منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القضية الفلسطينية “مقاربة ائتمانية”

ابراهيم بومسهول

0

المقدمة الاولى: في بيان المقاربة.

إن طبيعة القضايا التي تتعرض لها الأمتان العربية والإسلامية وزخمها، في عالم قل حياؤه، توجب النظر الفلسفي المبني على القيم عوض التكهن السياسي المؤسس على المصالح. من هذا المنطلق تأتي مقاربة الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن للقضية الفلسطينية. منتقدا جل من تناول القضية لإعراضهم عن سلوك طريق التأمل الفلسفي البعيد والبديع [1]، وانعطافهم على الدراسات غير الفلسفية، سياسية كانت أو تاريخية أو اجتماعية أو إناسية أو قومية [2].

يصرح طه عبد الرحمن منذ البداية أن تفلسفه في القضية الفلسطينية يتأسس على النظرية الائتمانية [3]، باعتبارها نظرية أخلاقية معيارية تتأسس على حقائق الإنسان التي اشتركت فيها الأديــــان وتوارثتها الحضارات، سواء أقرت هذه الحضارات بأصولها الدينية أو أنكرت هذه الأصول، وذلك انطلاقا من أن الإنسان فطر على الدين [4]. على أن مبنى النظرية الائتمانية على مبدأ أساسي، وهو أن لكل شيء بعدين، احدهما، الصورة، وهي المظهر الخارجي، والثاني، الروح، وهي الجوهر الداخلي. بناء على أن الروح ( أو الجوهر الداخلي ) هي الأصل في تفسير الصورة ( أو الجوهر الخارجي ) وأن الصورة إنما هي تعبير عن الروح أو، إن شئت قلت، هي تصوير لها [5].

المقدمة الثانية: في طبيعة الصراع.

لا شك أن طبيعة الصراع عامل حاسم في تحديد أطرافه ومنهجيته، وقد تباينت طبيعة هذا الصراع بتباين المقاربات المعتمدة في دراسته، بين الحصر والإطلاق، من صراع فلسطيني- إسرائيلي، الى صراع إسلامي-إسرائيلي.

المزيد من المشاركات
1 من 63

أما طه، فيصرح أنه ” لولا مخافة سوء الفهم، لكنت أطلقت على هذا الصراع اسم “الصراع الإنساني الإسرائيلي “، فلو أمكن توسيع مدلول الصراع، بحيث يندرج فيه كل أحرار العالم، لظهرت إسرائيل بصفة المعتدي على العالم كله، وليس العرب وحدهم، وفي هذا تمام التوعية بمفاسدها التي لا تَنْحَد ” [6]. هذا التوجس، حدا بطه عبد الرحمن إلى قصر الصراع في البعد الاسلامي الإسرائيلي رافضا حصره في البعد الاسرائيلي العربي، وذلك لدواع، تجلى أولها في كون الأرض المحتلة تشكل ملتقى الأديان المنزلة، لأن علاقة هذا الصراع بالأرض تابعة لعلاقته بالدين، ويبرز الثاني في الانسحاب التدريجي للزعماء العرب من الصراع، مما يجعل وصفه بالعربي دون جدوى، أما الثالث، ففيه من التجني على المسلمين ما يفرض استبعاد الوصف العربي، في حين يرتبط الرابع بالاسلام الحضارة، وبموجبه يكون العربي المسيحي الديانة إسلاميَّ الحضارة، فجاز أن يندرج في صفة الاسلامي [7]. أما أن ضرورة توسيع الصراع كمطلب آني فتحضر عند طه كسبب أساسي لاختياره لهذا الاسم.

  • المبحث الاول: الإيذاء الاسرائيلي.

تطبيقا لبمدأ الائتمانية، والقاضي بأن لكل شيء بعدين، أحدهما الصورة وهي المظهر الخارجي، والثاني الروح، وهي الجوهر الداخلي، وبناء على الروح هي الأصل في تفسير الصورة، وأن الصورة إنما هي تعبير عن الروح [8]، يتبين أن الإيذاء الاسرائيلي يتخذ وجهين: ايذاء الأرض، وتتمثل روحها في ايذاء مبارِكِها، أي إيذاء الإله، والثاني إيذاء للإرث الفطري، أي إيذاء الإنسان.

من خلال التأطير السابق، يخلص طه إلى إشكالية ثلاثية الأبعاد: كيف يتجلى إيذاء الإله عند الإسرائيليين ؟ كيف يتجلى إيذاء الإنسان عندهم ؟ وما السبيل للتصدي لهذين الإيذاءين ؟[9].

      • الطلب الاول: الإيذاء الإسرائلي للإله.

إيذاء الإله صفة ملازمة للإسرائيليين تاريخيا، غير أن دعوتهم الحالية تمثل أكثر وجوهه فحشا، إذ ينازعون الإله في أكثر صفاته عظمة وهي ” المالك”، فأبوا إلا أن يكونوا هم المالكين[10] وغيرهم المملوك، بل صار الملك عندهم شرط وجودهم، فابتغوا إلى ذلك مختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة الموصلة لامتلاك الارض المباركة، موجَّهين بمبدأ أساسي لديهم، مفاده ” ما يمكن احتلاله من أملاك غيرهم، فهو بالضرورة ملك لهم[11].

