هل يجوز أن نقول هل هناك تجديد لعلم الكلام؟

الجواب أنه ومنذ أكثر من قرن مضى، أي منذ عام 1200ه وجدنا أصواتا في المحيط الإسلامي تدعو إلى تجديد علم الكلام، بمعنى إصلاحه وتوظيف العقيدة لتصدي للمشاكل التي تعيشها الأمة حضاريا وفكريا ولاسيما بعد الغزو الفكري الغربي من خلال ما يروجه من تيارات متنوعة ومتناقضة مع خصوصيات الأمة الدينية والثقافية.

ومن أهم بواكير الأعمال التي وقفت عليها في ميدان تجديد علم الكلام أذكر:

  • علم الكلام الجديد للعالم الهندي شلبي النعمان(تــ1332هـ)
  • الرد على الدهريين لجمال الدين أفغاني.
  • رسالة التوحيد لمحمد عبده.
  • تجديد الفكر الديني لمحمد إقبال.
  • مدخل جديد إلى علم كلام جديد لمحمد شبستري…

وكتب هؤلاء الأساتذة والشيوخ توجب تجديد وتطوير الفكر الإسلامي، وتدعو علماء الأمة إلى الاشتغال على هذا الشق التجديدي باعتباره مصدر وحدتها. فالدنيا تتطور وتتغير في كل العلوم والمعارف؛ ولأن الجمود يؤدي حتما إلى التخلف والركود في كل شيء يتصل بالتفكير الإنساني[56].

إن علم الكلام بما راكمه من تراث هو في أمس الحاجة اليوم أن ينحو منحى التجديد في منهجه وقضاياه ترتيبا وتوسيعا ليؤدي غاياته في الدفاع عن العقيدة الإسلامية، إقناعا للمخاطبين بها وردا للواردين عليها بالهجوم، “وليس المقصود بهذا التجديد إلغاء السابق في هذا العلم، ولكن المقصود به الإضافة إليه وإثراؤه في المادة والأسلوب بم يستطيع أن يجابه المستجدات من مطالب الفهم والاقناع ومن عوادي المطاعن الطارئة، وذلك مع الحفاظ على المنجزات الماضية فيه كمخزون تراثي ثري، تقع العودة إليه عند الحاجة”[57].

خاتمة:

إن الدعوة إلى التجديد تظل كصرخة في واد ما لم تترجم ثمارها إلى سلوك وتطبيق، فالتطبيق هو سبيل النمو للبحث في علم الكلام وعودة الحياة والفاعلية إليه.

إن دواعي التجديد المنهجي في علم الكلام اليوم عديدة وملحة، ذلك أن هذا العلم إنما هو ناشئ كما بينا سابقا لغاية نصرة العقيدة الإسلامية إثباتا لحقائقها وردا للشبهات الواردة عنها، وستبقى هذه الغاية هي غايته على مر الزمن إذا كانت العقيدة الإسلامية في ذاتها ثابتة لا تتغير فإن المناهج والطرق التي تكون بها نظرتها إثباتا ونفيا ينبغي أن يطالها التغيير بحسب تغير الزمن، والسبب في ذلك أن مناهج النصرة إنما هي مرتبطة بالمخاطبين من الذين يراد إثبات العقيدة لهم أورد الشبهة التي يوردونها أو ترد عليهم.

وهؤلاء المخاطبين سواء كانوا من المنتسبين إلى الإسلام أومن غيرهم تتغاير عقلياتهم وثقافتهم ومكوناتهم الفكرية من عصر إلى عصر بحسب ما يطرأ على المجتمعات من تطورات علمية وثقافية وفكرية وحينئذ فإنه ينبغي أن يكون المنهج الذي تقدم به إليهم العقيدة الإسلامية مبنيا على ما به يكون إقناعهم بحسب أحوالهم في الفهم والإقناع، وهي الأحوال المتغيرة كما ذكرنا مما يحتم التغيير والتجديد في المنهج.

إن علم الكلام ينبغي أن يعيش في الواقع ويدرس المشكلات التي تظهر بين الناس وأن يهتم بالقضايا الأساسية ويتخلى عن المسائل الخلافية ويسهم في تقريب شقة الخلاف المذهبي.

 

لائحة المصادر والمراجع:

ابن حجر، أحمد بن علي بن محمد الكناني شهاب الدين أبو الفضل العسقلاني، الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، دار التراث العربي، ط1، 1997م.

ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد، الفصل في الملل والأهواء والنحل، وضع حواشيه أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، ط 2، 2002م.

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، اعتنى بها: سامح دياب أحمد، فضاء الفن والثقافة، المغرب، (د ط)، (د ت).

ابن عساكر، علي بن الحسن، تبيين كذب المفتري لما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، مطبعة التوفيق، دمشق، سوريا، (د ط)،1347ه.‏

ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي أبو الفضل الإفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، (دط)، (د ت).

