منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السـاجد قبل المـسـاجد

السـاجد قبل المـسـاجد/ مصطفى النعماني

1

السـاجد قبل المـسـاجد

بقلم : مصطفى النعماني

هذا العنوان ” الساجد قبل المساجد” له دلالات عميقة، واهمية قصوى، حيث إن العلمَ به، وبمقتضياته، يقي العاملين في الشان الديني الوقوعٓ في مواطن الزلل، ومكامن الخلل،ويمَكّنهم من اكتساب بوصلة الطريق، الهادية الى المنهج القويم، والصراط المستقيم.

غالبية الجمعيات الدينية على المستوى الاوروبي، تعرف هذه الاشكالية، حيث تضع في أولوياتها الاهتمام ببناء المساجد ومايتبعها من مستلزمات، وتغض الطرف – إن لم نقل تجهل – الاهتمام ببناء الساجد المؤمن الذي هو محور العملية الدينية، والعامل الحاسم في نجاح الشان الديني من عدمه.

وإن إغفال هذا المعطى عند المشرفين على المساجد، وباقي الفعاليات الموازية، يتسبب في تفريخ مشاكل عديدة، تحول دون بلوغ الأهداف المتوخاة من العملية الدينية.

في هذه الورقة، اضع بين أيدي من يهمهم الامر اقتراحات موجزة حول هذا الموضوع المهم أجملها في ثلاث نقط:

  • البناء الروحي
  • ألبناء التنظيمي
  • البناء البرنامجي

أولا: البناء الروحي

لابد للمشرفين على المساجد، ومن هم على شاكلتهم، ممن يتقلدون مواقع المسؤولية أن يضعوا في عين الاعتبار بناء النسق الروحي والإيماني للمسلم -الاوروبي -، وخاصة في ديار يغلب عليها الطابع المادي ويهيمن عليها في مختلف جوانب الحياة العامة.

ويقتضي ذلك توفير برامج تربوية مستمرة، تتوخى الارتقاء بالمسلم في سلم الإيمانيات، وإمداده بجرعات روحية تمكنه من مواجهة العواصف المادية المحيطة به من كل جانب.

ويجب الا يُفهم من الكلام، أن نؤخر بناء المساجد حتى يتحقق ماذكرناه حول بناء الساجد، وانما مقصودنا الا يشغلنا المسجد ومتطلباته عن الساجد ومستحقاته، فالأولوية تُعطى للعامل البشري ( المسلم الاوروبي )، والمسجديتبع ذلك بشكل موازي وكنتيجة طبيعية.

بعد هذا، يأتي مستوى آخر، لا يقل أهمية عن المستوى لأول، وهو ضرووة إشاعة روح الاخوة الدينية بين كافة الاطياف والعرقيات المسلمة بمختلف اصولها. ومحاولة اشراك الجميع في التسيير، وتجنب التهميش والاقصاء، مخافة السقوط في مغبةً التشرذم والخلاف.

وهذا يتوقف على وعي المشرفين على المساجد ومدى ادراكهم لاهمية الوحدة الاسلامية، ودورها في التقدم بالعمل الاسلامي نحو الامام. ومن جهة اخرى حرصهم على جعل المسجد مظلة روحية وعلمية يستظل تحت جناحها كافة الاطياف الاسلامية بمختلف مشاربهم.

ثانيا: البناء التنظيمي

ونقصد به ان نسعى جاهدين إلى تمكين المسلم ” الساجد ” من امتلاك عقلية تنظيمية، فكرا وممارسة تفاديا لآفة العشوائية والعمل الفوضوي المتسيب.

فالشأن الديني ( والمسجد جزء منه ) لايعطي النتائج المرجوة، والثمار المتوخاة الا بإنشاء هياكل تنظيمية قوية، ومؤسسات متينة، ترتب العمل وفق فقه الاولويات، وتعالج التحديات الاساسية، بدل الانشغال بالهوامش من الامور.

وأول مدخل لذلك هو تربية المسلم وتكوينه على مبدأ ” العمل المنظم ” ونبذ العشوائية في العمل. وترسيخ مبدأ سيادة القوانين ” الجمعوية ” المعمول بها في هذا الإطار.