و كعادة الفيلسوف طه عبد الرحمن، في نحت مفاهيمه الخاصة، موظفا مفهوم الإحلال بدل الاحتلال للأرض، ويقصد بالإحلال: احتلال الأرض منازعة للمالكية الإلهية [12].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

و يجمل وسائل الإحلال في ثلاث: استيلاء بالقوة على الأرض، واستيلاء على ما فوق الأرض، ثم استيلاء على ما تحتها.غير أن أساليبهم متعددة ومتنوعة، أوصلها الى خمسة، أولها،” الإحلال الثابت”، وذلك ببناء المستوطنات والجدران والطرق الالتفافية، والثاني، “الإحــلال الموســـــع “، ويتم بطريق الضم والإلحاق، والثالث، ” الإحلال المتدرج “، ويقوم في تطبيق القوانين الإسرائيلية وممارسة الطقوس اليهودية، والرابع، ” الإحلال المطلق “، زمانا ومكانا، إذ أن كل مدة يستغرقها مكوثهم في أي مكان من أرض فلسطين وما حولها عدوه حقا لهم…، والخامس ” الإحلال المقدس“، ويقوم في التسلط على الأماكن المقدسة، بحيث ينضبط هذا التسلط بالمبدأ التالي: “على قدر قدسية المكان المحتل يكون الشعور بالملكية[13]، فاتحا بذلك شهية الاسرائيلي لاحتلال بيت المقدس في أفق أماكن مقدسة اخرى.

      • المطلب الثاني: الإيذاء الإسرائيلي للإنسان.

إذا كان احتلال الأرض إحلالا، فإن احتلال الفطرة حلول، باحتلال ” أخص ما يميزه – الإنسان – وهو بالذات فطرته التي يصنع بها تراثه الأصيل ” [14]. فالحلول إفساد للفطرة لدى الإنسان الفلسطيني بما يجعله يتلقي بالقبول مفاسد احتلال أرضـــه، اغتصابا وتهجيرا وتشريدا وتجـريفــا وتقطيعا… إنه احتلال الفطرة المؤصلة جلبا للقبول بتدنيس الأرض المقدسة. غير أن الاستاذ طه يميز بين درجتين من الحلول، الأول جزئي ويخص قلب القيم، والثاني كلي ويهم سلبها.

  • قلب القيم.

إن معارضة الاسرائيلين للقيم الأصلية، دفعهم الى فصل الإنسان عن بعض القيم خدمة لمشروعهم، من خلال نقل الإنسان من القيم الفطرية إلى أضدادها. وقد نهجوا مع الإنسان الفلسطيني طريق الإفساد على ثلاث مستويات:

  • إفساد الذاكرة: بهدف اختلال علاقة الإنسان الفلسطيني بماضيه. وذلك بالقدح في كل معتقداته التاريخية، كفضل المسجد الأقصى، وتعظيم الصخرة…إلخ.
  • إفساد الثقة بالذات: إذا كان هدف إفساد الذاكرة هو قطع الفلسطيني عن ماضيه، فإن هدف إفساد الثقة بالنفس هو اختلال علاقة الفلسطيني بحاضره، حتى يفقد ثقته بالقدرة على التغيير، مشككا في قدرة المقاومة، بل قد يسمها بالإرهاب، مستحضرا بـــذلك مبـــــدأي الواقعية الســـــياسية والعقلانية الإجرائية.
  • إفساد التوجه: الزمن ثلاثة أبعاد، ماض وحاضر ومستقبل. وإذا كان الإفسادان السابقان قد قطعا صلة الفلسطيني بماضيه وحاضره، فإن إفساد التوجه يتغيى اختلال علاقة الإنسان الفلسطيني بمستقبله، مضطربا في اختياراته وأولوياته.

 ولم يفت الأستاذ أن يشير إلى أنه متى اختلت علاقة الفلسطيني بالزمان في أبعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، اختلت علاقته كذلك بالمكان، ذلك أن الزمان، بموجب تعامل أسلافه الخاص معه، يعتبر مقياسا من مقاييس المكان، بل شرطا من شروطه [15].

  • سلب الفطرة.

إذا كان القلب فصلا لبعض القيم عن الفطرة واستبدال أضدادها مكانها، فإن سلب الفطرة هو اجتثاثها أو استئصالها. بحيث يكون الحلولي إنسانا بلا فطرة… وهو ما يعرف في الخطاب السياسي والقانوني المتداول باسم التطبيع [16]. والتطبيع هو تضييع ما لا يضيع من مزايا الذات الإنسانية[17]، ويتم من خلال أربعة أشكال من التضييع.

  • تضييع الطبيعة.