أبو داود، سليمان بن الأشعت الأزدي السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1996م.

إقبال، محمد، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، دار الهداية، القاهرة، مصر، ط2، 2000م.

الإيجي، عبد الرحمن بن أحمد عضد الدين، المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، لبنان، (د ط)، (د ت).

البخاري، محمد بن اسماعيل أبو عبد الله، الجامع الصحيح، دار ابن كثير، بيروت، لبنان، ط1، 2002م.

البياضي، كمال الدين أحمد الحنفي، إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان الحنفي، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 2007 م.

البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر، الأسماء والصفات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 2005م.‏

البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر، شعب الإيمان، تحقيق محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 2017م.

البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر، مناقب الشافعي، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار التراث، القاهرة، مصر، ط1، 1970م.

التركي، عبد الله عبد الله، منهج التجديد الفكر الإسلامي، ضمن ندوة: التجديد في الفكر الإسلامي (مؤلف جماعي)، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، الرياض، المركز الثقافي العربي، السعودية، ط1، 1989.

التفتازاني، سعد الدين بن مسعود السمرقندي، شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1996م.

التفتازاني، عمر سعد الدين بن مسعود السمرقندي، شرح العقائد النسفية، ترجمة وتحقيق عبد السلام بن عبد الهادي شنار، مكتبة البشرى، كراتشي، باكستان، ط 1، 1430 ه.

التهانوى، محمد علي، كشاف اصطلاح الفنون، مكتبة لبنان، بيروت، ط 1، 1996م.

الجُرجاني، الشريف علي بن محمد، رسالة في تفسير العلوم، ضمن كتاب التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1983م.

الحاكم، أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2002م.

الحمداني، أبو فراس، ديوان أبي فراس الحمداني، شرح خليل الويهي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط2، 1994م.

الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان قايماز، بيان زغل العلم، تحقيق القونوي محمد بن عبد الله أحمد، دار الميمنة، دمشق، سوريا، ط 1، 2013م.

رحومة، أحمد محمد، التجديد في علم الكلام ودوره في النهوض بالأمة الإسلامية، حولية الجامعة الأسمرية، ليبيا، زليتن، ع 1، 2013م.

الزحيلي، محمد، الإمام الجويني (إمام الحرمين)، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2، 1992م.

السبكي، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي تاج الدين، تشنيف المسامع جمع الجوامع، دراسة وتحقيق: سيد عبد العزيز – عبد الله ربيع، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث، القاهرة، مصر، ط1، 1998م.

الشاطبي، أبو إسحاق، الاعتصام، تدقيق محمد أحمد رضا، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، (د ت).

الشافعي، حسن محمود، المدخل إلى دراسة علم الكلام، منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، باكستان، ط2، (دت).

شبستري، محمد مجتهد، مدخل إلى علم كلام جديد، دار الهادي، بيروت، لبنان، ط1، 2000م.

صقر، جمال، التبيان في الرد على من ذم علم الكلام، شركة دار المشاريع، لبنان، بيروت، ط 2، 2005م.

العجمي، أبو اليزيد أبو زيد، الحضارة الإسلامية وجه جديد، دار السلام، القاهرة، مصر، ط1، 2006م.

عمارة، محمد، الإمام محمد عبده مجدد الدنيا بتجديد الدين، دار الوحدة، بيروت، لبنان، ط1، 1985.

العمري، محمد نبيل، علم الكلام نبذة موجزة، مطبوعات جامعة القدس المفتوحة، (د ط)، 2005م.

العيدروس، عبد القادر بن الشيخ بن عبد الله، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، دار السلام، القاهرة، مصر، ط2، 2005م.

الغدير، حيدر عبد الكريم، المسلمون والبديل الحضاري، الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، الرياض، السعودية، ط1، 1992م.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، إحياء علوم الدين، دار السلام، القاهرة، مصر، ط 2، 2005م.

الغزالي، محمد، عقيدة المسلم، دار نهضة مصر، الجيزة، القاهرة، ط4، 2005م.

الفارابي، محمد بن محمد أبي نصر، إحصاء العلوم، مركز الإنماء القومي، بيروت، لبنان، ط 1، 1991 م.

فودة، سعيد، بحوث في علم الكلام، دار الرازي، عمان، الأردن، ط1، 2004م.

الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، (د ت).‏

القاضي عبد الجبار، أبو الحسن بن أحمد الأسدآبادي، المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق خضر محمد نبها، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1996م.

القرضاوي، يوسف، تجديد الدين في ضوء السنة، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، جامعة قطر، ع 2، 1987م.

مجمع اللغة العربية، المعجز الوجيز، القاهرة، مصر، ط 1، 1989م.

مصطفى، عبد الرزاق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت. ط1، 2011م.

