منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مكانة سلك الآداب في الدولة و المجتمع

مصطفى اسماعيلي / مكانة سلك الآداب في الدولة و المجتمع

13

مكانة سلك الآداب في الدولة و المجتمع

مصطفى اسماعيلي

 

جل التلاميذ و الطلاب في التوجيه، ما إن تذكر لهم سلك الآداب و العلوم الانسانية حتى يتراجع الواحد منهم تلو الآخر خطوات إلى الوراء، أو ينظر إليك نظرات استغراب و يقول في نفسه أو جهرا: أتهزأ بي؟ أم تراك تتهمني في ذكائي و تتمنى لي قبر الآداب و مسالكه !. هذا ما يجول في مخيال الجمهور الأعظم من شباب الأمة و رجالها و نسائها، و يزيد من تأكيد هذا الأمر؛ اشتراط المعاهد و المدارس العلمية لمعدلات عالية و اختبارات قبلية و مقاعد محدودة، و في كثير منها رسوم عالية، فيما تجد كليات و مدارس الآداب لا تشترط أي معدل، و مقاعدها غير محدودة في أكثر مسالكها، فيكون بالنتيجة أن يتوجه أصحاب المعدلات العالية للمدارس العلمية و التقنية و يبقى غالبا في المسالك الأدبية أصحاب المعدلات المقبولة.

لا أحسب أن هذا التصور جاء من فراغ، بل وراءه و لا شك أيادي تمارس فنون التجارة و تجيد تقنيات العرض و الطلب، فتُحسِّن مسالك دون أخرى لدى الطلاب و أولياء أمورهم، لحاجة في نفس يعقوب.

لفهم هذا، نلقي نظرة في الدولة؛ فنجد غالبية رجالاتها و مسيريها من سلك الآداب؛ فالقاضي بكل رتبه رجل قانون أدبي، و جل الوزراء و من يقف خلفهم من خريجي  العلوم السياسية و ما يتشعب عنها، و حتى رئيس الدولة أو من يحكما تجده من خريجي مسلك من مسالك الآداب و العلوم الانسانية؛ التي تُعنى بسياسة الناس و تاريخهم و حضارتهم و مختلف شؤنهم الخاصة و العامة. بل حتى ساسة العالم هم أدبيون في مشربهم باستثناء المجال الاقتصادي ذو الأصل العلمي له دور بارز في السياسة العامة لكن يبقى تحت التوجه السياسي لكل دولة.

المزيد من المشاركات
1 من 55

هذا بعض من أثر سلك الآداب على مستوى الدولة، فلماذا هذا التهميش المتعمد؟ ولماذا هذه الحملة في التنقيص من شأن الشعب الأدبية؟.

لنفهم أكثر، ننظر في المجتمع و من يؤثر فيه، فلا نجد غير الأدبيين؛ هم المؤثرون والفاعلون و الموجهون الحقيقيون للمجتمع. فهذا الصحفي؛ رجل الإعلام يخاطب الناس من أقصى البلاد إلى أقصاه، أدبي الأصل و المشرب. و خطيب الجمعة؛ خريج الدراسات الاسلامية أو العلوم الشرعية له دور أساسي في توجيه سلوك الناس و عقائدهم و تحديد الخطأ من الصواب عند المجتمع. و المسرحي و الفنان أدبيان يعملان ليل نهار في تكوين المجتمع و تثقيفه وفق منظور معين. و هكذا نجد أيضا آخرون، ممن له دائرة محدودة كالأستاذ وآخر له دائرة أوسع كالمدير و الموجه التربوي و الاجتماعي. وفوق كل هؤلاء، نجد الكاتب و المفكر المبدع الذي يعد المادة الأدبية من نص أو قصة أو تحليل للواقع مع طرح البدائل، يؤثث المشهد الاجتماعي و السياسي في الحاضر و مستقبل الأمة برمتها.

أما خريجو المسالك العلمية، من مهندسين و أطباء و أطر تقنية و غيرهم؛ فلا يعدو تأثيرهم في محيط محدود جدا أو منعدم. لأنهم ببساطة نوع من أنواع الحرفيين بمستويات مختلفة، تبدأ بالتقنيين؛ ذوي المهارة اليدوية إلى المهندسين برتبهم المتفاوتة ممن يخططون و يبرمجون.

