منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أسيـر المخطوط “الأستاذ عبد العزيز الساوري”

أسيـر المخطوط "الأستاذ عبد العزيز الساوري"/ المهدي بن محمد السعيدي

0

أسيـر المخطوط “الأستاذ عبد العزيز الساوري”

المهدي بن محمد السعيدي

أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر أكادير

شرط علماء التراث شروطا عديدة لمن رغب في العناية بالتراث المخطوط، لعل أبرزها معرفة المستلزمات المتعلقة به كعلوم الآلة من لغة وبلاغة وعروض وغيرها، والإحاطة بالمعارف الأساسية من تاريخ وفكر وثقافة وآداب ودين وفلسفة وغيرها، والإلمام بمناهج إنتاج ذلك التراث، وثقافة الكتابة وأساليبها حسب المضامين والمجالات، غير أن الباحث مهما تزود من هذه العلوم وتلك المجالات لا يمكن أن يضمن التمكن من المخطوط والتمرس بفهمه والوصول إلى درجة البصر به، ما لم تكن له محبة للتراث وشغف به، تدفعه للصبر على مدارسة أسفاره، ومداومة مطالعة مظانه، زيادة على اكتساب معرفة دقيقة بالمخطوط، يستقيها من شيوخ الفن وأساتذة العلم، معاينة ومشافهة، وتحصيل مهارة يكتسبها من كثرة التجوال بين المكتبات والخزائن، وتقليب المخطوطات والنظر فيها، والتمرس في نوع الورق، وطبيعة الخط، وأشكال التزويق والزخرفة، وأنماط التسفير، فإذا حصّل الراغب تلك المعارف، وهذه العلوم، وأردف ذلك بتلك المحبة وذلك الشغف، فإذا به يرى المخطوط كائنا حيا، مخر عباب السنين، واجتاز عياء القرون، وقد تداولته أيدي نبغاء العالمين، وأنعمت النظر فيه عيون نبهاء المفكرين، ليصل بين يديه متكلما صادقا بغير لسان ومعبرا فصيحا بلا كلام.

والحق أن هذه المكانة لم تتوفر في زماننا إلا لنخبة معدودة من أهل العلم بالتراث والاشتغال بالمخطوط، خاصة ببلدنا المغرب، ومنهم السيد الفاضل المحتفى به اليوم الأستاذ عبد العزيز الساوري الذي يعد من أهل هذا الشأن ببلاد الإسلام، بل في العالم أجمع بشهادة المتخصصين في كل أقطار الدنيا، وقد تيسر له من الأسباب والأحوال ما رفعه إلى هذه المكانة الرفيعة والمرتبة السامية المنيعة، ومنها:

– الدراسة والأخذ بالمغرب على جماعة من العلماء البارزين من المغاربة والمشارقة، في الجامعات المغربية، ممن بلغوا الغاية في تحصيل التراث وفهمه، والتعامل مع المخطوط وفقهه، فتعرف بفضلهم على التراث الذي خبروه وتمكنوا منه، ونقلوا إليه شغفهم وولعهم به.

– الرحلة في طلب العلم، إلى المشرق خاصة، فأقام ببلاد الكنانة ما شاء الله له، وورد عليها وفيها بقية من العلماء المحققين، والنقاد المرزين، والباحثين المتفوقين، من مختلف الأقطار المشرقية، فأخذ عنهم وثافنهم وأكثر من زياراتهم، والتردد على مجالسهم الثرية فاستفاد وأفاد.

– الدأب على البحث والمثابرة عليه والكد في طلب المخطوطات ودراستها، ومطالعة ما تعلق بها من علوم ومعارف كثيرة، لا يستخلصها إلى من أكب على الأوراق حتى تكل منه الأحداق، وقد عاشر في سبيل ذلك جماعة من خبراء المخطوطات المتميزين وطائفة من الوراقين بالبلاد العربية، ثم زاد عليهم التعرف على المستشرقين المشهورين فراسلهم وقابلهم وقرأ مؤلفاتهم.

– الصبر والمثابرة في مجال التخصص ذلك أن الأستاذ الساوري اختار التراث المغربي الأندلسي مرتعا يجول فيه، يستقصي جوانبه، ويستكشف خباياه، فتمكن بفضل ما سبق من التمكن من مجال أبحاثه، بإخراج نصوص فريد ومؤلفات نفيسة، لم ينشر كثير منها بعد.
إن هذه السمات وغيرها، مكنت الأستاذ الساوري من الترقي عبر عقود من العمل والكد لأن يصبح من خبراء التراث المغربي الأندلسي المعتبرين، ممن لهم دراية عميقة بأعلام البلاد وأعمالهم ونفيس تراثهم، فصار مرجع الخبراء والدارسين، ومستند الباحثين والمهتمين.
هذا وإن من أهم سمات الأستاذ العزيز عبد العزيز التي مكنته من الوصول إلى هذه المرتبة صفتان عظيمتان – في نظري – رسختا له الاحترام في القلوب والعقول، وهما:

• طبيعته الاجتماعية، فلا يفتأ باحثا سائلا عن أمثاله من الباحثين يتعرف عليهم، ويتواصل معهم، مقبلا على من ورد عليه سواء كان من المبتدئين أو من المنتهين، حتى صار مكتبه بوزارة الثقافة كخلية نحل كثيرة الصادر والوارد.

• طبيعته في الإقبال على إفادة السائلين، سواء تعلق الأمر بمخطوط أو معلومة أو فائدة أو غير ذلك، وإن الناظر في كثير من المؤلفات التراثية أو التحقيقات ليجد ذكره على ألسنة المؤلفين والمحققين حامدين شاكرين له مدهم بنسخة فريدة من مخطوط، أو معلومات فريدة عنه، أو عن مؤلفه، أو مكتبة تحتوي إحدى نسخه، أو غير ذلك مما يتوقف عليه من شغف بالتراث ودراسته.

تلك لمحة  وجيزة عن الأستاذ الساوري، وقبصة من معلومات غزيرة عنه لا يفي الوقت باستقصائها، تدل على علو همته، وسمو فكرته، وحسن نيته في خدمة تراثنا المغربي الأندلسي، سيرا على نهج الرواد العظماء الكبار في الرعيل والوطني ومن جاء بعدهم من جيل الجامعيين الأجلة، حتى صار بعدهم خلفا صالحا يسير على نهجهم ويتمثل أعمالهم، وفقه الله وأعانه – وهو منصرف بالتقاعد من الوظيفة الإدارية، مقبل على التفرغ لاستكمال مشروعه العلمي الكبير، في التحقيق والتأليف، والإفادة والاستفادة، آمين والحمد لله رب العالمين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.