منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقصد السير في الأرض للتفكر وأخذ العبر؛ مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها الاجتماعي والحضاري(3)

مقصد السير في الأرض للتفكر وأخذ العبر؛ مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها الاجتماعي والحضاري(3) / أنيسة بنعيم سحتان

0

مقصد السير في الأرض للتفكر وأخذ العبر

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها الاجتماعي والحضاري (3)

أنيسة بنعيم سحتان

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها الاجتماعي والحضاري (1) مقصد تحقيق مبدأ الاستخلاف والعمران من خلال حتمية التدافع

مقصد الإصلاح الاجتماعي، مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها الاجتماعي والحضاري(2).

 

إن من مقاصد السنن الإلهية السير في الأرض بقصد التفكر في أسرار الخلق، وبقصد العبرة من العواقب الوخيمة التي نالها الظالمون والجبابرة والطغاة الآثمون، والقرآن الكريم دعانا إلى السير في الأرض في كثير من الآيات، فبإمكان الإنسان أن يكتشف سر المخلوقات وبداية الحياة من خلال السير في الأرض.

إن إلحاح القرآن الكريم على الأمر بالسير في الأرض، لا لمجرد التسلي والوقوف على مصارع الأقوام الغابرة، والنظر في عاقبة المكذبين على مدار التاريخ، ولكن للاعتبار وتجنب أسباب الهلاك التي وقعوا فيها، واكتشاف سنن الله التي لا تتعطل ولا تنخرم في التاريخ حتى لا تسقط الأمة فيما سقطوا فيه وتحصدها عجلة السنن.[1]

ولقد هيأ الله تعالى الأرض للحياة بكل أنواعها لجميع من عليهم بالحياة فيها برا وبحرا وجوا وظاهرا وباطنا، وشرفها بما لم يشرف به كوكبا آخر مع قدرته غير المتناهية على خلق ما يشاء، وذلك طبقا لمعلوماتنا المحدودة كبشر، المستمدة من كتابه العزيز وسنة رسوله وخاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم. [2]

وحيث سخر الله الأرض للإنسان وجعلها مستقره ومقامه ومهد له فيها كل ما يمكن أن ييسر سبل عيشه، دعاه إلى التنقل فيها  لاكتشاف كل ما يمكن أن يزيد من معارفه خاصة فيما يتقرب به إلى الله، سواء عل مستوى النظر في الكون من حيث ترسيخ جانب العقيدة، أو من جهة التعرف على أحوال السابقين الذين أخذهم الله بسبب ذنوبهم، للاعتبار والاتعاض وبالتالي الحذر من تكرار نفس الخطأ، والارتباط بالله أشد الارتباط. وللأسف الشديد لم يعد يهتم بهذه القضية ( السير في الأرض) إلا المتخصصين في الكشف عن صخورها وطبقاتها وصحرائها وجليدها أو ما يعرف باسم الحفريات ( بقايا وآثار الكائنات التي كانت تعيش في الأزمنة والعصور الجيولوجية القديمة ).

فإن من الظواهر التي باتت بارزة في حياتنا اليوم، ضعف اهتمامنا بمسألة السير في الأرض، والبحث والتنقيب عن السنن، التي يمكن أن تعيننا في تصريف شؤوننا المختلفة، وتذلل أمامنا الصعاب، وتيسر لنا أمر عمارة الأرض، وفق المنهج الذي يأمرنا إسلامنا بإقامته في واقع الحياة. [3]

فإن من تأمل أوامر الله بالحث على السير في الأرض بصيغها المختلفة، ليدرك عظمة هذا الأمر، وما فيه من منافع تعود على الإنسان بالخير والرضى والاقتناع، خاصة إذا عمل الإنسان على جانب الاصلاح العقدي فيه فالنظر عقب السير في الأرض يزيدك معارف وحقائق، وترتقي نفس الإنسان عن تلك النظرة القصيرة التي كان يحيى بها وسط بيئته المحدودة،” ولهذا حمل القرآن الكريم الإنسان المسؤولية لاتباع الطريق الذي رسمه في كتابه الحكيم، ودعاه إلى السير في الأرض والتفكر في آيات الكون لاكتشاف السنن الالهية الأخرى المبثوثة في الكون والمجتمعات، ودعاه إلى دراستها عن طريق تقليب النظر في الكون، وإعمال التجربة، وكل وسائل المعرفة فيه، وتسخير كل ما يصل به إلى معرقة قانون مصلحة الإنسان وسعادته “.[4]

