منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تجديد الوعي القرآني “معركة الوعي بالقضية الفلسطينية” (2)

د. عبد الرحيم خطوف

0

كانت فلسطين وما زالت قضية مركز القضايا العربية والإسلامية ومشروعا أساسيا في التراث الفكري والسياسي المناهض للاستكبار العالمي، ولمَ لا وهي المعضلة المركزية عند المسلمين، تبدأ معركة تحريرها الطويلة بصناعة الوعي وتجديد التوعية بقضية فلسطين عند أجيال الحاضر والمستقبل، فما هي حدود معركة تجديد الوعي؟ وما دوره وأهميته في قضية شهدت مؤامرات عالمية وأحداث تاريخية كبيرة؟ ولماذا التركيز على الوعي القرآني؟ وما علاقة هذا الوعي بمركزية القضية عند في الحاضر والمستقبل؟ وما هي الأساليب الناجحة لتجديد وعي الأجيال الجديدة؟

1. تجديد الوعي القرآني:

مشروع الوعي له أهمية كبيرة في كسب المعارك التاريخية، خصوصا إن تعلق الأمر بطبيعة النفس البشرية الماكرة، لذلك اهتم القرآن الكريم بقصص بني إسرائيل، كما أحصى جرائم اليهود عبر التاريخ، لتحقيق الوعي وتجديده عند المسلمين استعدادا للمعركة الفاصلة مع اليهود الصهاينة، معركة مع من اعتدى على فلسطين واغتصب أرضها وهجر سكانها، هنا يأتي دور قصص بني إسرائيل في القرآن، في بناء الوعي، حيث “لن يسلحنا للمعركة المصيرية مع بني إسرائيل إلا الوعي القرآني بمن هم اليهود في تاريخ النبوات.”[1]

نقل لنا القرآن الكريم صورة حية للغطرسة اليهودية الصهيونية وقسوة قلوب بني إسرائيل في قصص عديدة، هذه القسوة لم توصف بها أمة من الأمم في التاريخ، قال تعالى: “ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون.”[2]

الآية جاءت في عناد بني اسرائيل وضربت مثلا بليغا في قسوة قلوبهم؛ فإن غطرستهم امتدت على طول التاريخ، وإن التعصب والغرور والاستكبار تعدى الحدود إلى الأنبياء وإبطال الحق من وإنكار نعم الله. تعالى.

المزيد من المشاركات
1 من 63

لقد ظهر هذا الجحود والغطرسة مع المسلمين ونافقهم ضدهم في كثير من المواقف، فمن جانب فقد عقدوا معاهدات مع المسلمين ومن جانب آخر كانوا يطعنونهم بخنجر الخيانة من خلفهم، إن العداء للمسلمين وعنادهم لم تنته أبدا ولا زال مشهودا في عصرنا هذا، بل هذا العدوان الحالي على غزة وقتل سكانها بلغ ذروته، ويمكن القول. إن أكبر صفعة نالتها الأمة الإسلامية كانت من بني إسرائيل ومن الصهاينة، إنهم منشأ الفساد والقتل والنزاعات والاختلافات والفحشاء واللامبالاة، إن انتهاكاتهم ومظالمهم لو جمعت في مكان واحد لأصبحت كتاباً ضخماً بل كتباً. إن قسوة قلوبهم بلغت درجة حيث لا يرحمون حتى أنبيائهم فضلا عن غيرهم، وقد حمل منهم نبيهم موسى عليه السلام الكثير.

2.الوعي بمركزية فلسطين:

لقد أصبحت قضية فلسطين قضية مركزية عند أغلب رواد الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر،  فكان هذا الإجماع كفيل أن يوقظ الوعي العام، ويجعل فلسطين “المحور التاريخي الذي أخذ العالم الإسلامي يدور حوله باحثاً عن اتجاه إيجابي جديد.”[3]

فلسطين معضلة المسلمين المركزية حاليا، وهي “المعضل المحوري المركزي، الهم الدائم، هم فلسطين وكارثة فلسطين،”[4] عليها تدور كل جهود الصادقين من أهل الفكر وجهاد الكلمة والسياسة لتحرير البلاد الإسلامية من مخلفات المؤامرات الاستعمارية والخيانات العربية.

من شروط المعركة الفاصلة في فلسطين امتلاك مشروع تحرري واستنهاض الإدراك والوعي، لأن دولة اليهود العبرية صاحبة مشروع، لذلك فالمعركة بين مشروعين متناقضين، مشروع صهيوني عدواني مقابل مشروع إسلامي تحرري، هذه هي معادلة المعركة الحقيقية، معركة بين “تنبؤ يهودي بمملكة صهيون الألفية، ومع الإسلام وعد الله بالخلافة على منهاج النبوة.”[5]

3.تنوع أساليب الوعي:

العوامل التاريخية لضياع فلسطين وطول الصراعات ساهمت في حصول حالة من اليأس والاستسلام لما وقع ويقع في فلسطين، إن حصول هذه الحالة هي الهزيمة الحقيقة أمام المشروع اليهودي الصهيوني، فكيف نواجه هذه الحالة المرضية؟

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

إن المدخل الحقيقي للمواجهة الحضارية يكمن في صناعة الوعي وتجديده في العقول، وهذا بدوره يقتضي تنوع أساليبه، فقه أحداث التاريخ، إدراك المشروع اليهودي، الاهتمام بالأحداث المعاصرة، مقاومة الرجال التاريخية، تناقضات معايير حقوق الإنسان.

