منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4)مقصدا العدل ووضوح الأموال| سلسلة مقالات؛ المقاصد الشرعية من تداول الأموال؛

الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

(4) مقصدا العدل ووضوح الأموال

سلسلة مقالات؛ المقاصد الشرعية من تداول الأموال؛

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

 

أولا: وضوح الأموال؛

يجب إبعاد الأموال عن الضرر والتعرّض للخصومات، ولذلك شرع الإسلام الكتابة والإشهاد والرهن في التداين، فجاءت آية المداينة في سورة البقرة مفصلة وبينة لأحكام الدين.

وقد حث الإسلام على توثيق العقود، والمعاملات المالية؛ بالكتابة، والإشهاد، والرَّهن، ونحوها، والأمر بالكتابة والشهود أصله قديم قِدَم الإنسان على الأرض، أقرَّه ديننا الحنيف منذ سيدنا آدم عليه السلام، إلى خاتم الأنبياء سيِّدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن آدم عليه السلام، لمَّا أتاه مَلَكُ الموتِ، وحان أجلُه، قال: (…فَأَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فقال له آدَمُ: قَدْ عَجَّلْتَ؛ قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ؟! قال: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لاِبْنِكِ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ؛ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ؛ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، قال: فَمِنْ يَوْمِئِذٍ؛ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ)[1]، وفيما يلي بيانٌ لِمَا أمَرَ به الإسلام من أهمية الوضوح في الوعاملات المالية، فقد أمر بالتَّوثيق، ويكون بما يلي:

– الكتابة

– الرهن

– الإشهاد.

ثانيا: العدل في الأموال؛

مقصد العدل في المعاملات المالية واضح في مؤلفات علمائنا، فقد ورد التعبير عنه في كتب القواعد الفقهية بألفاظ متنوعة، ومردها إلى هذا المقصد، مثل قاعدة؛ “المعاملة مبناها على العدل”، أو المعاوضة مبناها على المعادلة والمساواة بين الجانبين أو الأصل في  المعاوضات والمقابلات هو التعادل بين الجانبين. ومن مراعاة العدل في المعاملات المالية أن نراعـيَ؛ دفع الأضرار، وحفظ المصالح العامة، فإن حرية المرء في التصرّف في أمواله مقيّدة بعدم الإضرار بالغير وألا تتعارض مع المصلحة العامة.

فالعدل في المعاملات واجب يقول شيخ الإسلام: “إن الأصل في هذه المعاوضات والمقابلات هو التعادل من الجانبين فإن اشتمل أحدهما على غرر أو ربا دخلها الظلم فحرمها االله الذي حرم الظلم على نفسه و جعله محرما على عباده فإن كان أحد المتبايعين إذا ملك الثمن وبقي الآخر تحت الخطر لم يجز)[2].

إن تصرف المرء المال في ماله مرهون بمراعاة العدل كسابا وإنفاقا، كما جاء في الحديث: (لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ؛ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ)[3]، وذلك بأن يكون حصولها بوجه مشروع، وتحريم الظلم في كل المعاملات المالية، والاحتكار وكل أشمال أكل أموال الناس بالباطل. واتفق العلماء والخبراء على منع وتحريم اقتصاد الريع، لأن فيه ظلم للعباد، وأخذ المال بطرق غير مشروعة. فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه بالعدل، كما يقول ابن القيم رحمه الله، وهو الذي قامت به السموات والأرض وكل أمر أخرج من العدل إلى الجور.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “المعاملات من المبايعات والإجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض؛ فإن العدل فيها هو قوام العالمين لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به. فمن العدل فيها ما هو ظاهر يعرفه كل أحد بعقله كوجوب تسليم الثمن على المشتري، وتسليم المبيع على البائع للمشتري، وتحريم تطفيف المكيال والميزان، ووجوب الصدق والبيان، وتحريم الكذب والخيانة والغش، وأن جزاء القرض الوفاء والحمد. ومنه ما هو خفي جاءت به الشرائع أو شريعتنا – أهل الإسلام – فإن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم: دقه وجله؛ مثل أكل المال بالباطل. وجنسه من الربا والميسر. وأنواع الربا والميسر التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم مثل بيع الغرر وبيع حبل الحبلة وبيع الطير في الهواء والسمك في الماء والبيع إلى أجل غير مسمى وبيع المصراة وبيع المدلس والملامسة والمنابذة والمزابنة والمحاقلة والنجش وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وما نهى عنه من أنواع المشاركات)[4]. ومن طرق تحقيق العدل في الأموال، نذكر ما يلي:

– تحريم السرقة والغصب، وتشريع العقوبات والزواجر المترتبة على الظلم.

– التأكيد على تحريم الربا

– الأمر بوضع الجوائح

– تحريم الاحتكار

– تحريم الرشوة.

وفي المقابل، نجد بعض الأنظمة الرأسمالية المادية، تشجع على الوصول إلى الربح، ولو على حساب المستهلكين، فتقوم بعض الشركات العملاقة بإتلاف الأطنان من الحبوب في البحار للحفاظ على الأسعار بمستويات عالية، بينما يموت جوعا الآلاف من البشر، وهذه صورة من صور اختلال العدل حين تنفلت النفوس البشرية عن منظومة القيم التي تنظم الاقتصاد والتبادل المالي.

