منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مطوَّلة “العالَم الآخَر” (ليس على المتخيِّل أو المتمني حرج)

مطوَّلة "العالَم الآخَر" (ليس على المتخيِّل أو المتمني حرج) / الدكتور عبد الملك بومنجل

0

مطوَّلة “العالَم الآخَر”
(ليس على المتخيِّل أو المتمني حرج)

الدكتور عبد الملك بومنجل

بهيجٌ هو العالَمُ الآخَرُ
وليس لبهجتِهِ آخِرُ
بديعٌ، وقد صوّرتْهُ الأيادي
فبِالفيضِ من حُسنِها زاخِرُ
مَريعٌ، وفي روضِهِ مرتَعٌ
لروحي، ومُنتجَعٌ فاخِرُ
وفي ساحِهِ حين يبدو النبيُّ
شُروقٌ نَدٍ مُمتعٌ ساحِرُ
أُولّي إلى وجهِهِ ناظري
وكُلّي إلى وجهِهِ ناظرُ
فأشربُ من نورِهِ سلسلاً
ويبسَمُ لي ثغرُهُ الطاهرُ
يُكلِّمُني، ما ألذَّ الحديثَ
ويُطرِبُني لفظُهُ العاطِرُ
إذا ما سقانيَ عذبَ الحديثِ
وخاطَبَني: أيها الشاعِرُ،
لقد كنتَ تشتاقُ، ها أنتَ ذا
فؤادٌ بفرحتِهِ طائرُ
وها أنتَ في غمرةٍ من وصالٍ
يجودُ بها غافرٌ شاكِرُ

وإنّي لفي سكرةٍ إذْ بدا
لقلبي سناً ساطعٌ غامِرُ
بدا سلسبيلُ الجلالِ وقد
تجلّى بهِ حُسنُهُ الباهرُ
بدا فانتشيتُ، انمحيتُ، انمحى
الوجودُ الذي بالندى عامِرُ
ولم تلبث الروحُ أن أشرقتْ
بنورٍ، فإشراقُها ناضِرُ
فيا قلبُ لا تنصدعْ، بل تَمَلَّ
وخُذْ نشوةَ الخُلدِ يا ناظِرُ
تملَّ الجمالَ الذي كنتَ تروي
لهم أنه مُذهِلٌ ساحِرُ
ولم تَرَهُ العينُ، ماذا وقد
تجلّى فلألاؤُهُ ظاهِرُ!
تجلّى، تجلّى، فيا بهجتي
تجلّى لكِ الأولُ الآخِرُ
بأيِّ العيونِ تَرينَ البَها
وقد فاضَ إشراقُهُ الباهِرُ!
ذُهلتُ عن الكلِّ لم أكترثْ
بِحورٍ لها حُسنُها الغامِرُ
ولا بالذي كانت النفسُ تهوى
من الحِسِّ يومَ الهوى آمِرُ
إلى أنْ صحوتُ من المنتهى
وقلبي بِلذاتِهِ عامِرُ
هنالِكَ أهدى إليَّ اشتهائي،
وقال: هنا روضُكَ العاطِرُ
تمتَّعْ بما شئتَ مما ترى
وحلِّقْ، لكَ الجوُّ يا طائرُ
مضيتُ إلى حيِّهمْ والتقينا
فلِلَّهِ، كم يَسعدُ الظافِرُ
ظفرتُ بلُقياهُمُ فالحياةُ،
حياةٌ، وسلسالُها وافِرُ
ظفرتُ بأحبابيَ المُكرَمينَ
لهمْ والمدى مَشهَدٌ فاخِرُ
رأيتُ الأمينَ، وحين انبرى
تَعَثَّرَ بي حظّيَ العاثِرُ
خطوتُ إليهِ عَجولاً خجولاً
ولي خافقٌ عاشقٌ حائرُ
أأرمي إلى حضنِهِ خافِقا
جريحا، وجُرحُ الهوى غائرُ
أم الذوقُ ثمَّةَ أن أنثني
انبهارا، ونورُ السنا باهرُ؟
خطوتُ إليهِ، رآني، دعاني:
تعالَ إلى الحضنِ يا شاعِرُ
أويتُ إلى حضنِهِ باكيا
فقد هزّني فرحٌ غامرُ

