منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الوعي بالأسباب التاريخية “معركة الوعي بالقضية الفلسطينية” (1)

د. عبد الرحيم خطوف

0

كم نحن في حاجة إلى الوعي بالقضية الفلسطينية وتجديده، وما يجري الآن من محاولة تهويد القدس والمسجد الأقصى وعدوان غاشم على غزة يحتاج إلى تجديد الوعي بالقضية الفلسطينية، ومعرفة عميقة للأزمة التاريخية التي ولدت هذه الأحداث الحديثة والمعاصرة.

إن القضية الفلسطينية ليست قضية الإنسان المظلوم المغتصب في أرضه ومصير حياته، المحروم من تقرير مصير كرامة العيش تحت سقف سماء الحرية السماوية وفوق أرض أجداده ووطنه التاريخي، بل هي قضية أمة شهد تاريخها انكسارا في فلسطين فكان له وقع على كل البلاد العربية والإسلامية، وصل إلى حد تصفية القضية الفلسطينية أو ما يعرف بصفقة القرن بمباركة دول عربية وتطبيعها مع الكيان الصهيوني، فكيف ضاعت فلسطين؟ وما هي الأسباب التاريخية الحقيقية لضياعها؟ وكيف حدث الجرح العميق في جسم الأمة؟ وما هو المخرج من هذه الأزمة التاريخية العميقة؟

الوعي بالأسباب التاريخية للجرح الفلسطيني وضياعها عامل أساسي في المعركة الحضارية الإسلامية للقضية الفلسطينية، الوعي بالعوامل التي أدت إلى ضياع فلسطين وهي أسباب تاريخية ثلاثة، كانت وما تزال عوامل حاسمة في القضية الفلسطينية، دعم الاستكبار العالمي، وخيانات زعماء العرب، وقوة إرادة اليهود وتخطيطهم المحكم.

1 . دعم الاستكبار العالمي:

قضية فلسطين ليست قضية مثل باقي القضايا الصغيرة والبسيطة فهي قضية كبيرة ومعقدة، لذا كان لابد من العودة للذاكرة التاريخية، الوعي بأسبابها الحقيقية. إن قضية فلسطين متجذرة في التاريخ حيث تمتد إلى الروح الصليبية التي سكنت في قلوب أصحابها منذ حروبها، فبعد “تسعة قرون، وبعد حروب بين النصارى انتهت بحربين عالميتين يتصالح أهل الكفر ويحتلون الأرض المقدسة في فلسطين يسكنون فيها حلفاءهم اليهود.”[1]

المزيد من المشاركات
1 من 63

في العصر الحديث تجددت الروح الصليبية وشعرت أوربا بالذنب فحاولت تعويض اليهود على ما حصل لهم، حيث “أن الأوربيين عرضوا على اليهود أن يقيموا دولتهم في أستراليا فرضي بعضهم وأبَى أكثرهم، وأصروا على فلسطين واستكبروا استكبارا، وكان ما كان،”[2] من إصرار على أرض فلسطين.

كانت المؤامرة جاهزة لتسليم فلسطين لليهود بعدما حصل الانتداب البريطاني، حيثالتقى الاضطهاد العنصري بالفرصة التاريخية لتسكت السياسة الاستعمارية البريطانية الطموح اليهودي،”[3] فالانتداب البريطاني كان مدخلا لاستيطان اليهود في فلسطين.

جاءت اللحظة الحاسمة لتنفيذ خطة المؤامرة الماكرة بالانسحاب البريطاني الغادر وتوطين اليهود في فلسطين وحدوث النكبة، “حدث ذلك في فلسطين عام 1948 عندما غادرها الجيش البريطاني على رؤوس الأصابع، ليترك الشعب الفلسطيني تحت رحمة رشاشات المنظمات الإرهابية الصهيونية،”[4] منذ ذلك الوقت أصبحت الدول الكبرى التي مهدت الطريق لدخول اليهود لفلسطين ملزمة بحمايتها ورعاية مصالحها.

2. خيانة زعماء العرب:

إن كان اليهود قد وجدوا الدعم القوي من حلفائهم الغربيين، فإن الفلسطينيين وجدوا من حولهم كيانات عربية ضعيفة ساهمت إلى حد كبير في تقوية العنصر اليهودي، هذه الدول العربية تتحمل بشكل كبير الهزائم المتتالية أمام كيان مصطنع غرسته الدول الكبرى في فلسطين، حيث “اجتمع سبع دول عربية لمحاربة الصهيونية في فلسطين، وكانت هذه الدول العربية عليلة الروح،”[5] هذه هي “حقيقة الهزيمة في حرب 1967م في فلسطين، وهكذا ضاع ما كان لهذه الصدمة من أمل في بعث الرؤية الجديدة لمستقبل الأمة العربية.”[6]

