منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها السياسي

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها السياسي/ أنيسة بنعيم سحتان

0

مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها السياسي

أنيسة بنعيم سحتان

لاشك أن السنن الاجتماعية تمثل قانونا ثابتا ونظاما مضطردا، تسير على وفقها المجتمعات والأمم والشعوب، من حيث قيامها وسقوطها، ونهوضها وتخلفها، وقوتها وضعفها، ونجاحها وإخفاقها، وما إلى ذلك من حركة المجتمعات، مما يفسر أن هذا التغيّر العمراني والبشري تحكمه مجموعة من السنن، وبما أن المجتمعات لا يمكن أن تعيش بشكل عشوائي وفوضي كان لزاما أن تؤطّر وتُحْكم بنظام عام يسوسها نحو تحقيق الاستقرار، ومن هنا كان لمقاصد السنن الاجتماعية أثر بارز أيضا في جانبها السياسي، الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من مكونات المجتمع البشري، إذ لا يقوم مجتمع بلا سياسة تحكمه.

لذلك آثرت تخصيص هذا المبحث لبيان أهم مقاصد السنن الاجتماعية في بعدها السياسي، وذلك من خلال نموذجين اثنين؛ أحدهما ضارب بجذوره في عمق التاريخ، قبل زمن النبوة، والحديث هنا سيكون عن مقاصد السنن الاجتماعية من خلال قصة سيدنا يوسف مع ملك مصر، وثاني النماذج ليس بالبعيد جدا، بل لازال ذكره قائما خاصة بين المشتغلين بالتاريخ الإسلامي، وكلامنا هنا حول سقوط الأندلس، وتفصيل ما سبق سيكون من خلال المطلبين الآتيين:

المطلب الأول: مقاصد السنن الاجتماعية من خلال قصة سيدنا يوسف

” إن القارئ لقصة يوسف عليه السلام ليجد تضاعيف سردها التاريخي صورة للوضع السياسي التي كانت تعيشه مصر آنذاك، ولشكل النظام السياسي الذي يرأسه الملك ويعاونه رئيس وزراء، وصورة أيضا عن حياة القصر العابثة، وللوضع الاجتماعي بصفة عامة؛ حيث لم تكن المجاعات غريبة عن مصر، وصورة إغماض عين الملك عن كلّ ذلك إلى أن تفاجئه الرؤيا فترعبه، فيهرع إلى تفسيرها، ويستنجد بالملأ القريب والبعيد ليعبروها، وهذه كانت مقدمات لتمكين يوسف عليه السلام ..” [1].

وبهذه البوادر تبدأ قصة يوسف مع القيادة السياسية، بأسلوبه يجمع القيادة الصادقة والحكمة، ولا يخفى أن” القيادة الحكيمة ركن هام من أركان النّصر، ويخطئ من يظنّ أنّ أمة تستطيع أن تحقّق النصر بلا قيادة مخلصة حكيمة… ويُجمع الخبراء والمحلّلون أن القائد ليس فردا عاديا، ولا يستحقّ أحد من الأفراد أن يكون قائدا ما لم تجتمع فيه مواصفات خاصة ” [2].

وهكذا اقتضت سنة الله في المجتمع أن يرتبط نجاحه حضاريا ويحوز الريادة والتمكين والنّصر، بنجاحه السياسي؛ أي من خلال حكمة قائد ذلك المجتمع في التخطيط واتخاذ القرارات المناسبة، سواء كان ملكا أو رئيسا أو وزيرا أو غير ذلك…

” وكانت أول خطوة سياسية قام بها سيدنا يوسف عليه السلام؛ هي طلب ترشحه لشغل منصب الوزير من ملك مصر، يقول الله تبارك وتعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: “قَالَ اَ۪جْعَلْنِے عَلَيٰ خَزَآئِنِ اِ۬لَارْضِ إِنِّے حَفِيظٌ عَلِيمٞ” [سورة يوسف آية 55] ، لقد كانت خطوته السياسية هاته ذات بعد تمكيني لهذا الدين، فقد قام بذلك من أجل عقيدته ودعوته وتقديم الخير للنّاس، ولقد تحرّك يوسف عليه السلام وفق الإمكانات والظروف التي مرّ بها واستفاد من الفرصة التي سنحت له.

