منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مصيبتنا في صلاتنا للشيخ العلامة محمد عبد الرحمن ولد فتى

عبد العزيز ثابت / مصيبتنا في صلاتنا للشيخ العلامة محمد عبد الرحمن ولد فتى

0

مصيبتنا في صلاتنا للشيخ العلامة محمد عبد الرحمن ولد فتى

بقلم: الأستاذ عبد العزيز ثابت

 

من على منبر الخميس وفي محاضرة له بعنوان “خطر الذنوب و المعاصي” يفتح الشيخ محمد عبد الرحمن ولد فتى قوسا في مستهل كلامه ليقف على موضوع بالغ الأهمية يتناول فيه التنبيه على جريرة الإسراع في الصلاة و مسؤولية الإنكار على أهلها، و يفصل في ذلك فيما يلي:

1- الإسراع في الصلاة يفضي إلى البطلان.

2- القدوة في الصلاة و مسؤولية الإنكار على المسيء.

المزيد من المشاركات
1 من 27

3- حقيقة الاتباع في العلم و العمل بمقتضى السنة.

4- لزوم التناصح في باب الصلاة و مخالفة الشيطان.

5- التخفيف في الصلاة بين فهم المسرعين و سنة سيد الخلق أجمعين.

6- الحرص على صلاح الأعمال سبيل للنجاة من سوء المآل.

7- في بيان قوله تعالى: “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر”

1- الإسراع في الصلاة يفضي إلى البطلان.

أحب أن أذكر المسبوقين الذين يسرعون في بقية صلواتهم و يبطلون ما مضى و ما حضر على أنفسهم أن خطر الذنوب و المعاصي من أشده الإسراع في الصلاة الذي يفضي بها إلى البطلان. فالصلاة أول ما يكتب في صحائف الناس، فإن صلحت صلح العمل كله و إن فسدت لم يُنظر لصاحبها في عمل.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 18

2- القدوة في الصلاة و مسؤولية الإنكار على المسيء.

و النبي صلى الله عليه و سلم أمر العباد بقوله:”صلوا كما رأيتموني أصلي”، و كان صلى الله عليه و سلم أخف الناس صلاة في تمام، و كان الواقف خلف النبي صلى الله عليه و سلم في الصلاة يقدر على تدبر كل كلمة من القرآن يقرؤها رسول الله صلى الله عليه و سلم لأنه كان يعطي الحروف حقها و يقرأ السورة القصيرة فتصير طويلة من طول قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

و لاشك أن بعض المسبوقين في هذا المسجد في هذه الصلاة التي خرجنا منها حالا عمدوا إلى أمور قطعا لاشك أنها أجمعت الأمة على بطلان صلاة صاحبها.

و الأدهى و الأمر أنهم خرجوا بسرعة فلو أدركتهم لبينت لهم قدر المستطاع لأن هذا واجب شرعي في عنق كل أحد لكل مسلم تبطل صلاته بين يدي المسلمين لا يجوز له أن يسكت لأن النبي صلى الله عليه و سلم كان أحسن خلق الله خلقا و بعث ليتمم مكارم الأخلاق فلما جاءه المسيء صلاته يريد أن يسلم عليه قال له: “ارجع فصل فإنك لم تصل”، و رجع و صلى و أتاه و قال له: “ارجع فصل فإنك لم تصل”، حتى قالها ثلاثا و اعترف المسيء بأنه لا يعلم غير ذلك، علمه الرسول الله صلى الله عليه و سلم و بين له بيانا شافيا باقيا في الأمة إلى أن يرث الله الأرض و من عليها و هو حجة على جميع الخلق.

3- حقيقة الاتباع في العلم و العمل بمقتضى السنة.

فعلينا يرحمكم الله أن نتعاون على هذه الصلاة الضائعة بيننا و هو أمر لا يلتفت إليه أحد، فالشيخ الكبير الذي يُقرئ الناس الصلوات في الكتب المعتمد إقراؤها في بلدنا يخرج من الدرس و يسرع في صلاته أمام تلاميذه فيظن التلميذ و يتربى على أن هذه الصلاة هي من محض التقليد و ليس الأمر كذلك فالصلاة لابد فيها من اتباع النبي صلى الله عليه و سلم كغيرها و صلاته مدونة في الصحاح و السنن و المسانيد و لا عذر لأحد في جهلها و يجب على كل أحد تعلمها و يجب عليه العمل بها بمثل ما عمل به رسول الله صلى الله عليه و سلم، و لا يجوز لأحد أن تستخفه ريح الطيش التي استخفت كثيرا من الناس، و لا يجوز له أن يبدل دنياه بآخرته فقد ورد في الأثر الذي أخرج القاضي أبو نصر رحمه الله في صحيفته أن النبي صلى الله عليه و سلم خطب متوكئا على طلحة، مستندا على طلحة و قال: “أيها الناس أقبلوا على كل ما كلفتموه من أمر آخرتكم و أعرضوا عما ضمن لكم من أمر دنياكم و لا تستعملوا جوارح غذيت بنعمته في التعرض لسخط الله بمعصيته، و اجعلوا همكم ابتغاء مغفرته فإنه من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الآخرة و لا يدرك من الدنيا ما يريد، و من بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا و أدرك من الآخرة ما يريد، “و ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا و أعظم أجرا و استغفروا الله إن الله غفور رحيم”، و قال تعالى:”و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان و اتقوا الله إن الله شديد العقاب”