المراد بالتطبيع هو الارتباط مع الكيان الإسرائيلي بما يجعل وجوده الإسرائيلي بفلسطين وجودا مشروعا، بل أكثر من ذلك منح هذه المشروعية أكثر مما يوجب لغيره من دول الجوار، وذلك بحكم تفوقه. غير أن الأستاذ طه ينفي عن هذا النوع من الارتباط اسم التطبيع من خلال ثلاثة أوجه، أولها، أن الطبيعة تحيل على الجِبلة بمعنى الخُلُق الذي يتصف به الإنسان في أصل الخِلقة، بينما الارتباط بالإسرائيلي إضفاء الشرعية على على كيان غير مشروع. لذا فالإسم الدال على هذا الارتباط هو الشرعنة أو قل التشريع وهو خلاف التطبيع. وقد تمنح الشرعية لما ليس بطبيعي. وثانيها، قيام التطبيع على افتراض أن الارتباط بالكيان الإسرائيلي كان طبيعيا قبل الآن ولم يعد كذلك، وينبغي رده إلى عهده الأول وهو افتراض باطل. وآخرها أن اسم التطبيع لا يصح إلا في معنى يضاد المراد منه، وهو إزالة الوصف الطبيعي عن الارتباط مع الكيان الإسرائيلي. ولعل صيغة التفعيل في اللسان العربي تسعفنا في ذلك، كقولنا التمريض، فإذا قيل ” مرَّض فلانا فقد يراد بها أنه صيره مريضا، وقد يراد ضد هذا المعنى، أي أزال عنه المرض” [18].

  • تضييع الروح.

التطبيع احتلال للفطرة، وقد يظن الظان أن هذا الحلول مبعث حياة للروح من منطلق أن الأصل في الحلول أن الحالَّ أسمى من المحل. لكن الأمر ليس كذلك مع الحلول الإسرائيلي، ومرده إلى أمور، أولها، أن المطبع آثر موت روحه على موت بدنه، من منطلق أن الفطرة جوهر للروح قد تم انتزاعها من جذورها بفعل الاسرائيلي، وثانيها، أن المطبع قد استبدل الإرادة الدنيا بفطرته التي هي أعلى [19]، فالإرادة الإسرائيلية ليست أشرف من هذه الفطرة، ما دامت هذه الأخيرة تتضمن المعاني الأصلية التي فطر عليها الإنسان، في حين أن الإرادة الإسرائيلية تأخذ بالقيم المضادة لهذه الفطرة. أما الثالث، فاستبدال المطبع فاسد الأوهام بصحيح الحقائق،و مرد الأمر إلى قيام الفطرة على الحقائق الملكوتية، وقيام الإرادة الإسرائيلية على الأساطير والأباطيل. ومن خلال الوجه الرابع، يكون المطبع قد قضى على نفسه بموتتين شنيعتين: ” موت الفطرة ” و” موت الحكمة “. فإذا كانت قيم الفطرة أصلية، فبإمكان الإنسان أن يولد منها قيما أخرى تشكل في مجموعها الحكمة [20]. أما الوجه الخامس، فأخذ المطبع بالمعرفة التي تحجبه عن المعرفة، طامعا في تحصيل المعرفة التقنية والعلمية التي يمتلكها الإسرائيلي، وأنى له ذلك، حيث إن المحتل يحرص على منع الوصول إلى هذه المعرفة، موهما بمنحها.

  • تضييع القداسة.

يعتبر المقدس أول مكون فطري قاعدي ائتمن عليه الإنسان، غير أن الحلولي بتطبيعه يرفع القدسية عن الأمكنة، فيستوي عنده احتلال الإسرائيلي لهذه الأمكنة واحتلاله لغيرها… وكما هان عليه أن يرفع القدسية عن بيت المقدس، فكذلك يرفعها عن الكعبة، متى امتدت أطماع المحتل الإسرائيلي إلى ما حوله من الأرض المباركة [21].

ولما كان المُنزَّل إحدى صور المقدس، فإن المطبع يهون عليه أن يعبث بالكتاب المنزل على قدر ما يطلب المحتل الإسرائيلي، فيتأول الآيات القرآنية على غير وجوهها ليًّا لنصوصها… وكما هان عليه أن يسقط بعض الكتاب المنزل، فكذلك يهون عليه، متى أبدى المحتل أدنى سخط على نظام حكمه، أن يسقط الكتاب كله [22]. وبهدا التطاول على المُنـَزل، يذهب المطبع بآخر بقية من منزوع فطرته، ألا وهو عقله.

  • تضييع الحياء.

يعتبر الحياء عند الاستاذ طه بمثابه الخلق الأول الذي تتفرع عنه باقي الأخلاق، ومرد التطبيع إلى فقدان الحياء. فلولا وقاحة المطبع الحلولي ما كان ليتعاطى التطبيع. ويُجلي هذه الوقاحة في مظاهر ثلاثة: النسيان الكلي للنظر الإلهي، وفقدان التمييز الأخلاقي، ثم ممارسة النفاق.

