منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقصد الوصول إلى معرفة الخالق وتحقيق التوحيد(1) مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي

مقصد الوصول إلى معرفة الخالق وتحقيق التوحيد (1) مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي/ أنيسة بنعيم سحتان

0

 مقصد الوصول إلى معرفة الخالق وتحقيق التوحيد (1)

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها العقدي والتربوي

أنيسة بنعيم سحتان

 

لا غرو أن السنن الإلهية – على تنوعها – التي أقرّها القرآن الكريم في سياقات متعددة من آياته تتوخى تحقيق مجموعة من المقاصد والغايات السامية، أساسها وأعلاها التعرف على خالق هذا الكون البديع، مما يحقق الإقرار له بالتوحيد في ذاته وصفاته وأفعاله، كما أنَّ دعوة القرآن إلى التأمل وإعمال الفكر والنظر؛ هي دعوة لاكتشاف عظمة الخالق، الدالة على وحدانيته ذاتا وصفات وأفعالا.

وكذلك فإنَّ ” الهدف من بعثة النبي يقوم أساسا على توحيد الله تعالى، فالإيمان بالله سبحانه ربا واحدا لا شريك له، وبملائكته ورسله واليوم الآخر، هو روح الوجود وسنام العقيدة التي على مكوناتها تستقيم شؤون الكون كله والبشرية جزء منه، فالإيمان بوجود خالق لهذا الكون قضية ضرورية لا مساغ للعقل في إنكارها “[1].

يقول بديع الزمان النورسي:” فمن أمعن النظر، ودق البصر، في هذا العالم العلوي والسفلي وما احتوى من مشاهد بديعة وعجيبة لانكشفت له الحقيقة، ولكفاه الكتاب المنظور دون الارشاد إلى الكتاب المسطور، وإنما الكتاب المسطور يبقى موضحا لتعاليم هذا الدين في الحياة العملية، لكن مع ذلك ربنا الكريم لم يغفل الإشارة إلى هذا الجانب المهم، ليتقرر عند الإنسان أن خالق هذا الكون يستحيل أن يكون خالقا مثله مثلنا يعتريه ما يعرينا، فهذه الآيات وحدها كافية وداعية للوصول إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة؛ وكُلَّمَا ازْدَادَتِ الْبَصَائِرُ فِي هذا الكون تَأَمُّلًا وَتَفْكِيرًا، زَادَهَا هِدَايَةً وَتَبْصِيرًا…

ألا ترى أَن يدا خُفْيَة تعْمل من وَرَاء الْأُمُور جَمِيعهَا أَولا ترى أَن مَا لَا قُوَّة لَهُ أصلا وَلَا يقوى على حمل نَفسه يحمل آلَاف الأرطال من الْحمل الثقيل أَولا تشاهد أَن مَا لَا إِدْرَاك لَهُ وَلَا شُعُور يقوم بأعمال فِي غَايَة الْحِكْمَة فَهَذِهِ الْأَشْيَاء إِذن لَا تعْمل مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا بل لَا بُد أَن مولى عليما وصانعا قَدِيرًا يديرها من وَرَاء الْحجب إِذْ لَو كَانَت مُسْتَقلَّة بذاتها وأمرها بِيَدِهَا للَزِمَ أَن يكون كل شَيْء هُنَا صَاحب معْجزَة خارقة وَمَا هَذِه إِلَّا سفسطة لَا معنى لَهَا “[2].

ويقول أيضا:” تَأمل فِي بُسْتَان هَذِه الكائنات وَانْظُر إِلَى جنان هَذِه الأَرْض وأنعم النّظر فِي الْوَجْه الْجَمِيل لهَذِهِ السَّمَاء المتلألئة النُّجُوم تَرَ أَن للصانع الْجَلِيل جلّ جَلَاله ختما خَاصّا بِمن هُوَ صانع كل شَيْء على كل مَصْنُوع من مصنوعاته وعلامة خَاصَّة بِمن هُوَ خَالق كل شَيْء على كل مَخْلُوق من مخلوقاته “[3].

ويمكن القول أيضا بأن هذه السنن الإلهية قطعت الأعذار على الملحدين والمشككين في وجود خالق مدبر لهذا الكون، ومسير للأحداث وتعاقبها، وفق نظام شامل متصف بالحكمة المطلقة، ومن ذلك سننه سبحانه في المجتمعات والأمم، ولا شك أن تلك السنن الاجتماعية لم تصدر منه سبحانه وتعالى عبثا، بل لغايات ومقاصد، أهمها وأسماها مقصد الإقرار له سبحانه وتعالى بالتوحيد، واتصافه تعالى بصفات الكمال المطلق.

وعليه ” فالسنن الإلهية تقوم على عقيدة توحيد الله تعالى بوصفه الدعامة الرئيسية والقطب الذي تنجذب إليه كل الموجودات وتستمد منه وجودها وبقاءها ووظيفتها “[4].

هذا ولقد نثر الحق سبحانه في الكون آيات عجيبة ولكل منثور في الكون حكمة، وهذه الآيات تلفتنا إلى صدق توحيد الله والعقيدة فيه. [5]

ويمكن أن نبسط هنا مجموعة من الآيات القرآنية الدالة على عظمة هذا الكون:

يقول الله تعالى:” إِنَّ فِے خَلْقِ اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَاخْتِلَٰفِ اِ۬ليْلِ وَالنَّه۪ارِ وَالْفُلْكِ اِ۬لتِے تَجْرِے فِے اِ۬لْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ اُ۬لنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اَ۬للَّهُ مِنَ اَ۬لسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحْي۪ا بِهِ اِ۬لَارْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصْرِيفِ اِ۬لرِّيَٰحِ وَالسَّحَابِ اِ۬لْمُسَخَّرِ بَيْنَ اَ۬لسَّمَآءِ وَالَارْضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوْمٖ يَعْقِلُونَۖ” [سورة البقرة آية 163].