لم يتوقف الأمر بوجود كيانات هزيلة ساهمت في محنة وجرح فلسطين، وإنما تعدى ذلك إلى خيانات زعماء العرب للقضية، خيانات للأسف كانت سببا في ضياع فلسطين، خيانة “القيادة السياسية التي قادتنا في معركة فلسطين، وإلا ما كان يستطيع تشرشل أن ينفذ خطته ولا الاستعمار أن يحقق أهدافه،”[7] وهكذا توالت الخيانات العربية لفلسطين، “فبعد خيـانة القـادة الذين سلحوا جنودهم سنة 48 ببنادق معطوبة وذخائر فاسدة، غابَ الجنرالات المصرية عن ميدان القتال أثناء هجوم إسرائيل الصاعق سنة 67 وانهمكت في لذاتها الآثمة.”[8]

ينضاف إلى خيانات الزعماء العرب لفلسطين، خيانة القومية العربية من النصارى العرب، “فها هم يتحالفون مع اليهود، ويعود النصر إلى معسكر أهل الكتاب متجسدا في تركيز دولة اليهود.”[9]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

3 . قوة التخطيط والتنظيم اليهودي:

في المعارك الكبرى فإن مشروع صناعة الوعي يحتاج إلى العمل بالأولويات، فالأحداث التاريخية لها أهميتها في استرجاع الذاكرة الجماعية، لكن الأولى منها معرفة قوة الخصم والعدو في المعركة، وعلى تحقق المعرفة الدقيقة لهذه القوة رهان تشكيل الوعي الحقيقي، لذلك نمر “سريعا على الأحداث، فهي معروفة مأساوية محزنة، لنتفرغ لقراءة البرنامج الصهيوني والنفسية الصهيونية والأساليب الصهيونية استعدادا لوعد الآخرة”[10]

قوة اليهود تكمن في التخطيط والتنظيم والنفوذ، في سنة 1897م اجتمعت في مدينة بال بسويسرا الجمعيات الصهيونية برئاسة زعيم الصهيونية ومؤسسها وموحدها هرتزل، واتخذوا قرارات سرية جعلوها برنامجهم المستقبلي.

من كتابهم العنصري المقدس، استمد اليهود هذه القوة، قوة في برنامجهم وتخطيط مشاريعهم المستقبلية، هذه الأصول اليهودية تسربت إلى أعماق العقلية الغربية.

العوامل التاريخية الثلاثة السابقة هي التي حسمت قضية فلسطين لصالح العنصر اليهودي، وحدوث الجرح الفلسطيني الذي ما زال نزيفه إلى حد الآن، والذي نراه الآن من تهويد للقدس وعدوان على غزة، فبعد تحالف ثالوث العداء والخيانة ضاعت فلسطين، وتأسست دولة اليهود الدينية.

وتبقى القضية الفلسطينية قضية مركزية لتحرير الأمة من قبضة الاستكبار العالمي والقبضة الصهيونية، وهي المعضلة الكبرى أمام الأمة الإسلامية.

إن صناعة الوعي وتجديده يشكل مدخلا أساسيا في مشروع تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، لأن الوعي بالأسباب التاريخية التي ساهمت في الجرح الفلسطيني سلاح أساسي في معركة تحرير فلسطين، لكن دعم الاستكبار العالمي، وخيانات زعماء العرب، وقوة إرادة اليهود وتخطيطهم المحكم عوامل ثلاثة ساهمت في تقوية العنصر اليهودي واحتلال فلسطين، في حين ساهمت في إضعاف الطرف الفلسطيني.


 [1]. ياسين عبدالسلام، تنوير المومنات، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1996م، ج 1، ص: 85

 [2]. المغربي السموأل، بذل المجهود في إفحام اليهود، دار القلم – دمشق، تقديم وتخريج النصوص عبد الوهاب طويلة، الطبعة: الأولى، 1410هـ – 1989م، ص: 161

 [3]. ياسين عبدالسلام، الإسلام والحداثة، مطبوعات الهلال، وجدة، ط1، 2000م . ص: 124

 [4]. ابن نبي مالك، بين الرشاد والتيه، دار الفكر – دمشق سورية، الطبعة: الأولى، 1978م، ص: 31

 [5]. الندوي علي أبو الحسن، إلى الإسلام من جديد، دار القلم للنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة: الرابعة،1979م، ص: 87

 [6]. ابن نبي مالك، بين الرشاد والتيه، ص: 10

 [7]. بن نبي مالك، الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، دار الفكر الجزائر، الطبعة: الثالثة، 1408 هـ = 1988م ص: 108

 [8]. ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص: 126

 [9]. ياسين عبدالسلام، الإسلام والقومية العلمانية، دار الخطابي للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط1. 1989م.ص: 111

 [10]. ياسين عبدالسلام، سنة الله، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط 1، 2005م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.