المظفر، محمد حسن، دلائل الصدق لنهج الحق، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، دمشق، سوريا، ط1، 1422ه.

المناوي، محمد عبد الرؤوف، فيض القدير، تحقيق أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2001م.

النجار، عامر، علم الكلام تعريفه وعوامل نشـأته، مكتبة الثقافة الدينية للنشر، مصر، ط1، 2003.

النجار، عبد المجيد، مباحث في منهجية الفكر الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، تونس، ط1، 1992م.

النجار، عبد المجيد، واقعية المنهج الكلامي ودورها في مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة، مجلة المسلم المعاصر، ع 60، مايو 1991م.

 

[1]-انظرا: ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، اعتنى بها: سامح دياب أحمد، فضاء الفن والثقافة، المغرب (د ط)، (د ت)، ص:403.  مصطفى، عبد الرزاق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت. ط1، 2011م، ص:267.

[2]– رحومة، أحمد محمد، التجديد في علم الكلام ودوره في النهوض بالأمة الإسلامية، حولية الجامعة الأسمرية، ليبيا، زليتن، ع 1، 2013م، ص:83 – 122.

[3]–  انظر: ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد، الفصل في الملل والأهواء والنحل، وضع حواشيه أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، ط 2، 2002م: ج2، ص:52. القاضي عبد الجبار، أبو الحسن بن أحمد الأسدآبادي، المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق خضر محمد نبها، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1996م، ج 4، ص:241.

[4]– التجديد في علم الكلام ودوره في النهوض بالأمة الإسلامية،م س، ص:86

[5]– انظر: النجار، عامر، علم الكلام تعريفه وعوامل نشـأته، مكتبة الثقافة الدينية للنشر، مصر، ط1، 2003، ص:7-10.

[6]– الشافعي، حسن محمود، المدخل إلى دراسة علم الكلام، منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، باكستان، ط2، (دت)، ص:13.

[7]– مجمع اللغة العربية، المعجز الوجيز، القاهرة، مصر، ط 1، 1989م، (مادة كلم)، ص:540.

[8]– مقدمة ابن خلدون. م س، ص: 429.

[9]– الإيجي، عبد الرحمن بن أحمد عضد الدين، المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، لبنان، (د ط)، (د ت)، ص:7.

[10]– الفارابي، محمد بن محمد أبي نصر، إحصاء العلوم، مركز الإنماء القومي، بيروت، لبنان، ط 1، 1991 م، ص:41.

[11]– انظر: الجُرجاني، الشريف علي بن محمد، رسالة في تفسير العلوم، ضمن كتاب التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1983م، ص:231.

[12]– التفتازاني، عمر سعد الدين بن مسعود السمرقندي، شرح العقائد النسفية، ترجمة وتحقيق عبد السلام بن عبد الهادي شنار، مكتبة البشرى، كراتشي، باكستان، ط 1، 1430 ه، ص:10.

[13]– التهانوى، محمد علي، كشاف اصطلاح الفنون، مكتبة لبنان، بيروت، ط 1، 1996م، ج1، ص33.

[14]– انظر: المظفر، محمد حسن، دلائل الصدق لنهج الحق، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، دمشق، سوريا، ط1، 1422ه، ص:22.

[15]– انظر: العمري، محمد نبيل، علم الكلام نبذة موجزة، مطبوعات جامعة القدس المفتوحة، (د ط)، 2005م، ص:6.

[16]–  انظر: صقر، جمال، التبيان في الرد على من ذم علم الكلام، شركة دار المشاريع، لبنان، بيروت، ط 2، 2005م، ص:21

[17]– أخرجه البخاري، (حديث رقم:3606).

[18]– الحمداني، أبو فراس، ديوان أبي فراس الحمداني، شرح خليل الويهي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط2، 1994م، ص:352.

[19]– أخرجه أبو داود (حديث رقم: 4597 )، وغيره، وصححه الحاكم ( 1 / 128 )، بل قال: إنه حديث كبير في الأصول، وحسنه ابن حجر، أحمد بن علي بن محمد الكناني شهاب الدين أبو الفضل العسقلاني، الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، دار التراث العربي، ط1، 1997م،ص: 63.  وهذا الحديث أثار نقاشا كبيرا واختلافا في صحته ومعناه، يقول الإمام الشاطبي أبو إسحاق: “هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنًى كليٍّ في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية؛ لأن الكليات تقتضي عدداً من الجزئيات غير قليل، وشاذها في الغالب أن لا يختص بمحل دون محل، ولا بباب دون باب.” انظر: الاعتصام، تدقيق محمد أحمد رضا، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، (د ت)، ج 1، ص: 439.

[20]– البياضي، كمال الدين أحمد الحنفي، إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان الحنفي، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 2007 م، ص: 32 وما بعده.