فلماذا إذا هذا الازدراء بمسلك الآداب؟ مع ما له من أثر بالغ في الحفاظ على هوية المجتمع و تطوير كفاءاته الأخلاقية و توجيه اهتماماته اليومية و المستقبلية.

أما إذا قلبنا صفحات تاريخ المجتمعات، سواء منها العربية أو غير العربية، فإننا نلاحظ أن رجال التغيير و الاصلاح كلهم أدبيون. ففي المغرب على سبيل المثال وفي القرن العشرين فقط، ظهر المجاهد الكبير؛ الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي و هو قاض، واجه دولتين بجيش تقليدي و لم يهزم إلا بالأسلحة الكيماوية المحظورة. ثم برز في السياسة علال الفاسي وهو فقيه، ثم ملء الساحة الفكرية و السياسية الإمام عبد السلام ياسين و هو مفكر إسلامي و أخصائي في التربية. وفي الفلسفة و السياسة وضع محمد عابد الجابري لمسته الخاصة في العقل العربي… و غيرهم. وفي الجارة بالجزائر علا صوت عبد الحميد بن باديس؛ خريج مدرسة الشريعة بالزيتونة. و في أرض الكنانة، بادر بالإصلاح محمد عبده و جمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا و محمد الغزالي… و كلهم أبناء الأزهر الشريف. و في الشرق الإسلامي الشيعي ثار على التقاليد العمياء المفكر الأديب علي شريعاتي؛ معلم الثورة الإيرانية… و اللائحة طويلة.

مجرد جرد هذه الأسماء كفيل بأن يفك بعض خيوط اللعبة، و يفتح أعيننا على جزء من الحقيقة، فكل هذه الشخصيات و أمثالها لم تتمدرس على يد المستعمر و لا على أذناب المستعمر من بني جلدتنا، ذلك أن المستعمر لبلاد المسلمين لم يخرج إلا بعد أن وضع البرامج، خاصة منها التعليمية وفق استراتيجية تضمن له استمرارية تبعية المجتمعات العربية الاسلامية، و ذلك من خلال طمس الهوية و تجفيف منابع الإصلاح.

عملت الشعوب العربية على الاستقلال من الاستعمار أواسط القرن العشرين. فحرروا الأرض ولم يتحرروا من التبعية للمستعمر في الثقافة و الاقتصاد ونمط الحياة الاجتماعية و السياسية؛ ذلك أن الآلة الاستعمارية وضعت برامج و مؤسسات لكل هذه المجالات لتضمن استمرارية تبعية المجتمعات المستعمرة لتضمن استمرارية مصالحها، و جعلت فوق كل هذه المنظومة، حكاما أو حكومات تمثل امتدادا للمستعمر و بدعم منه. فكان من ضمن أولوياتهم ضرب ثقافة المجتمعات و طمس هويتها، و لن يتأتى لها هذا إلا بتهميش مسلك الآداب؛ فهي إذا خطة لإبعاد نجباء الطلاب و أفذاذهم عن هذا المسلك الأساس، إنه وأد الإصلاح من مولده، و إنه دفع المجتمعات للارتماء في أحضان ثقافة المستعمر، و إنه ..و إنه..

إن إهمال مجال الآداب له ضريبة غالية على المجتمع و الدولة، باعتباره المؤطر لمختلف شؤون الحياة الاجتماعية و السياسية. و نرى اليوم جليا، و على أكثر من صعيد مجموعة من الاختلالات ليس لها من تفسير إلا ضعف مردود المجال الأدبي في مجتمعاتنا، خاصة في الأخلاق العامة و الإبداع و القيم الانسانية و حتى مختلف ميادين الانتاج.

من ضعف إنتاجاتنا الأدبية نضطر للهجرة الأدبية و الفنية، و الغالبية ترتمي في أحضان ثقافة المستعمر؛ و ذلك مبتغاهم.

من ضعف تأثير الانتاجات الأدبية، ضعفت المواطنة، فلا غيرة على الوطن و لا حب للوطن؛ فكثر الفساد و المفسدون، و انعدم الاحساس بالمسؤولية، و الجميع يتمنى الخروج من الوطن كرها أو زهدا فيه.

من ضعف الانتاجات الأدبية، تدنت القيم في المجتمع؛ فلا احترام للإنسان و لا للقانون، فلا نكاد نحصي ضحايا حوادث السير، و لا ضحايا الرشوة و الابتزاز، وشاع بيع الذمم حتى رخصت إلا ممن رحم الله.