ولأن الأرض التي خلقها الله للإنسان لكي تستقر حياته فيها ملية بمنن الله على خلقه، مكتظة بآيات خالقها التي ما إن يتفكر الإنسان فيها وفيما تقع عليه عيناه في أرجائها الواسعة لن يملك إلا أن يؤمن بالله ربا واحدا خالقا مبدعا، هذا فضلا عن آيات أخرى كثيرة، ومنن ربانية لا حصر لها، فيكون بين أمرين لا ثالث لهما: إيمان وحسن جزاء، وحسن جزاء أو نكران وسوء عقاب، وإذن فلا مفر له من أن يطيع أمر خالقه بالسير في أكناف الأرض، حتى لا يكون له عند الله حجة إذا لم يستجب لأمره ويذعن إلى الاتجاه إلى الخالق الأعظم.[5]

فالقرآن الكريم كتاب الله تعالى يحثنا على السير في الأرض ويدعوننا إلى ذلك في عدد من آيات القرآن الكريم، وحقيقة السير تقتضي الأثر والتغير الذي يحصل لدى الانسان بعد إطلاله على هذا الكون البديع، وما حل بالأمم الغابرة التي كفرت بأنعم الله، وكفرت بالله ربا، حتى إن بعض المفسرين حملوا السير على الاعتبار والتفكر فيما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل.

قال تعالى: ” قُلْ سِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ ثُمَّ اَ۟نظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لْمُكَذِّبِينَۖ” [سورة الأنعام آية 12] ، بالرجوع إلى كتب التفسير نجد أنّ أكثر المفسرين حملوا السير في الأرض على السير المعتاد فإذا ما وقفنا مع أبو المفسرين ابن جرير الطبري مع نفس الآية نجده يفسر السير على حقيقته، يقول في تفسير هذه الآية:” يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بيَ الأوثانَ والأندادَ، المكذِّبين بك، الجاحدين حقيقة ما جئتهم به من عندي “سِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ”يقول: جولوا في بلاد المكذِّبين رسلَهم، الجاحدين آياتي مِنْ قبلهم من ضُرَبائهم وأشكالهم من الناس ” ثُمَّ اَ۟نظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لْمُكَذِّبِينَۖ”  يقول: ثم انظروا كيف أعقَبَهم تكذيبهم ذلك، الهلاكَ والعطبَ وخزيَ الدنيا وعارَها، وما حَلَّ بهم من سَخَط الله عليهم، من البوار وخراب الديار وعفوِّ الآثار. فاعتبروا به، إن لم تنهكم حُلُومكم، ولم تزجركم حُجج الله عليكم، عمَّا أنتم [عليه] مقيمون من التكذيب، فاحذروا مثل مصارعهم، واتقوا أن يحلّ بكم مثلُ الذي حلّ بهم[6].

ومهما كان من تغاير المعنى في حقيقة السير فيبقى المقصد واحد وهو الاعتبار والتفكر والاتعاظ بما حل بالمكذبين والمجرمين والذين كان أكثرهم مشركين، كما وردت الآيات المتنوعة، في اختلاف الأوصاف.

وقد يختلف المعنى بحسب حروف العطف التي تأتي قبل طلب النظر، فالنظر بعد العطف ب” ثم “، ليس كالنظر بالعطف على الفاء، جاء في الكشاف للزمخشري:

” فإن قلت: أي فرق بين قوله ( فَانْظُروا ) وبين قوله ( ثُمَّ انْظُرُوا )  قلت: جعل النظر مسبباً عن السير في قوله فَانْظُروا فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين… وأما قوله:” سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ” فمعناه: إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك ب ” ثم “، لتباعد ما بين الواجب والمباح…

