منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة : الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني/ الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد

0

خطبة : الالتفات في الصلاةاختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني 

 

الحمد لله الذي جعل الصلاة رأس العبادات، وأمر بالمحافظة عليها بالشروط والأركان والأوقات، وفضل جماعتها على سائر الجماعات، ونهى عند أدائها عن الاستدارة والالتفات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الأفعال والأسماء والصفات، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد السادات، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ما دامت الأرض والسموات.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

قدمنا لكم في الجمعة الماضية أن النبيﷺ معصوم من الذنوب، لا حظ فيه للشيطان، والعصمة خاصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما نحن فللشيطان فينا حظوظ حتى في صلواتنا، ومن حظ الشيطان في صلواتنا الالتفات، وقد سألت أمنا عائشة -رضي الله عنها- النبيﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقالﷺ: «ذلك اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» رواه البخاري والنسائي.

المزيد من المشاركات
1 من 45

والالتفات في الصلاة أربعة أنواع:

الالتفات بالقلب، أو بالعين، أو بالوجه، أو بالجسد؛ والالتفات بالعين والوجه والجسد دليل وعلامة على الالتفات بالقلب؛ كما جاء في الأثر: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه».

● النوع الأول: الالتفات بالقلب؛

وهو التفكر في أمور دنيوية لا علاقة لها بالصلاة؛ وهذا أمر غالب ومسيطر ومهمين، لا يستطيع أغلب الناس الفرار منه أو الانفكاك عنه؛ فبمجرد أن يرفع أحدنا يديه مكبرا تكبيرة الإحرام، مباشرة يَحْضُر الوسواس الخناس، ويُحَضِّر أجهزته الكاملة المتهورة، ليحرك بها ذاكرة المصلي، فيوجهها نحو التفكير في غير الصلاة؛ من الأموال، والأحوال، والأولاد، والأعمال، والأشغال؛ روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال: قال رسول اللهﷺ: «الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله ‌خنس وإذا غفل وسوس»، وروى الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول اللهﷺ قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان، فلبَّس عليه: حتى لا يدري كم صلى؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس»؛ أي: فمن وقع له سهو فزاد أو نقص في الصلاة بسبب ذلك فليسجد سجود السهو.

وعند التفات القلب يكون للمصلي أحد الحالتين:

• الحالة الأولى:

أن يكون في صراع ومواجهة مع هذا الوسواس الخناس؛ بحيث يأخذ بزمام ذاكرته الجامحة كلما ذهبت به للتفكر في غير الصلاة؛ ليردها إلى مسارها، حتى ترجع المياه إلى مجاريها؛ فالمصلي في هذه الحالة قد تلبس بعبادتين في عبادة واحدة، عبادة الصلاة، وعبادة جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر، وبذلك يحقق لنفسه أجرين، ويضرب بحجر واحد عصفورين كما يقال، وهذا المستوى في الصلاة لا يصل إليه المسلم إلا بالتمرين والتدرب عليه بالتزامه حتى يترسخ في ذاكرته.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

• الحالة الثانية:

أن يسمح المصلي لذاكرته بمغادرة الصلاة، لتسبح به في بحور من الأحلام والأوهام، تدخل وتخرج دون أن يصدر منه أي محاولة لكبح جماحها، ولِفَرْمَلة انحرافها كما يقال؛ فالمصلي في هذه الحالة قد ارتكب مكروها وصلاته صحيحة ولكنها ناقصة؛ لقول الله تعالى: {‌قَدۡ ‌أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ}.

● النوع الثاني: الالتفات بالعين؛

بحيث ينظر المصلي بعينيه يمينا وشمالا وأسفل وأعلى، وينتظر أي تحرك بجانبه ليوجه إليها بصره فاحصا متفحصا؛ فيكون قد ارتكب مكروها وصلاته صحيحة ولكنها ناقصة؛ روى البخاري عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال النبيﷺ: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، -فاشتد قوله في ذلك، حتى قال-: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لتُخطَفَنَّ أبصارهم»؛ وفي حكم الالتفات بالعين الالتفات بالسمع؛ بحيث يوجه أذنه وانتباهه لمن يتحدث بجانبه.