من ضعف الانتاجات الأدبية، ندُر وجود المصلحين، و غابت القدوة الصالحة بين الناس أو كادت، و هذا مرمى كيدهم  ضد هذه الأمة…

رغم كيد الكائدين، لا تعدم أمة رجالا صالحين، هم بمثابة النبتة الصالحة؛ ستزهر و لو بعد حين. و ما نراه اليوم من تعالي أصوات بعض المفكرين و الغيورين ضد سياسة تهميش اللغة العربية و إضعاف الهوية الوطنية؛ علامة نستبشر بها خيرا سيسطع على الأمة و مستقبلها. إن كل خير يرجى للأمة ليس له مجرى إلا من خلال شبابها، و أنه آن الأوان ليعرف الطلاب أهمية و مكانة الشعب الأدبية في مسار عزة الامة و رفعتها و استرداد مكانها بين أمم العالم…و الله من وراء القصد و هو يهدي السبيل.

 

 

13 تعليقات
  1. خالد بنماغة يقول

    مقالة جديرة بالاهتمام والنشر والمشاركة، لأنه بالفعل مما عمت به البلوى أن لا مكان ولا مستقبل لمن يلج ويختار هذه التوجهات الأدبية. لا فض فوك أستاذي الكريم.

  2. رشيد الساقي يقول

    موضوع يستحق اهتمام المعنيين بقطاع التربية والتعليم في بلدان الغالم العربي الإسلامي في الظروف والشروط الصحية مع وجود الإرادة الصادقة لتوفيرها.
    وللأسف هذه الإرادة التغييرية الأصلاحية الصادقة هي الغائبة تقريبا عن حكام البلدان العربي.
    والأمل في طاقات الأمة من أصحاب أصحاب القلوب والضمائر الحية ،والله المستعان وهو سبحانه الموفق لكل خير.

    1. محمد اسماعيلي يقول

      موضوع حديث العصر وما يحتاجه شبابنا من اجل التوعية حقا للتوجه الى هذا المسلك وتصحيح مسارهم ومسار البلاد. أحسنت يا استاذي العزيزي انت دائما مبدع فأكمل في ططريقك نحو المجد

      1. فاطمة الزهراء يقول

        جزاك الله خيرا على هذه المبادرة مزيد من التالق والاسثمرار.

  3. محمد اسماعيلي يقول

    موضوع حديث العصر وما يحتاجه شبابنا من اجل التوعية حقا للتوجه الى هذا المسلك وتصحيح مسارهم ومسار البلاد. أحسنت يا استاذي العزيزي انت دائما مبدع فأكمل

  4. مريم يقول

    مقال فتح اعيننا على مسلك الادب واهميته وفقك الله الى كل خير مزيدا من الكتبات

  5. امينة يقول

    احييك أخي مصطفى على تناولك لهذا الموضوع الذي نعيش تفاصيله في حياتنا اليومية، مع كامل للأسف انفصلنا عن هويتنا العربية المسلمة وتشبعنا بأفكار غربية، الخوف كل الخوف على أبنائنا..

  6. محمد يقول

    شكرا، جزاك الله خيرا ❤️

  7. محمد كوثر يقول

    مقالة يستحق الإهتمام، لأنه لا مكان ولا مستقبل لمن يلج ويختار هذه التوجهات الأدبية، و شكرالك لقد استفدت

  8. خديجة الخودي يقول

    بالفعل هناك نية مبيتة يقصد منها جعل شعب الآداب والعلوم الإنسانية وجهة لكل تلميذ حصل على معدلات دنيا في حين كنا نرى سابقا اوائل التلاميذ في الإعدادي والثانوي يختارون التوجه الأدبي رغبة لا اضطرارا

  9. كريمة يقول

    مزيدا من التألق والاستمرارية.

  10. الأسعد سهام يقول

    هذا المقال يحثنا على التفكير وإعادة النظر في التوجه الأدبي وكذلك تشجيع أبنائنا وشبابنا في اختيار سللك الآداب والعلوم الإنسانية
    بالتوفيق

  11. محمد الاسعد يقول

    هدا هو الموضوع اللدي يجب التطرق إليه في مقررات المدارس على المستوى الإعدادي و التانوي. بارك الله فيك موضوع جميل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.