فقه أحداث التاريخ: إن استرجاع أحداث التاريخ يجدد وعينا بالقضية المصيرية، ويعيدنا إلى المسار الصحيح وبداية إدراك الجرح الفلسطيني، لرسم خطة المستقبل وإلا أخطأنا الطريق، لذا “علينا فهم التاريخ والاستعداد لموعود الله بالشرط المذكور في القرآن.”[6]

إدراك المشروع اليهودي: يظهر من خلال الأصول اليهودية أن فلسطين ليست سوى مقدمة نحو تأسيس مشروع (إسرائيل الكبرى) مشروع نجده مرسوما في خرائطهم، حيث يضم جزء كبيرا من المشرق العربي، مثل دول مصر وسوريا والأردن والعراق وغيرها.

الاهتمام بالأحداث المعاصرة: معلوم أن الأحداث المعاصرة في فلسطين مرتبطة بما حدث في التاريخ، ومنها هذا العدوان الغاشم على غزة، ومن خلال المتابعة والاهتمام بهذه الأحداث  يحصل كمال الوعي التاريخي وارتباط الماضي بالحاضر، فالعدوان سبقه ما سمي بصفقة القرن الحالية أو تصفية قضية فلسطين مؤامرة لم تأت من فراغ، إنما سبقتها مؤامرات كبرى تم عرض بعض منها فيما سبق.

مقاومة الرجال التاريخية: معرفة مقاومة وجهاد رجال التاريخ هو وقود المعركة في الحاضر، لذا وجب التذكير بمقاومة الرجال في التاريخ، أمثال صلاح الدين الأيوبي، وعِز الدين القسام أب المقاومة ضد اليهود في فلسطين، والمقاومات السياسية أبرزها مقاومة السلطان عبد الحميد حيث رفض بيع فلسطين، موقف جد مشرف من السلطان التركي تجاه فلسطين، “فقد ساق إليه اليهود قناطير الذهب ليسمح بوجود يهود فيها، فأبى الرجل إباء قطع كل محاولات الإغراء، وأحبط جميع المؤامرات لشطر العالم الإسلامي بهذا العنصر الغريب.”[7]

كادت مقاومة السلطان أن تنجح حيث “فكر اليهود في إقامة وطن مؤقت في سيناء أو يوغنده، ولكن المؤتمر اليهودي السادس المنعقد سنة 1903م رفض هذه الفكرة وأصر على أرض فلسطين.”[8]

خطورة موقف السلطان على المشروع اليهودي، حرك اليهود فدبروا خططهم بليل، وتسارعت الأحداث الحاسمة بعد ذلك، فتم خلع السلطان عبد الحميد، ثم جاء إعلان وعد بلفور سنة 1917م بمنح فلسطين لليهود، ثم هجرة اليهود لفلسطين في ظل الانتداب البريطاني، أعقبها انسحاب بريطانيا سنة 1948م من فلسطين، “ليتمكن منها اليهود بعد ذلك، واتفاق المعسكرين الشيوعي والرأسمالي على الاعتراف بإسرائيل وتدعيمها.”[9]

تناقضات معايير حقوق الإنسان: الوعي بهذه التناقضات له أهميته الخاصة في إحراج العنصر اليهودي والاستكبار العالمي الداعم لقضيتهم، “ففلسطين شاهد أول على ازدواج المعيار الذي به تكال حقوق الإنسان، لليهود المستهترين بمآت القرارات من الأمم المتحدة الحق في هتك المسلمين،” [10] وإذا أحصينا الانتهاكات التي لحقت حق الإنسان في الماضي والحاضر نصل إلى خلاصة مفادها: لا توجد قضية من قضايا حقوق الإنسان في التاريخ الإنساني يظهر فيها انتهاك حقوقه، والإعراض عن قيم العدل والمساواة، وتحدي القوانين والأعراف الدولية مثل القضية الفلسطينية.

إن قضية فلسطين احتلت مكانة كبيرة عند المسلمين، لذلك فهي معضلة المسلمين المركزية، لهذا فإن مشروع صناعة الوعي وتجديده شرط أساسي لتحرير فلسطين، تحرير قضية الأمة من قبضة اليهود الصهاينة مؤقتا في انتظار وعي المليار ونصف المليار مسلم بهويتهم الحقيقية، وقضيتهم المصيرية، والإعداد للمعركة الفاصلة، تحرير الأمة.


 [1]. ياسين عبدالسلام، الإسلام وتحدي الماركسية، ط1. 1987م. ص: 68

 [2]. سورة البقرة، الآية: 74

 [3]. ابن نبي، مالك وجهة العالم الإسلامي، ص: 107

 [4]. ياسين عبدالسلام، العدل الإسلاميون والحكم، دار الآفاق، لبنان، ط3، 2001م، ص: 68

 [5]. ياسين عبدالسلام، سنة الله،  ص: 191

 [6]. ياسين عبدالسلام، الإسلام والحداثة، ص: 131

 [7]. الغزالي محمد، قذائف الحق، دار القلم، دمشق، الطبعة: الأولى، 1991م ص: 161

 [8]. العباد البدر عبد المحسن، الإسلام والحركات الهدامة المعاصرة، منشورات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: السنة السابعة، العدد الثالث، محرم 1395هـ يناير 1975م، ص: 28

 [9]. جريشه علي محمد، أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي، دار الوفاء للطباعة والنشر – مصر، الطبعة: الثالثة 1979م، ص: 41

 [10]. ياسين عبدالسلام، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1،  1994 م ص: 212

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.