  • النسيان الكلي للنظر الإلهي: بما أن النظر الإلهي هو الأصل في وجود الحياء، فوجود الاستحياء من النظر البشري إنما هو متفرع على الاستحياء من النظر الإلهي [23]. غير أن سوء حال المطبع من النظر الإلهي ليس من نفس الطبقة، بل طبقات تتراوح بين مطبع ينكر وجود تنبيه النظر البشري على وجود النظر الإلهي، وثان، يتعامى عن وجوده، وثالث، يسعى للحيلولة دون حياء الآخرين منه، ورابع، لا يتوانى في توظيف ما أمكنه من وسائل لصرف فئتين مخصوصتين من الناس تعلقتا بالارض المقدسة.
  • فقدان التمييز الأخلاقي: بحلول الإرادة الإسرائيلية في المطبع، فقد التمييز الأخلاقي، وفسدت لديه ملكة الحكم. فصار عاجزا عن التمييز بين ما يجب فعله وما يلزم تركه، وبين ما يستحق المدح ومايستلزم الذم… فحسبه أن يفعل ما تأمره به الإرادة الإسرائيلية… وأن يترك ما تنهاه عنه نفس الإرادة. لذلك لا يبدي المطبع أي استعداد لأن يتوب عن خطيئته،و لا أن يندم عن أذيته. وهكذا يفقد فرقان الضمير الذي يرفعه فيتضع لمن يذله[24].
  • ممارسة النفاق: يعرف النفاق على أنه إظهار خلاف ما في الباطن لغرض من الأغراض. ومما يميز المطبع، ممارسته للنفاق على أوسع نطاق عبر حالتين لا تخرج عنهما: الممارسة الأولى مع المحافظين على فطرتهم من أبناء أمته، من خلال الاستد راج الخفي لهم والمكر المتين بهم، بهدف سلب ذواتهم فطرتها. أما الممارسة الثانية، فتكون مع الإسرائيلين إخفاء لدونيته طمعا في الشفقة عليه. فنفاق المطبع لأهل إسرائيل استعطاف خفي لهم وتقرب مشين إليهم.

بعد الفراغ من بيان ماهية إيذاء الإسرائيليين للإله عبر تدنيس الأرض التي باركها، وبيان ماهية إيذا الإنسان من خلال تزييف فطرته الأصيلة، انتقل الأستاذ طه إلى مباشرة الجواب عن الإشكال الثالث، وهو كيفية دفع الإيذاءين الإسرائيليين.

المبحث الثاني: ماهية المرابطة المقدسية.

لا نهاية للاحتلال الإسرائيلي إلا بنهايتين، نهاية دنس الأرض ونهاية زيف الفطرة، عبر تجديد قداسة الأرض، وتجديد أصالة الفطرة. والسبيل الوحيد لهذه النهاية، مقاومة تأخذ بالمبدأ الائتماني الذي يميز بين الصورة والروح، ويفرق بين احتلال الأرض صورة والإحلال، كما يفرق بين احتلال الفطرة صورة والحلول.

يسمي الأستاذ هذه المقاومة ” المرابطة المقدسية “، وهي المقاومة التي تلازم ثغور الأرض المقدسة لتتصدى لتدنيسها، وتعيد إليها قدسيتها، كما تلازم ثغور الفطرة المؤصلة لتتصدى لتزييفها وتعيد إليها أصالتها… والنتيجة أن المرابطة المقدسية ليست فضاء ماذيا بقدر ما هي فضاء معنوي [25]. ومرد الأمر عند طه عبد الرحمن إلى ثلاثة أوجه: أولها، أن قداسة الأرض وأصالة الفطرة معنيان روحيان صريحان، وحضورهما في الوجدان أقوى من حضور المدركات الحسية للعيان. وثانيهما، أن هذه المرابطة تمتح من مصادر روحية متعددة ومتنوعة: الميراث الذي خلّف الرسل والأنبياء على مر تعاقبهم. وقوة الرباط بوجه عام ورباط البراق بوجه خاص،ثم جلال السجود وجمال الشهود. ومرد الوجه الثالث إلى أن المرابطة المقدسية مقاومة بالروح، وما مقاومة المرابط بجسمه إلا تبع لها.

كل الخصائص السالفة الذكر، تجعل من المرابط ببيت المقدس الشاهد الأمثل أو النموذج الأصلي للمرابطة المقدسية. وتتميز هذه الأخيرة بخاصيتي الائتمانية والإشهادية، وذلك لتوسلها بالصفتين الشهوديتين: الإسراء والمعراج.

  • المطلب الأول: الخاصية الائتمانية للمرابطة المقدسية ودفع إيذاء الإله.

إن رغبة المرابط المقدسي في إعادة القداسة للأرض يستلزم التوسل بالإسراء باعتبارها الصفة الشهودية الأولى. وإذا كان إسراء الرسول صلى الله عليه وسلم قد حصل بين مسجدين عظيمين، فإن إسراء المرابط المقدسي يقوم على وجه التحديد، في حفظ الحالة الائتمانية الأصلية، التي عرض فيها الحق سبحانه على الخلائق الأمانة فأبت وحملها الإنسان متعهدا بحفظها، موقنا أن علاقته بجميع أعماله وتصرفاته علاقة ائتمان لا امتلاك. مما يفضي إلى خمس نتائج غاية في الأهمية: تتمثل الأولى في كون العلاقة الملكية بالأشياء علاقة فرعية أُذن للإنسان فيها أو أنشأها من نفسه، وهي على ضربين: ملكية الأشياء المقدسة وملكية الأشياء غير المقدسة. وهذا ما يقودنا إلى النتيجة الثانية باعتبارها تخصيصا للأولى، ومفادها أن علاقة المرابط المقدسي ببيت المقدس بكليته لا يمكن أن تكون إلا علاقة ائتمان. ولما كان تعامل الإسرائيلي مع بيت المقدس تعامل امتلاك، فهذا يرفع عنه القداسة حسب النتيجة الثالثة. ومن خلال النتيجة الرابعة، تم توجيه المرابط المقدسي إلى عدم مقابلة مزاعم الإسرائيلي بملكية الأرض بدعوى الملكية الفلسطينية لها. مما يوجب وفق النتيجة الخامسة عدم مجاراة الإسرائيلي في اثبات الأحقية بالملكية [26].