4- لزوم التناصح في باب الصلاة و مخالفة الشيطان.

فعلينا أن نتوب إلى الله و علينا أن نصلي كما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي، و علينا أن نأمر بالمعروف و ننهى عن المنكر و أن ينبه بعضنا بعضا فالناس و الحمد لله فيهم خير و هذا أمر مشرع، لكن كثيرا من الناس تربى على التقليد في هذه المسألة فرأى أناسا يثق فيهم يعملون مثل هذا العمل في صلواتهم فتربى على هذا الأمر، و هذا الأمر يحبه الشيطان، و ما كان محبوبا عند الشيطان لازم دائما أن يبدل أقصى الجهد على العبد أن يكون على هذه الحال حتى يوافي الخالق يوم القيامة صفر اليدين من الحسنات، و هذا مراد الشيطان لأنه يريد من أبناء آدم أن يكونوا معه في قعر النار، فلا تعطوا، يرحمكم الله، قيادتكم لعدوكم الذي أمركم رب العالمين أن تتخذوه عدوا: “إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير”

5- التخفيف في الصلاة بين فهم المسرعين و سنة سيد الخلق أجمعين.

كذلك المهتدون هم عمار المساجد و لاشك أن السكوت على المنكرات ليس من صفات المهتدين، و إذا كانت المساجد مهملة لا يؤمر فيها بمعروف و لا ينهى فيها عن منكر، يتكلم الناس فيها كثيرا و لكنهم لا يلتفتون إلى الصلاة، أنتم ترون المساجد مشحونة من المواعظ لكنها لا يتكلم فيها أحد و لا ينتقد فيها أحد الصلاة، بل يتقدم الإمام أمام المئات من الرجال الذين فيهم العالم و فيهم المتوسط و فيهم الجاهل و يصلي بهم أربع ركعات في خمس دقائق فسافلا و لا يتكلم أحد، بل الذي يلفت النظر أنه إذا سلم لا تسمع إلا وضع النعال بشدة عند أبواب المساجد كأن الناس كانوا في نار يتقلبون فيه، فلا يستطيع أحد منهم أن يمكث دقيقة واحدة في المسجد و لا يتكلم أحد، و لكنك ترى الواحد إذا أطال بالنسبة إلى هذا التقصير سجوده أو ركوعه ترى المسجد و قد استعرت فيه نيران الفتن، و كل واحد يكون محدثا: من صلى بالناس فليخفف، لكنه لا يأتي بأول الحديث و لا بآخره، و لو أتى بأوله أو آخره لكان حجة عليه، فعلينا أن نتوب إلى الله، و يجد الكثيرين من المعاونين له على هذه المسألة:

من صلى بالناس فليخفف، و كأن التخفيف أمر غير مفهوم، التخفيف من الأمور النسبية، صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم خفيفة، صلاته المغرب بسورة الأعراف من التخفيف في الصلاة، صلاته بالصافات من التخفيف كما بين عبد الله بن عمر، صلاته بالطور في المغرب من التخفيف الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كون الركوع و السجود و القيام من الركوع و الجلوس بين السجدتين و غير ذلك من أمور الصلاة قريب من السواء إلا القيام و القعود، قال البراء بن عازب: ما خلا القيام و القعود، يعني القيام للقراءة و القعود للتشهد الأخير و ما بعده من الأدعية، هذا أطول و لكن الصلاة الأخرى كانت متناسبة، فصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم كانت قريبة من السواء.

6- الحرص على صلاح الأعمال سبيل للنجاة من سوء المآل.