[21]– التفتازاني، سعد الدين بن مسعود السمرقندي، شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1،  1996م، ج 1، ص: 32.

[22]–  علم الكلام نبذة موجزة، م س، ص:7.

[23]– انظر: الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، (دت)، (مادة مَرَنَ على الشيء مرونًا ومرانة: تعوَّده)، ص:1592.‏

[24]– ابن عساكر، علي بن الحسن، تبيين كذب المفتري لما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، مطبعة التوفيق، دمشق، سوريا، (د ط)،1347ه، ص: 354- 355.‏

[25]– فودة، سعيد، بحوث في علم الكلام، دار الرازي، عمان، الأردن، ط1، 2004م، ص:13.

[26]–   الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، إحياء علوم الدين، دار السلام، القاهرة، مصر، ط 2، 2005م،ج 1، ص:39.

[27]– تبيين كذب المفتري، م س، ص:339.

[28]– البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر، شعب الإيمان، تحقيق محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 2017م، ج1، ص: 95

[29]– م ن، ج 1، ص:96.

[30]– الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان قايماز، بيان زغل العلم، تحقيق القونوي محمد بن عبد الله أحمد، دار الميمنة، دمشق، سوريا، ط 1، 2013م، ص:20.

[31]– البيهقي أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر، مناقب الشافعي، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار التراث، القاهرة، مصر، ط1، 1970م، ج1، ص:457.

[32]– تبيين كذب المفتري، م س، ص:339-340.

[33]– العيدروس، عبد القادر بن الشيخ بن عبد الله، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، دار السلام، القاهرة، مصر، ط2، 2005م، ج 2، ص: 13- 14.

[34]– السبكي، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي تاج الدين، تشنيف المسامع جمع الجوامع، دراسة وتحقيق: سيد عبد العزيز – عبد الله ربيع، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث، القاهرة، مصر، ط1، 1998م، ج1، ص: 395.

[35]– النجار، عبد المجيد، واقعية المنهج الكلامي ودورها في مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة، مجلة المسلم المعاصر، ع 60، مايو 1991م، ص: 206.

[36]– علم الكلام نبذة موجزة، م س، ص:80.

[37]– م ن، ص:85.

[38]– أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 2005م، ص: 420.‏

[39]– علم الكلام نبذة موجزة، م س، ص:86 .

[40]–  أخرج طرقه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري، م س، ص:337.‏

[41]– علم الكلام نبذة موجزة، م س، ص:89 .

[42]– م ن، ص:102-103 بتصرف.

[43]– الزحيلي، محمد، الإمام الجويني (إمام الحرمين)، دار القلم، دمشق، سوريا، ط2، 1992م، ص: 94-96.

[44]– ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي أبو الفضل الإفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، (دط)، (د ت)، ج3، ص:111.

[45]-أخرجه أبو داود في سننه، (حديث رقم 3740)، والحاكم في المستدرك، 4/522.

[46]–  المناوي، محمد عبد الرؤوف، فيض القدير، تحقيق أحمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2001م، ج 2، ص: 282.

[47]– عمارة، محمد، الإمام محمد عبده مجدد الدنيا بتجديد الدين، دار الوحدة، بيروت، لبنان، ط1، 1985، ص:10.

[48]–  فيض القدير، م س، ج 1، ص:10.

[49]– القرضاوي، يوسف، تجديد الدين في ضوء السنة، مجلة مركز بحوث السنة والسيرة، جامعة قطر، ع 2، 1987م، ص:28-29.

[50]– انظر: الغدير، حيدر عبد الكريم، المسلمون والبديل الحضاري، الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، الرياض، السعودية، ط1، 1992م ص:42.

[51]– التركي، عبد الله عبد الله، منهج التجديد الفكر الإسلامي، ضمن ندوة: التجديد في الفكر الإسلامي (مؤلف جماعي)، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، الرياض، المركز الثقافي العربي، السعودية، ط1، 1989، ص:36.

[52]– المدخل إلى دراسة علم الكلام، م س، ص:125 (بتصرف).

[53]–  إقبال، محمد، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، دار الهداية، القاهرة، مصر، ط2، 2000م، ص:14.

[54]– الغزالي، محمد، عقيدة المسلم، دار نهضة مصر، الجيزة، القاهرة، ط4، 2005م، ص:15.

[55]– العجمي، أبو اليزيد أبو زيد، الحضارة الإسلامية وجه جديد، دار السلام، القاهرة، مصر، ط1، 2006م، ص:112-117.

[56]– شبستري، محمد مجتهد، مدخل إلى علم كلام جديد، دار الهادي، بيروت، لبنان، ط1، 2000م، المقدمة (بتصرف).

[57]– النجار، عبد المجيد، مباحث في منهجية الفكر الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، تونس، ط1، 1992م، ص:137.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.