بعد سرده للنتائج الخمس، يفصل الدكتور طه استراتيجية المقاومة في ثلاثة مستويات: تجريد الإسرائيلي من وصف المالك، وترسيخ ثقافة الائتمان، ثم استرداد الأمانة.

  • تجريد الإسرائيلي من المالكية.

يقوم هذا التصدي على مبدأ ” نزع المالكية عن الإسرائيلي كليا… وحيث أن مؤسسة الدولة علامة المالكية الكبرى، فإنها تكون أول شيء يجب على المرابط المقدسي عدم الإقرار به للكيان الإسرائيلي، فيأتي أقواله وأفعاله بما يظهر لهذا الكيان أنه ينزع عنه صفة الدولة. مبتكرا على الدوام أساليب تجرده من اللباس المؤسسي [27].

وفي هذا السياق لم يغفل الأستاذ طه عبد الرحمن التفاعل مع المعترض بالقول إن هذا الإنكار يشكل تحديا للمؤسسات العالمية والقوانين الدولية التي أضفت على الكيان صفة الدولة، رادا هذا الإعتراض من أوجه ثلاثة: أولها، أن المؤسسات الدولية لم تكن في الأصل منصفة في مسألة فلسطين، والثاني، أن هذه المؤسسات والقوانين تكيل بمكيالين، والثالث، أن العالم أضحى بلا حياء [28].

لنخلص مع الأستاذ طه – من خلال ما سبق – أن خيارات السلطة الفلسطينية، خيارات خاطئة، لدواع أربعة:

  • وقوع السلطة الفلسطينية فيما وقع فيه الكيان الإسرائيلي الغاصب من طلب المالكية، وعلى نفس المنوال.
  • القبول بإقامة الدولة الفلسطينية على جزء فقط من الأرض المقدسة، ناقلة بذلك جزءا مقدسا لمن لم يكن مالكا أصلا. هذا النقل الذي يعتبره الإسرائيلي إحدى صور رد المستحق، ومنه إقرار السلطة بالحق التاريخي للكيان الإسرائيلي.
  • نجح الإسرائيلي في نقل السلطة الفلسطينية من طلب مالكية الأرض إلى الاستغراق في مالكية الكلام، من خلال ادخالها في مسلسل من المفاوضات، بل أضحى المسؤول الفلسطيني ينفاوض من أجل التفاوض.
  • الوجه الرابع، وهو أفظعها، أن التزامات السلطة مع الإسرائيلي قد جلبت للفلسطيني المزيد من الأذى. من حيث وفاؤها وتملص الإسرائيلي، ناهيك عن تغلب المصالح والمكاسب المادية.
  • ترسيخ ثقافة الائتمان.

بالموازاة مع نزع وصف المالكية عن الكيان الصهيوني، وجب على المرابط المقدسي العمل على نشر ثقافة الائتمان بديلا لها. إذ أن وجود الإحلال يوجب تقديم الأمانة على الملك [29]. وبلوغ هذه الغاية يتم من خلال أربعة مبادئ: يتمثل الأول في رد الموجودات الظاهرة إلى دلالاتها المعنوية، ورد التصرفات الظاهرة الى دلالاتها الأخلاقية… حتى يتبين المرابط أن الأصل في وجود الظواهر التي بين يديه هو المعاني أو القيم التي خلفها. وكما لايملك هذه القيم والمعاني الخفية، فكذلك لا يملك ما يتصل بها من الظواهر الجلية. أم المبدأ الثاني، فهو توارث الآثار الروحية للأعمال، فالآثار الروحية التي تركها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة السلام في بيت المقدس لا تزال تظلل أكناف بيت المقدس، وهي تورث كما تورث الآثار المادية، إذ يرثها أولئك الذين ساروا على نهجهم… غير أن المرابط القدسي في حاجة ماسة إلى أن يدرك أن هذا الارث فضل خالص من ربه، فوجب عليه ألا ينسب هذا الارث الروحي إلى نفسه أولا، وأن يتجرد من نسبة العمل بهذا النصيب الى نفسه ثانيا. ويهم المبدأ الثالث، رؤية الإرادة الإلهية في العالم، فلا مناص للمرابط المقدسي من أن يروض نفسه على الخروج من إرادته إلى إرادة ربه، بحيث لا يرى شيئا إلا ويرى إرادة ربه فيه، ليرقى بإرادته إلى حال تجعلها موصولة بإرادة الله عز وجل. وهكذا فإن المقاوم وهو يشهد ما أراده الله فيما حل به، يُعطى إرادة من إرادته سبحانه، إرادة تجعله قادرا على أداء أمانته، ومتى فرغ من أدائها، رجعت إليه أرضه كأنها لم تنتزع منه. بينما يفرض المبدأ الرابع أسبقية الواجب الائتماني على الحق الامتلاكي، فلما كان الأصل في العلاقة بالاشياء الائتمان، وليس الامتلاك، لزم أن تنبني هذه العلاقة على الواجبات، وأن يكون التمتع بالحقوق مشروطا بالوفاء بها. غير أن الإنسان الفلسطيني قد حيل بينه وبين أداء الواجب… لذا صار الواجب الأول على الفلسطيني، تجديد إيمانه بميثاق الائتمان حتى يتعرف إلى واجباته حق المعرفة، مبادرا إلى القيام بها، غير طالب إعواضا عنها [30].