رأيتُ الكليمَ، فكم من شذىً
تناثرَ مسكا ولا ناثِرُ
وكم من بهاءٍ تجلّى بهِ
مُحيّاهُ والمبسمُ الزاهرُ
رأيتُ الكليمَ، وكلّمتُهُ
جرى بيننا مسكُهُ العاطرُ
فلاطَفَني: أينَ فرعونُكمْ
وقارونُ والجِبتُ والساحرُ؟
فقلتُ، وقد لذَّ لي لُطفُهُ:
أبادَهُمُ الغالبُ القاهِرُ
وأفضَوا إلى حُفرةٍ من هوانٍ
ونارٍ يُسعّرُها الساعِرُ

رأيتُ المسيحَ، فيا وجهَهُ
منيرا لهُ مَطلعٌ ساحرُ
ويا سَمْتَهُ باسِماً ناضِرا
يشعُّ بهِ الثغرُ والناظِرُ
رأيتُ المسيحَ فكم بهجةٍ
شربتُ ولي مبسَمٌ فاغِرُ
وكم من عبيرٍ وكم من هوى
وقد ضاءَ مبسمُهُ الآسرُ

رأيتُ الخليلَ، وأقمارَهُ
وقد ضمَّهمْ سَمَرٌ سامِرُ
جلستُ إليهمْ، وحادثتُهمْ
وإنّي لأيامهم ذاكِرُ
فيوما دعا أنْ.. يوما سعى
ويوما بكى والجوى غامرُ
ويوما أطلَّ على الكوكبينِ
الكريمُ الذي حُسنُهُ باهرُ
رأيتُ، وحيّيتُ، كان المدى
ربيعا، ولي خافقٌ طائرُ

رأيتُ الشهيدَ الذي سارَ يوما
إلى كربلا، والإبا سائرُ
على خطوِهِ، ثمَّ طار الشهيدُ
إلى ربِّهِ، والدجى غادرُ
على وجهِهِ غُرَّةُ الكبرياءِ
وفي عينِهِ قمرٌ سافِرُ
تَهيبْتُهُ، ثمَّ كانت لنا
أحاديثُ سلسالُها قاطِرُ
وقطبا رأيتُ إلى جنبِهِ
يضُمُّهما مجلِسٌ فاخِرُ
فللهِ، ما أعذبَ القمرينِ
وقلباً بحبِّهما عامِرُ

رأيتُ الأحِبّاءَ، نادمتُهمْ
وعَذبُ الهوى بيننا دائرُ
يحيطُ بنا حُبُّهُ والرضا
يطيرُ بنا فرحٌ غامِرُ
فلله، ما أعذبَ الملتقى
وأسعدَنا والرضا هامِرُ!

وأوحى إلينا الودودُ الكريمُ
وقد رقرقَ الجوُّ أنْ بادِروا
إلى لذّةٍ ما لها من نظيرٍ
إذا الحِسُّ والمشهدُ الناضِرُ
فسرتُ إلى القصرِ، يا للشذى
وقلبي إلى بهجةٍ سائرُ
دخلتُ، فلا تسألنْ عن حريرٍ
وعن كاعبٍ حُسنُها آسِرُ

وعن نشوةٍ في رياضِ النعيمِ
وعن خمرةٍ لحظُها فاتِرُ
وعن كلِّ ما تشتهي، إن تَرُمْ
فَجَمٌّ، وفي لمحةٍ حاضرُ
وعن بهجةِ الخُلدِ لا تنقضي
ولا أنتَ من خُلدِها نافِرُ

بهيجٌ هو الخُلدُ يا صاحبي
هناكَ، فهل يبذُرُ الباذِرُ؟
وهل يُقبِلُ الغِرُّ مُستعتِباً
ويُقصِرُ عن غيِّهِ السادِرُ؟
وهل أنا إنْ غِبْتُ عن حاضِري
مَليّاً، سيعذرني الحاضِرُ؟
وهل إنْ أنا هِمْتُ بالمنتهى
رشدتُ، ويعذرني العاذِرُ؟

رجوتُكَ يا، يا أخي لا تَغِبْ
طويلا، وقد سترَ الساتِرُ
ولا تلتفتْ للسرابِ الذي
يؤلِّفُهُ غيهبٌ ماكِرُ
ولا تلتمِسْ في الحياةِ سوى
الحياةِ التي ما لها آخِرُ
وما في مواسمها غُربةٌ
ولا نَصَبٌ أو غدٌ ساخِرُ
بل الحُبُّ والفرحُ السرمديُّ
يموجُ به عالَمٌ ساحرُ

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.