وهذا المسلك الذي اتخذه يوسف عليه السلام يدلنا على أن طرائق نشر الإسلام، ودعوة المجتمعات إلى الإيمان له أكثر من سبيل، كما أن هذا المسلك لا يوجد فيه تناقض بين المبدأ الذب يحمل رايته، وهو أن الحكم لله والعبودية المطلقة للواحد الدّيان وبين تولّيه الوزارة، ليجعل المجتمع أقرب إلى دعوة الله، وهذا امر لا شك فيه، لأن يوسف عليه السلام نشر دعوة التوحيد في السّجن، فكيف به وهو في سُدّة الحكم ..” [3].

ولتحقيق سياسة حكيمة ورشيدة تعود بالنفع على المجتمع، اقتضت سنة الله تعالى أيضا أن يكون التخطيط عنصرا مهما من عناصر التمكين وتحقيق النصر، والتخطيط في مفهومه المعاصر – كما عرّفه محمد بن شاكر الشريف – هو:” التفكير والتدبر الذي ينتج عنه إجراءات محددة للوصول إلى الهدف في حيز زمني معلوم عبر خطوات تراعي الإمكانات والبدائل المتاحة والعقبات التي تعترض تحقيق الهدف وكيفية التعامل معها “[4].

وقد وضع سيدنا يوسف عليه السّلام بسياسته الحكيمة خطّة استراتيجية متقنة؛ بناء على المعطيات التي استنتجها، وفقهه الدقيق للواقع، وهكذا نجد أن القرآن الكريم ” صوّر لنا الخطّة الاقتصادية طويلة الأجل التي ألهمها الله إلى ملك مصر، وفهمها النبيّ يوسف عليه السلام، وهي أول خطّة اقتصادية طويلة الأجل في تاريخ الإنسانية ذكرها الله تعالى لنا في قرآنه حتى نعتبرها مثالا يمكن الاقتداء بها لحل مشكلات مشابهة “[5].

” وهذه الخطة الاستراتيجية امتدت لخمسة عشر عاما، وشملت الإنتاج والادّخار والاستهلاك والتوزيع “[6].

وهذه تفاصيل الخطة التي اقترحها يوسف عليها السلام، كما وردت في القرآن الكريم، من خلال قوله تعالى:” قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْباٗ فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِے سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلاٗ مِّمَّا تَاكُلُونَۖ (47) ثُمَّ يَاتِے مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٞ شِدَادٞ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاٗ مِّمَّا تُحْصِنُونَۖ (48) ثُمَّ يَاتِے مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ اُ۬لنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَۖ (49( “[سورة يوسف آية 47-49].

يقول سيد قطب في الظلال، مبينا معاني هذه الآيات:” ” قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْباٗ” ؛ أي متوالية متتابعة، وهي السنوات السبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السمان” فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِے سُنۢبُلِهِۦٓ”  ؛ أي فاتركوه في سنابله لأن هذا يحفظه من السوس والمؤثرات الجوية “إِلَّا قَلِيلاٗ مِّمَّا تَاكُلُونَۖ”  ؛ فجردوه من سنابله، واحتفظوا بالبقية للسنوات الأخرى المجدبة المرموز لها بالبقرات العجاف،”ثُمَّ يَاتِے مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٞ شِدَادٞ” ، لا زرع فيهن “يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ” ؛ وكأن هذه السنوات هي التي تأكل بذاتها كل ما يقدم لها لشدة نهمها وجوعها، ” إِلَّا قَلِيلاٗ مِّمَّا تُحْصِنُونَۖ” ؛ أي إلا قليلا مما تحفظونه وتصونونه من التهامها، “ثُمَّ يَاتِے مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ اُ۬لنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَۖ “؛ أي ثم تنقضي هذه السنوات الشداد العجاف المجدبة، التي تأتي على ما خزنتم وادخرتم من سنوات الخصب، تنقضي ويعقبها عام رخاء، يغاث الناس فيه “[7].