  • استرداد الأمانة المسلوبة.

لعل حجم الأذى الذي يلاقيه الفلسطيني من لدن الكيان الغاصب أولا، ومن بني جلدته ثانية ومن أخطائه ثالثا، قد يزرع اليأس والشك في القدرة على رفع هذه الأشكال المتعددة والمتنوعة والمتاعضدة من الأذى. لذا صار من الواجب على المرابط المقدسي ولاعتبارات ثلاثة تغيير خطة المقاومة المتبعة إلى حد الآن رأسا على عقب. أول الاعتبارات، النظر إلى أرض فلسطين على أنها ائتمان على قداسة لا تزول بالتعرض للتدنيس، وإنما هي في الأصل باقية ببقاء الأرض وبعدها. وثاني الاعتبارات، أن الإنسانية قد دخلت طور ما بعد الأمانة فقل حياؤها. أما ثالث الاعتبارات، فضرورة إيمان المرابط المقدسي بأن المقاومة المقدسية لا يحدها زمان ولا مكان، فلا تخص الفلسطيني، بل تشمل كل إنسي، وأن الأمانة التي في عنقه سرمدية يحملها الجيل من المرابطين بعد الجيل [31]. فعنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: ” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ “[32].

بناء عليه وجب على المرابط المقدسي تغيير مقصد المقاومة وكذا منهجها، فينقل مقصد المقاومة من حفظ قداسة الأرض إلى حفظ ميثاق الأمانة، إذ الأمانة التي يحملها المرابط المقدسي ليست الأمانة مجردة بل الأمانة مضافة إلى نفسها، أي “أمانة الأمانة “. فالمرابط المقدسي هو الإنسان المؤتمن على الأمانة بما هي أمانة. ويترتب على هذا أن المرابطة العالمية أضحت عملا ضروريا لطرد شبح عالم ما بعد الحداثة. وما المرابطة المقدسية إلا أنموذج للمرابطة العالمية. على أن تغيير المقصد يستلزم تغيير المنهج، عبر بث الروح الرباطية في كل مكان لدحر الاحتلال وإعادة الحياء المفقود، بالنظر إلى أن هذه الروح الرباطية من وجه أول، تؤسس القوة المادية على القوة المعنوية، فيؤثر صاحبها ثواب الآجل على ثواب العاجل، ومن وجه ثانٍ، تجمع هذه الروح بين الأساليب الجماهيرية وبين الأساليب الدفاعية. ومن وجه ثالث، التوسل بالأساليب المعنوية والمادية الى تأسيس كل رباط على حدة، مستحضرة التدرج والقابلية للتعديل. أما الوجه الرابع، فالقدرة على الابتكار بقوة، تنويعا للوسائل وتجديدا للأساليب وتطويرا للقدرات وفتحا للآفاق [33].

  • المطلب الثاني: الخاصية الاشهادية للمرابطة المقدسية ودفع إيذاء الانسان.

إذا كان المرابط المقدسي قد توسل بالإسراء سببا مقدسيا وروحيا لدفع أذى تدنيس الأرض، فيلزمه بالمقابل التوسل بالعروج كي يعيد للفطرة أصالتها. ويقوم عروج المرابط في حفط الحالة الإشهادية الأصلية [34]، حيث أشهد الحق سبحانه ذرية آدم على ربوبيته ووحدانيته، آخذا منهم الميثاق الذي يجسد الأصل في وجود الفطرة [35]، وعلامة أصالتها أنها عبارة عن إرادة الله في المرابـــــط. ومنه فإن علامة زيف الفطرة عند الحلولي المطبع هي كونها إرادة غير الله فيه، وهذا الغير ليس إلا المحتل الإسرائيلي.

وينقسم المطبعون الحلوليون عند طه عبد الرحمن حسب نفوذ تأثيرهم إلى فئتين: الأفراد والأنظمة ” , الأمر الذي يستلزم نوعين من المقاومة، مقاومة تجليات الإرادة الإسرائيلية في السلوك التطبيعي، ومقاومة تجلياتها في التدبير التطبيعي [36].

  • مقاومة تجليات الإرادة الإسرائيلية في السلوك التطبيعي.