● النوع الثالث: الالتفات بالوجه؛

بحيث يدور بوجهه وعينيه معا؛ فيكون قد ارتكب حراما وصلاته صحيحة ولكنها ناقصة؛ روى أبو داود والنسائي عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال: قال النبيﷺ: «لا يزال الله عز وجل مقبلا على العبد وهو في صلاته، ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه»؛ وفي حكم الالتفات بالوجه الالتفات باليدين؛ فبعض الناس تراه يكثر من تحريك يديه وهو في الصلاة؛ مرة يصلح ثيابه، ومرة يسوي طاقيته أو شعره، ومرة يلعب بلحيته؛ روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما-: قال: «أمرنا النبيﷺ أن نسجد على سبعة أعضاء، ولا نَكُفَّ شعرا ولا ثوبا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين».

● النوع الرابع: الالتفات بالجسد؛

بحيث يدور بجسمه كله عن الاتجاه للقبلة؛ فإن فعل ذلك سهوا كان عليه سجود السهو بعد السلام، وإن كان عمدا فقد ارتكب حراما وبطلت صلاته؛ لأنه أخل باستقبال القبلة وهو شرط؛ قال الله سبحانه: {فَوَلِّ وَجۡهَكَ ‌شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ ‌شَطۡرَهُۥ}.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ قد فرض الله تعالى علينا الصلاة، وأمرنا بالمحافظة عليها، وحذرنا من تضييعها، فقال سبحانه: {فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوۡفَ ‌يَلۡقَوۡنَ غَيًّا}، وقال تعالى: {فَوَيۡلٌ لِّلۡمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ ‌سَاهُونَ}؛ والمحافظة عليها تتحقق بالمحافظة على خمسة أمور: شروطها؛ كالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة، وأركانها؛ كالفاتحة والركوع والسجود، ووقتها؛ {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا ‌مَّوۡقُوتٗا}، وجماعتها؛ وهي أفضل من صلاد الفذ بسبع وعشرين درجة، وخشوعها؛ {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا ‌عَلَى ‌ٱلۡخَٰشِعِينَ}؛ فمن أخل بشروطها أو أركانها ارتكب حراما وبطلت صلاته، ومن أخل بوقتها ارتكب حراما وصحت صلاته ولكنها ناقصة، ومن أخل بجماعتها ارتكب مكروها وصحت صلاته ولكنها ناقصة، ومن أخل بخشوعها وخضوعها فإنه يدخل ضمن الالتفات في الصلاة.

ولا يمكن أن نُؤَثِّر في الصلاة ولا أن نَتَأَثَّر بها إلا إذا بنيت على أسس ثلاثة: عبادة الجسد بالحركات والأقوال؛ من القيام والركوع والسجود والجلوس والقراءة والذكر والدعاء، ثم عبادة العقل بالتدبر والتفكير وأقل التدبر أن تستحضر في ذهنك أنك في الصلاة، ثم عبادة الروح بالخضوع والخشوع؛ وقد كان النبيﷺ يستعيذ بالله من الصلاة من غي خشوع؛ روى أبو داود وابن حبان عن أنس -رضي الله عنه- أنهﷺ قال: «اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع، وأعوذ بك من صلاة لا تنفع، وأعوذ بك من دعاء لا يسمع، وأعوذ بك من قلب لا يخشع».

والخشوع في الصلاة أداة عظيمة من أدوات الإصلاح؛ فالإنسان الخاشع لله يعلم أن الله تعالى يراه فيتوب إليه ويقتلع من ذنوب كان يرتكبها، والإنسان الخاضع لله تعالى لا يخدع عباد الله، والإنسان الخاشع للواحد الأحد لا يغش أحدا؛ وإنما تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر بخشوعها وخضوعها؛ يقول الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}.

ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.