وهذه القصة تعطينا فائدة مهمة تتجلى في أهمية السياسية الحكيمة للشخص الذي يقود المجتمع، وكذلك ترشدنا إلى أخذ العبر من هذه السنن الإلهية في الأمم والمجتمعات؛ كي نستفيد منها في الجانب السياسي؛ سواء تعلق الأمر بالتخطيط المحكم، أو الرجوع إلى أهل العلم والخبرة للاستفادة من خبرتهم وما آتاهم الله من حكمة، وهكذا يمكن أن تتحقق سنّة التمكين في الأرض.

” كما تجلي لنا هذه القصة أثرا آخر لسنة التمكين في سياسة يوسف الصّدّيق الاقتصادية، إذ وسعت نشاطها خارجيا، لذلك فكّر سيدنا يوسف عليه السّلام بتوسيع خطّته الاقتصادية، وأصبح الفائض في مصر هو ملك لكل النّاس ويحقّ لأي كان أن يأتي ليأخذ الطّعام…وجعل لكل شخص بطاقة خاصة به حتى يعرف من خلالها أنه حصل على الطّعام كي لا يحصل أيّ نوع من الفوضى …” [8].

وهكذا نخلص إلى أن السنن الإلهية تظهر مقاصدها أيضا في المجال السياسي الذي لا غنى لأي مجتمع عنه، بل ولا قيام للمجتمعات إلا بسياسة تنظم العلاقة فيما بينهم، وقد اقتضت سنة الله أن يكون التمكين في الأرض لسيدنا يوسف من خلال سياسته الرشيدة، التي تجلت في التخطيط المحكم، وتدبير شؤون الناس والقيام على مصالحهم، وقد صوّر لنا القرآن الكريم تلك الحقائق، وكيف استطاعت سياسة سيدنا يوسف عليه السلام أن تحقق الأمن الغذائي للبلاد التي كان يُدِيرُ شؤون حكمها والتي كانت تعاني من الجفاف المتتابع، بل واستطاع أن يُؤمّن الغداء للبلدان المجاورة كذلك؛ وهو ما يعرف في العصر الحالي بفائض الإنتاج..

المطلب الثاني: مقاصد السنن الاجتماعية من خلال واقعة سقوط الأندلس.

لاشك أن القارئ للتاريخ والمتأمل في أحداثه وماجرياته يكاد ينظر إلى المآل في المستقبل؛” ذلك أنّ أحداث المستقبل هذه لن تتم إلا على هذه السنن الثابتة، التي جعلها الله في تبديل الأمم وتغيير أحوالها … والمؤمن العاقل هو الذي لا يبدأ من الصّفر فيكرّر كلّ ما فعله السابقون، وإنّما يقف أمام تاريخهم فيسير على درب من أصاب فأفلح، ويبتعد عن طريق المخطئين الخاسرين “..

والتاريخ الإسلامي حافل بالأحداث المؤثرة والتي شكّلت منعطفا كبيرا في مسار هذه الأمة، ولعل من أبرزها تاريخ الأندلس من النشأة إلى السقوط؛ لأنه ” يشمل أكثر من ثمانمائة سنة كاملة من تاريخ الإسلام … ولطول فترته، مرّ فيه كثير من دورات التاريخ التي أكملت ثم انتهت، فسنن الله في تاريخ الأندلس واضحة للعيان؛ فقد قام فيه كثير من الدّول وارتفع نجمها، وسقط فيه – أيضا – كثير من الدّول وأفل نجمها “[9].

ويمكن القول بأن سقوط الأندلس – كما عبّر عنه الدكتور راغب السرجاني – ” لم يكن بالسقوط المفاجئ، فقد كلن هذا متوقّعا منذ أكثر من مائتي عام “[10].