إن من أهم الوسائل التنظيمية، التي على المشرفين على المساجد وضعها في سلم الاولويات هي مسألة تدبير امورهم الدينية بشكل ديمقراطي، ووفق القوانين المعمول بها، بخصوص الجمعيات الدينية، وفتح المجال للكل ان يدلي بدلوه، في إطار احترام قواعد الحوار المعروفة.

لكن مع الاسف الشديد، يُلاحظ ان اغلب الجمعيات الدينية تُمارس العمل الديني، وبالأخص شؤون المساجد بعقلية ماضوية متخلفة، وبنوع من الاستبدادية ” على مستوى الإشراف والتسيير. فالجمعية بدل ان تكون مؤسسة تشاركية تستوعب جميع الطاقات والكفاءات، تصبح مِلكا لأشخاص معينين، ووسيلة لجلب المصالح، وتحقيق المنافع !!

وهذه احد الاسباب التي تؤثر على ” الساجد ” ( المسلم )، فيفقد الثقة في العمل الجمعوي، وينظر إليه وإلى المشرفين عليه بتوجس وسوء ظن، فلا يفرق يبن الغث والسمين، ويضع الكل في سلة واحدة. وبذلك نكون قد فقدنا احد اهم العوامل الرئيسيّة في بناء عمل ديني راشد، ألا وهو: ثقة المسلم المؤمن الساجد.!!

خلاصة القول وزبدته هو ضرورة بناء عقلية المسلم ” الساجد ” بناء تنظيميا، وتربيته على العمل التنظيمي، والإيمان بالمؤسسات كوسيلة وحيدة لتدبير الشان الديني.

ثالثا: البناء البرنامجي

بعد البناء الروحي والبناء التنظيمي يأتي بالتوازي معه البناء البرنامجي، ونقصد به: بناء برنامج متكامل ومنسجم يعالج القضايا الملحة، والتحديات المطروحة.

فبناء المسجد ومايتطلبه من خدمات ومستلزمات هو جزء من البرنامج، وله أهمية كبيرة، لاشك في ذاك.

لكن المسلمين في ديار الغرب، تواجههم تحديات كبرى، وإشكالات عويصة، تقتضي من المشرفين على المساجد، ومن يوازيهم من الفعاليات الاسلامية، ان يشمروا عن ساعد الجد لإيجاد حلول مناسبة لها، وذلك بإحداث لجان قوية، تضم اصحاب الطاقات، وذوو الكفاءات، عبر احداث برامج واوراش تتسم بالجودة والإتقان والعقلانية..!!

وأول خطوة تجب على المشرفين على المساجد اتخاذها هي تفعيل طاقة ” الساجد ” ( المسلم )، وإشراكه في إنجاح البرامج بشتى مجالاتها، وفتح المجال لجميع ” الساجدين ” للدلو بآرائهم وافكارهم، وعدم ممارسة سياسة التهميش والاقصاء. وإن التكتلات البشرية المسلمة في اوروبا لا تخلو من طاقات مهمة، وكفاءات عالية، لا تتطلب من اصحاب الشان الديني الا فتح المجال لها، وسترى عجبا..!!

وإذا أردنا ان نذكر اهم مجالات العمل، و بعض التحديات المطروحة، والتي تتطلب ايجاد برامج جادة لها، فيمكن حصرها في الآتي:

١- مجال الطفولة والشباب

٢- مجال المراة والاسرة المسلمة

٣- مجال الدعوة وتبليغ الرسالة ( لغير المسلمين )

٤- مجال المسجد وشؤونه

٥- المجال العلمي والتكوين الشرعي

………….الخ

كل هذه المجالات. تتطلب بداية أن يتقلد امور المسلمين من لهم مواصفات معينة ك:

– القوة والامانة

– الكفاءة على مستوى العلم الشرعي، ولغة البلد

– قلب وعقل كبيرين لاستيعاب التحديات، واحتضان الجميع، وإشراكهم في الشان الديني.

بدون هذا، تبقى خطوات اصحاب الشان الديني متعثرة، وأعمالهم محتشمة، يشوبها التعثر والعشوائية، والجميع هو الخاسر في النهاية.

والحمد لله رب العالمين.

تعليق 1
  1. م.بوغابة يقول

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي مصطفى جعلكم الله منارة للعلم والمعرفة موضوع مهم جدا و قد قدمتم ثلاثية مركزة و قيمة جزاكم الله خيرا وأحسن الله اليكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.