والخطاب في الآيات التي فيها أمر بالسير جميعها، موجه للنبي وهذا على غرار تكذيب قومه له وقولهم:” لولا أنزل عليه ملك “.[7]

وجاء في تفسير المنار: ” قُلْ سِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ ثُمَّ اَ۟نظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لْمُكَذِّبِينَۖ”  [سورة الأنعام آية 12]  ؛ أَيْ قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِلْمُكَذِّبِينَ بِكَ مِنْ قَوْمِكَ الَّذِينَ قَالُوا ” لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ” سِيرُوا فِي الْأَرْضِ كَشَأْنِكُمْ وَعَادَتِكُمْ، وَتَنَقَّلُوا فِي دِيَارِ أُولَئِكَ الْقُرُونِ الَّذِينَ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَمَكَّنَّا لَهُمْ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ، ثُمَّ انظُرُوا فِي أَثْنَاءِ كُلِّ رِحْلَةٍ مِنْ رِحْلَاتِكُمْ آثَارَ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْهَلَاكِ، وَتَأَمَّلُوا كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَتُهُمْ بِمَا تُشَاهِدُونَ مِنْ آثَارِهِمْ، وَمَا تَسْمَعُونَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ “.[8]

والسير إما للمصلحة بحيث يسعى الإنسان من ورائه للتجارة والزراعة، وإما للاعتبار ـ كما أسلفنا ـ وهذا ما نبه عليه الشعراوي في تفسيره للآية الحادية عشر من سورة الأنعام ـ التي مرت معنا ـ يقول في تفسيرها:” يعني أن الإنسان قد يسير في الأرض للتجارة أو الزراعة أو لأي عمل، وعليه أن يتفكر في أثناء ذلك وأن يتأمل، إذن فهناك سير للاعتبار وسير للمصلحة، والسير للاعتبار يعني أن يأخذ الإنسان العبرة مباشرة، أما السير للمصلحة فهو أن يأخذ الإنسان العبرة ضمن المصلحة، وكان سير قريش بقوافلها إلى الشام واليمن يجعلها قادرة على أن ترى آثار المكذبين سواء من أهل ثمود أو قوم عاد أو غيرهم، وكان عليهم أن يأخذوا العبرة في أثناء سعيهم لتجارتهم “.[9]

من خلال ما تقدّم يتضح أن الأمر بالسير في القرآن الكريم المقصود منه الاطلاع على أحوال السابقين وما حل لهم من دمار، وأن سنة الله جارية في الأمم لا تتبدل ولا تتغير ولا تختص بفترة من الفترات أو مكان من الأمكنة؛ فالسنن لا تحدها الأزمان ولا الأماكن.

وقد أمرنا الله سبحانه بالسير في الأرض للتأمل في هذا الكون الفسيح واستحضار أحوال من سبق من الأمم الغابرة التي عاشت قرونا وأزمنة بعيدة على هذه الأرض، لنأخذ الدروس والعبر، وهذا هو المقصد الأساس من سنة السير في الأرض.


[1]  مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند: العدد 6 ، مقاصد القصص القرآني ـ بقلم : الدكتور رشيد كهوس، ص:40.

[2]  المجموعة القرآنية المتخصصة (السنن الالهية في خلق الأرض): الدكتور مصطفى الشكعة / ص:843.

[3]  أزمتنا الحضارية. في ضوء سنة الله في الخلق: الدكتور أحمد محمد كنعان، ص: 32.

[4]  مفهوم السنن الإلهية في الفكر الإسلامي، حازم زكريا محيي الدين، دار النوادر، دمشق- بيروت، ط: 1، السنة: 1428ه-2007م. ، ص:38.

[5]  المجموعة القرآنية المتخصصة: ( السنن الالهية في خلق الأرض ) الدكتور مصطفى الشكعة/ ص:847.

[6]  جامع البيان في تأويل القرآن ـ محمد بن جرير الطبري ( 11 / 272 – 273 ).

[7]  الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ) ـ الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1407 هـ ( 02 / 08 ).

[8]  تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار): محمد رشيد رضا ( 07 / 268 ).

[9]  تفسير الشعراوي: محمد متولي الشعراوي، ( 06 / 351 ).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.