يقول صاحب تفسير المنار:” هَذِهِ آيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ تَشْرَحُ لَنَا بَعْضَ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ، إِثْبَاتًا لِمَا وَرَدَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ لَهُ تَعَالَى، عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي قَرْنِ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ بِدَلَائِلِهَا وَبَرَاهِينِهَا كَمَا أَلْمَعْنَا. وَهَذِهِ الْآيَاتُ أَجْنَاس مِنْهَا: خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَفِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ كَثِيرَةُ الْأَنْوَاعِ يُدْهِشُ الْمُتَأَمِّلِينَ بَعْضُ ظَوَاهِرِهَا، فَكَيْفَ حَالُ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى مَا اكْتَشَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ عَجَائِبِهَا، الدَّالُّ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَعْرِفُوهُ أَعْظَمُ مِمَّا عَرَفُوهُ مِنْهَا “.[6]

ويختم الله تعالى بالتذكير والحث على الاعتبار والإدراك لهذه الآيات، وأنها آيات يستوجب على كل إنسان أن يتدبرها ليعرف القدرة الالهية المبسوطة في هذا الكون.

فيؤكد في الختام أن هذا الادراك لا يحصل إلا لأولئك الذين ينظرون بقلوبهم ووصفهم بالعقلاء على صيغة الفعل المضارع التي تفيد التجدد والاستمرار”  لَأٓيَٰتٖ لِّقَوْمٖ يَعْقِلُونَۖ”  [سورة البقرة آية 163]

” فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي أَسْبَابِهَا، وَيُدْرِكُونَ حِكَمَهَا وَأَسْرَارَهَا، وَيُمَيِّزُونَ بَيْنَ مَنَافِعِهَا وَمَضَارِّهَا، وَيَسْتَدِلُّونَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْإِتْقَانِ وَالْإِحْكَامِ، وَالسُّنَنِ الَّتِي قَامَ بِهَا النِّظَامُ، عَلَى قُدْرَةِ مُبْدِعِهَا وَحِكَمْتِهِ، وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَعَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ بَرِيَّتِهِ، وَبِقَدْرِ ارْتِقَاءِ الْعَقْلِ فِي الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ يَكْمُلُ التَّوْحِيدُ فِي الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا يُشْرِكُ بِاللهِ أَقَلُّ النَّاسِ عَقْلًا وَأَكْثَرُهُمْ جَهْلًا “[7].

ويذكر الله تعالى في موضع آخر آية الأنفس يقول تعالى: “وَفِےٓ أَنفُسِكُمُۥٓۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَۖ” [سورة الذاريات آية 21]

ولأنه لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه، فإذا تفكر الإنسان في نفسه استنارت له آيات الربوبية وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب، وانقشعت عنه ظلمات الجهل، فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير في قائمات، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات، شاهدة لمدبره، دالة عليه مرشدة إليه. [8]

فالتوحيد إذن هو مرتكز كل الدعوات الرسالية في التاريخ ومقصدها الكلي الأساس وهو قطب الرحى الذي تدور حوله حركة الكون كلها، وتقوم عليه الخلافة البشرية في الأرض، وأي خروج عن ثوابته وضوابطه يخل بمقتضيات الخلافة، ويعرض الوجود الإنساني لأخطار محققة في العاجل والآجل، كما جاء ذلك في القرآن الكريم، وعلى لسان النبي الأمين، ومؤكد في الخبرة البشرية على مر التاريخ…، ومن أراد التأكد من حقيقة عواقب الإخلال بثوابت التوحيد ومقتضياته فعليه أن يدرس حوادث الأمم المتقدمة وما نزل بهم. [9]

وهكذا نجد أن القرآن الكريم يدعو إلى التفكّر والتدبّر في السنن الإلهية؛ كونية كانت أم اجتماعية، ليزداد قلب المؤمن إيمانا بوجود خالقه، واتصافه بالتوحيد في صفاته وذاته وأفعاله، وأيضا ليسترشد غير المؤمن إلى الوصول والإقرار بوحدانية الباري جل ثناؤه، وبهذه تحقق تلك السنن أعلى المقاصد وأسماها. 


[1]  سلسة أركان الإيمان ـ الإيمان بالله جل جلاله ـ الدكتور علي محمد الصلابي ـ الناشر: دار المعرفة ـ بيروت، لبنان ـ ط: 1 ـ ص:44. – بتصرّف -.

[2]  حقيقة التوحيد: بديع الزمان سعيد النورسي، الناشر: دار سوار للطباعة والنشر، ط: 2، 1988م، ص: 21.

[3]  المصدر نفسه: ص: 54.

[4]  علم السنن الالهية من الوعي النظري إلى التأسيس العملي ـ الدكتور رشيد كهوس، ص: 90.

[5]  المصدر نفسه، ص:91.

[6]  تفسير المنار، رشيد رضا، ( 02 / 47 ).

[7]  المصدر نفسه، ص:52.

[8] التبيان في أقسام القرآن ،: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، المحقق: محمد حامد الفقي، الناشر: دار المعرفة، بيروت، لبنان. ، ص: 190.

[9] علم السنن الإلهية من الوعي النظري إلى التأسيس العملي، الدكتور رشيد كهوس، ص: 91.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.