ثالثا: الوضوح أهم صفة موجبة للعدل.

ومع وضوح الأموال فقد اتصف المال بأعظم صفة، وهي “العدل”، لأن الوضوح يعتبر من أهم الصفات الموجبة للعدل. ومثال لذلك أنّ الشرع الحكيم فرّق بين الربا والبيع، ف”أحل الله البيع وحرّم الربا”. يقول محمد الطاهر بن عاشور في هذا الصدد: الوَجْهُ عِنْدِي في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ البَيْعِ والرِّبا أنَّ مَرْجِعَها إلى التَّعْلِيلِ بِالمَظِنَّةِ مُراعاةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ حالَيِ المُقْتَرِضِ والمُشْتَرِي، فَقَدْ كانَ الِاقْتِراضُ لِدَفْعِ حاجَةِ المُقْتَرِضِ لِلْإنْفاقِ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ لِأنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ التَّدايُنَ هَمًّا وكَرْبًا، وقَدِ اسْتَعاذَ مِنهُ النّبِي ﷺ وحالُ التّاجِرِ حالُ التَّفَضُّلِ، وكَذَلِكَ اخْتِلافُ حالَيِ المُسْلِفِ والبائِعِ، فَحالُ باذِلِ مالِهِ لِلْمُحْتاجِينَ لِيَنْتَفِعَ بِما يَدْفَعُونَهُ مِنَ الرِّبا فَيَزِيدَهم ضِيقًا؛ لِأنَّ المُسْتَسْلِفَ مَظِنَّةُ الحاجَةِ، ألا تَراهُ لَيْسَ بِيَدِهِ مالٌ، وحالُ بائِعِ السِّلْعَةِ تِجارَةً حالُ مَن تَجَشَّمَ مَشَقَّةً لِجَلْبِ ما يَحْتاجُهُ المُتَفَضِّلُونَ وإعْدادِهِ لَهم عِنْدَ دُعاءِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ مَعَ بَذْلِهِمْ لَهُ ما بِيَدِهِمْ مِنَ المالِ، فالتِّجارَةُ مُعامَلَةٌ بَيْنَ غَنِيَّيْنِ، ألا تَرى أنَّ كِلَيْهِما باذِلٌ لِما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ وآخِذٌ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، فالمُتَسَلِّفُ مَظِنَّةُ الفَقْرِ، والمُشْتَرِي مَظِنَّةُ الغِنى، فَلِذَلِكَ حَرَّمَ الرِّبا لِأنَّهُ اسْتِغْلالٌ لِحاجَةِ الفَقِيرِ وأحَلَّ البَيْعَ لِأنَّهُ إعانَةٌ لِطالِبِ الحاجاتِ، فَتَبَيَّنَ أنَّ الإقْراضَ مِن نَوْعِ المُواساةِ والمَعْرُوفِ، وأنَّها مُؤَكَّدَةُ التَّعَيُّنِ عَلى المُواسِي وُجُوبًا أوْ نَدْبًا، وأيًّا ما كانَ فَلا يَحِلُّ لِلْمُقْرِضِ أنْ يَأْخُذَ أجْرًا عَلى عَمَلِ المَعْرُوفِ، فَأمّا الَّذِي يَسْتَقْرِضُ مالًا لِيَتَّجِرَ بِهِ أوْ لِيُوَسِّعَ تِجارَتَهُ فَلَيْسَ مَظِنَّةَ الحاجَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ اسْتِحْقاقِ مُواساةِ المُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ لا يَجِبُ عَلى الغَنِيِّ إقْراضُهُ بِحالٍ، فَإذا أقْرَضَهُ فَقَدْ تَطَوَّعَ بِمَعْرُوفٍ، وكَفى بِهَذا تَفْرِقَةً بَيْنَ الحالَيْنِ.

فمتى بنيت المعاملات على الوضوح وعلى العدل تحسنت طرق أدائها، وتم التبادل العادل بين المتعاملين، وحصلت الثقة بينهم؛ لأن؛ “العدالة في التصرفات المالية مصلحة لحصول الضبط بها وعدم الانضباط مع الفسقة ومن لا يوثق بهم، وبهذا تتسع دائرة الأسباب والتجارات والصناعات والحرف النافعة، ويحصل التعاون بين المتعاملين، وتقل الخصومات والمشاجرات، وتحسم المنازعات كلها أو معظمها”[5].

والحمد لله رب العالمين.


[1] – رواه الإمام الترمذي، في سننه، حديث رقم: 3368.

[2] – القواعد النوارنية الفقهية، لابن تيمية تحقيق محمد حامد الفقي. (دار المعرفة، 1399ه. بيروت). ج:1/ص: 172.

[3] – رواه الإمام الترمذي، في سننه، حديث رقم: 2416.

[4] – السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، لابن تيمية، تحقيق: علي بن محمد العمران. (مجمع الفقه الإسلامي – جدة. ط1: 1429ه). الصفحة: 211.

[5] – مقاصد الشريعة الخاصة بالتصرفات المالية، للأستاذ زغيبة. (مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث – دبي، ط1. 2001م). الصفحة: 300.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.