هذه الأمور ينبغي يرحمكم الله أن نلتفت إليها قبل أن يودَع كل واحد منا في حفرة مهجورة بقواتم الأعماق لا يؤنسه فيها إلا عمله، و لا يبقى معه إلا عمله. يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان و يبقى واحد، يتبعه أهله و ماله و عمله فيرجع اثنان و هما الأهل و العمل: الأهل قصارى عملهم إذا بلَّغوه موضع الدفن فيهيلون عليه التراب و ينقلبون إلى أهلهم و ذويهم و شاههم و مأكولاتهم و قد أودع هو في حفرة مهجورة بقواتم الأعماق لا نعلم عنه شيئا و لا يصحبه فيها إلا عمله. و كأن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه صور هذه المسألة و نقلها عنه بعض التابعين أن هذا الميت، صورة هذا الميت إذا حضرته المنية يلتفت إلى ماله و يقول له: جمعتك و قمت عليك و ضننت بك على غيري و هأنذا قد نزل بي ما ترى فمالي عندك؟ فيقول له: لا تحية بيني و بينك إنما أنا لأقوام هم جالسون عندك ينتظرون خروج روحك من بدنك ليمدوا أيديهم إلى أموالهم. و في هذا الوقت حجر الشرع عليه بالتعامل، لم يعد قادرا أن يهب أو أن يبيع و لا أن يشتري لأنه نزل به الموت، و أوائل الموت إذا نزل لا يقدر على التصرف في ماله. فيلتفت إلى الأهل: كنت أحبكم و كنت أعمل من أجلكم و كنت أعطيكم و كنت أحاول أن أكلأكم و أحفظكم و قد نزل بي ما ترون فما لي عندكم؟ فيقولون له: لك عندنا أن نقوم عليك في مرضك و إذا مت أن نكفنك و نغسلك و نصلي عليك ثم ندفنك في التراب. هذا لا يسمن و لا يغني من جوع، هذا يفعله الأباعد، من مات و وجده قوم لا يعرفونه غسلوه و كفنوه و دفنوه، هذا أمر يفعله كل بعيد كما يفعله كل قريب، لا فائدة فيه تذكر، لكن يلتفت إلى العمل: قد نزل بي ما ترى، ما لي عندك؟ لك عندي أن أثبتك عند خروج الروح من البدن، و أن أكون معك في قبرك لتجيب الملكين السائلين، يضاء بي القبر و أؤنسك في قبرك. فيتمنى في هذا الوقت أن يكون بذل الجهد و العمر في جمع ما يكون معه أنيسا في قبره، و يكون معه في هذه الأوقات الصعبة يرحمكم الله.

7- في بيان قوله تعالى: “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر”

و أُمُّ هذه الأمور و أبوها و أولها بعد الشهادتين الصلاة، هذا هو مقام الأدب { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر }. الذي جعلنا اليوم كثير منا يصلي و يأكل الربا، و يصلي في المساجد و يتوضأ و يكذب و يغش و يدلس و يفعل غير ذلك من المنكرات، و ربنا قال: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر }، لأن الصلاة على حقيقتها لم تأت، و الذي نأتي به هو الصورة، فلو أتينا بالحقيقة لتأدبنا بآداب هذه الصلاة كما بين ربنا و قال: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر }، و هذه الجملة مصدرة بإن المكسورة الهمزة المشددة و هي من أدوات التأكيد، و كلام ربنا { لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد }.

و لاشك أن من مر بهذه الآية من سورة العنكبوت لابد أن يتوقف و ينظر الواقع من حوله، أناس نراهم يصلون و نراهم لا يكادون يتخلفون عن المساجد و يتعاملون بالربا و يزنون و يغشون و يدلسون و يكذبون، كيف نوفق بين هذا و بين قول رب العالمين: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر }؟ الأمر واضح هو أن الصلاة الحقيقية لم تأت على حقيقتها و إنما أتت صورتها و الصورة لم يتكلم عليها القرآن و إنما قال: { إن الصلاة } و التعريف هنا للعهد و المعهود في الذهن هو الصلاة المبينة في كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم و التي فرضها رب العالمين على رسوله و على أمته ليلة الإسراء و تردد بين موسى و هارون يريد التخفيف منها و كانت خمسين صلاة أولا، فلم يزل ينقص خمسا خمسا حتى قال: هن خمس بأجر خمسين ما يبدل القول لدي و ما أنا بظلام للعبيد. خمسون صلاة اختصرها لنا ربنا في خمس صلوات في اليوم و الليلة، نقصت تسعة أعشار العدد و بقي الأجر كاملا لم ينقص منه شيء من كرم الله و إحسانه، كيف نفعل بها هذه الأفاعيل و قد نقص ربنا عنا منها خمسة و أربعين و أبقى خمسا و الأجر أبقاه كاملا و نحن مع ذلك نفعل بها هذه الأمور التي نهى عنها الله و نهى عنها رسوله صلى الله عليه و سلم؟ لا حول و لا قوة إلا بالله،

أسأل الله لي و لكم الهداية و التوفيق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.