يؤدي تزييف الفطرة بالمطبع إلى السلوك بصفة تضاد على الأقل قيمة من قيمه. ولما كان التزييف قد بلغ ذروته، فقد وضع الفرد خيانة نفسه عبر تعبيدها لغيرها، فانقلبت قيمه وانسلبت فطرته. فصار على المرابط المقدسي تحرير الفرد المطبع من هذه العبودية عبر كشف دلائل التعبيد في سلوكه، والآثار السلبية التي يحدثها في إنسانية المطبع.

تتمظهر الدلائل من خلال نوعين من الفقدان، يرتبط الأول، بفقدان الشعور الائتماني بالحرية. فينظر المطبع الفرد إلى الحرية على أنها مكسب سياسي قابل للتعويض والترك، بمقدار ما يعتقد المطبع تحصيله من المصالح المادية. ويرتبط الثاني، بفقدان الشعور بالحرية السابقة على الائتمان، فيفقد المطبع الفرد الحرية في اختيار حريته، أو يفقد ” الحرية في الحرية“. وهذا غاية العبودية للإرادة الإسرائيلية، حتى لو خيرته بين التطبيع وعدمه لآثر التطبيع [37].

أما الآثار السيئة التي يحدثها التعبيد في إنسانية المطبع، فيمكن حصرها في أثرين: أولهما، أن خيانة المطبع لنفسه خيانة لماهية الإنسان بما هي محددة ملكوتيا بالأمانة. والثاني، أن المطبع اختار أن يخون نفسه. ومعلوم أن الخيانة المختارة ليس فوقها خيانة، لأن اختيارها يضاد الاختيار الأصلي لحمل الأمانة. منزلا الخيانة منزلة الفطرة الأصلية من الإنسان.

أمام هذه الحالة الاختيانية، يحتاج المرابط المقدسي أن يفصل المطبع عن التعلق بعاجل المصالح، وتحويل وجهته إلى مصالح أخرى من جنسها. إن لم تحفظ حريته وتمنع خيانته، فإنها قد تدفع أذيته عن الإنسان، فضلا عن الإنسان الفلسطيني، إلى حين أن يعود إلى رشده [38].

  • مقاومة تجليات الإرادة الإسرائيلية في التدبير التطبيعي.

لا يقف أذى الإرادة الإسرائيلية عند مستوى الفرد، بل يتعداه إلى مستوى تدبير الحكم بأوصاف تضاد القيم الفطرية. فيقع الحاكم المطبع في خيانة نفسه بتعبيدها للإسرائيليين، وفي خيانة المحكومين من خلال تعبيدهم للإسرائيليين. وبالتالي معاناة المجتمع من ظلمين، تعبيد الحاكم نفسه للإرادة الإسرائيلية، وتعبيد الشعب لهذه الإرادة بعدم حفظ الأمانة التي في ذمته، وهي “حفظ العدل“. لذا صار لزاما على المرابط المقدسي العمل على تحرير الحاكم من ظلمه عبر كشف دلائل التعبيد المزدوج، وكذا مساوئه.

أما الدلائل، فتتجلى حسب الأستاذ طه في فقدان الشعور الائتماني ب” العدل“، واعتباره محض تدبير سياسي يقوم على إعطاء كل ذي حق حقه، شأنه في ذلك شأن أي تدبير سياسي دهراني. بل إن الحاكم المطبع من فرط تعلقه بقوام التدبير السياسي الذي هو الملك، صار لا يبالي حتي بالرقابة البشرية، فأضحى لا يراعي في تدبيره لا عدلا ائتمانيا ولا عدلا دهرانيا [39].

أما الآثار السيئة التي يحدثها تعبيد الحاكم المطبع للإرادة الإسرائيلية، فتتراوح بين فقدان الإحساس بقيمة الإنسان في نفسه وفي غيره، والظلم المطلق على الآخرين من أبناء شعبه وغيرهم.

ولا مخرج للحاكم المطبع من هذه الحالة إلا المرابط المقدسي، لدرايته بحقيقة التطبيع وكذا امتلاكه لوسائل التصدي له. ولا يتم ذلك إلا من خلال توعية الحاكم بأخطار التطبيع على حكمه أولا، وتوعية المجتمع الذي يديره الحاكم المطبع بآثار التطبيع على كيانه ثانيا.

ويعمد المرابط المقدسي إلى توعية الحاكم باخطار التطبيع على حكمه، إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تبعا لمقدار تبعيته للإرادة الإسرائيلية. فيبدأ بتبصيره بالمخاطر التي يحيكها الإسرائيلي حتى يأخذ حذره، ثم تنتقل به إلى الكشف عن المزيد من مكر الإرادة الإسرائيلية، إلى خطوة ثالثة قد تنهض به للتحرر من تلك الإرادة.

أما توعية المجتمع بآثار التطبيع على كيانه، فيأتيها المرابط المقدسي بشروط ثلاثة، هي عبارة عن اشكال ثلاثة من الوصل. أولها، إعادة تأسيس القيم على الصفات الإلهية، عبر إحياء القيم الأصلية المنافية للمصالح والمكاسب المادية. إذ الأصل في القيم التي تفضي إلى التحرر هو الثبات والبقاء، وما تلك إلا الصفات الإلهية التي تدل عليها الأسماء الحسنى. أما الشرط الثاني، فيقتضي إعادة تاسيس الإسلام على الصبغة المقدسية، من خلال ربط الصلة بين بيت المقدس والدين الإسلامي. أو بعبارة أدق، إعادة صياغة العلاقة بين الإسلام والصبغة المقدسية التي تمثل الموروث الروحي الذي اختص به بيت المقدس، والذي أسهم فيه كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، بغية الخروج من التصور الضيق الذي يجعل الإسراء والمعراج مجرد معجزة أو مجرد طور من أطوار الدعوة، إلى تصور أوسع، يجعل الصبغة المقدسية روح الإسلام نفسها، بحيث لا إسلام بغير هذه الصبغة. لذا، ينبغي زرع الاعتقاد بأن روح الإسلام التي لا إسلام بدونها هي ” إسلام الوجه لله”، وأن ” إسلام الوجه لله ” هو التعبير القرآني عن الصبغة المقدسية [40]. ويقوم الشرط الثالث على إعادة تأسيس الروح على القرب الإلهي. إذ أن تجديد الإنسان لا يتم إلا بتجديد روحه عبر دعامتين أساسيتين: الأولى، تجديد الصلة بصفات الإله بالعودة إلى أصل الفطرة والوفاء بميثاق الإشهاد، والثانية، تجديد الصلة بالذات الإلهية بالصبر على الصلاة، مجددا الوفاء بميثاق الأمانة[41]، محصلا بذلك الحالة السجودية. فيكون الشرط الثالث إذن، تحقق أبناء المجتمع المكره على التطبيع بالصلتين الملكوتيتين، الصلة بالصفات الإلهية بواسطة الملكة الفطرية، والصلة بالذات الإلهية بواسطة الحالة السجودية [42].

خلاصة:

خلاصة القول مع الدكتور طه عبد الرحمن، أن المقاربة الائتمانية للقضية الفلسطينية توجب من جهة أولى، رد صورة الإيذاء الإسرائيلي للفسطيني إلى روح الإيذاء، وهي إيذاء الإله وإيذاء الإنسان. ومن جهة ثانية، رد صورة الأرض المحتلة إلى روحها وهي القداسة، ورد صورة الفطرة المحتلة إلى روحها وهي الأصالة. مما يستلزم إعادة النظر في منهج التصدي لتدنيس الأرض بالرجوع إلى ميثاق الائتمان، والتصدي لتزييف الفطرة بالرجوع إلى ميثاق الإشهاد.


[1]. للمزيد من التفصيل في الموضوع، يرجع إلى الفصل الثاني –فلسفيات ص 33 الى ض 54- من كتابه ” حوارات من أجل المستقبل “، حيث يعزو طه عبد الرحمن غياب الإبداع في الاشتغال الفلسفي العربي إلي مجموعة من الآفات، يردها إلى اثنتين: آفة سلوكية، وتنحصر في خلط الفلسفة بالسياسة. وآفة خطابية، يقع فيها المقلدة من المتفلسفة العرب، فهي آفة الفصل بين الفلسفة والمنطق.

[2]. طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة، منشورات مركز مغارب، الرباط، المغرب، الطبعة الاولى، 1440/2018، ص، 11.

[3]. قدم طه عبد الرحمن المقاربة الائتمانية بداية في كتابه روح الدين، ثم بؤس الدهرانية ودين الحياء.

[4]، طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة، ص 12.

[5]. نفس المرجع،ص 20.

[6]. نفس المرجع، ص 13.

[7]. نفس المرجع، ص 13.

[8]. نفس المرجع،ص 20.

[9]. نفس المرجع،ص 21.

[10]. نفس المرجع،ص 21.

[11]. نفس المرجع،ص 22.

[12]. نفس المرجع،ص 22.

[13]. نفس المرجع،ص 23.

[14]. نفس المرجع،ص 24.

[15]. نفس المرجع، ص: 25.

[16]. نفس المرجع، ص: 26.

[17]. نفس المرجع، ص: 27.

[18].نفس المرجع، ص: 28.

[19]. نفس المرجع، ص: 29.

[20]. نفس المرجع، ص: 29.

[21]. نفس المرجع، ص: 30.

[22]. نفس المرجع، ص: 31.

[23]. نفس المرجع، ص: 32.

[24]. نفس المرجع، ص: 33.

[25]. نفس المرجع، ص: 36.

[26]. نفس المرجع، ص: 40.

[27]. نفس المرجع، ص: 42.

[28]. نفس المرجع، ص: 43.

[29]. نفس المرجع، ص: 45.

[30]. نفس المرجع، ص: 48.

[31]. نفس المرجع، ص: 50.

[32]. رواه الإمام أحمد في المسند.

[33]. طه عبد الرحمن، نفس المرجع، ص: 51.

[34]. نفس المرجع، ص: 52.

[35]. ” وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ ” سورة الأعراف، الأية 172.

[36]. نفس المرجع، ص: 54.

[37]. نفس المرجع، ص: 55.

[38]. نفس المرجع، ص: 56.

[39]. نفس المرجع، ص: 57.

[40]. نفس المرجع، ص: 60.

[41]. إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” سورة الاحزاب، الاية: 72.

[42]. طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة، ص: 61.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.