وكان ذلك راجعا لأسباب عديدة، ذكر بعضها الدكتور أبو اليسر رشيد كهوس، إذ يقول:” كان الاستغراق في الترف والتبذير والركون إلى الدّنيا وملذّاتها وشهواتها ومغرياتها، والخنوع والدعة والميوعة والفسق والفجور وحب الدّنيا وشهوة السّلطة … هي أولى العوامل التي أدّت إلى تلك النهاية المؤلمة للأندلس – بلاد العلم والفقه والحضارة – “[11].

ويقول الدكتور راغب السرجاني:” وقد تشابهت عوامل سقوط وضياع الأمم في الأندلس في كلّ فترات الضعف الأندلسي، وخاصّة في الفترة الغرناطية “[12].

وممّا ذكره كثير من الباحثين في تاريخ الأندلس وأسباب سقوطها، نجد قضية ” الترف “؛ أي سعة الرزق وكثرة الأموال، وقد كان هذا الأمر مؤذنا بفساد عظيم، وهذه سنة الله في الترف والمترفين، لذلك نجد أن عاقبة الترف والمترفين تكون وخيمة، وذلك في آيات قرآنية كثيرة[13].

يقول عبد الحليم عويس، في كتابه: التكاثر المادّي وأثره في سقوط الأندلس:” ..كان من أهم المصادر المفضية إلى التكاثر المادّي؛ سعة الأرض الأندلسية التي استولى عليها الفاتحون المسلمون…، ووقع نوع من التنافس على المظاهر بغية إظهار القوّة والعظمة في المدن الأندلسية المختلفة…، والتسابق إلى تجميع الثروات وبناء القصور الشامخة ليسكنها الأقلية من المجتمع الأندلسي، ومن مظاهر الترف في مرحلة النّاصر مثلا؛ تشييد مدينة الزهراء – قصر الزهراء – الذي كلّف الدولة ميزانية كبيرة…، وفي العهد الغرناطي بنيت الحمراء التي موهوا حيطانها بالزخرف الذهبي البديع، وكانت على الجبل المجاور للحمراء وسهوله الواسعة الأرجاء عشرات الألوف من القصور الفخام…”[14].

ومن مظاهر الترف أيضا ” تموين الجيوش وبلاطات الأمراء والأثرياء بالجواري والعبيد والخدّم “[15].

هذا وإن اصطباغ حياة الأمراء وأقرانهم بمظاهر الترف والرفاه؛ أدى إلى بروز ظواهر أخرى كنتيجة للترف حيث ظهر نوع من التحلّل الاجتماعي وبعض الشّرور..، وشاع حبّ الترف والتأنق، والموسيقى والتعلّق بالغناء، والتورّط أحيانا في الهو والمجون ..” [16].

وهذا فقط غيض من فيض، وإلا فمظاهر الترف التي كانت تسود في المجتمع الأندلسي أكثر مما ذكرت.

وما نخلص إليه أن مظاهر الترف ساقت الأندلس إلى السقوط والانهيار وإلى تلك النهاية المؤلمة، لأن الترف المبالغ فيه يؤدي إلى فساد المجتمع، ويستوجب غضب الله، فإذا وجدت تلك الأسباب حينئذ يتحقق وعد الله وكلمته، لأن أسباب هلاك الأمم سنة إلهية ثابتة لا تتغير ولا تتبدّل.

” لقد أعمى الترف حكام غرناطة عن كلّ معنى من معاني الآخرة، وعن كلّ قيمة من قيم الإسلام، وعن كلّ إحساس بالمسؤولية الإسلامية نحو الأمة المسلمة المنكوبة..” [17]، فانحرفت سلوكاتهم وتصرفاتهم عن المنهج الربّاني الصحيح، فحقّ فيهم وعد الله بالإهلاك؛ حيث ” تَقرّر سنة الله هذه في إهلاك من انغمس في الشهوات، وأسرف في الملذات، وتحلل من القيم والأخلاق ولازم الفسق والانحلال والفساد “[18].

كما أنّ حُكّام غرناطة لم يستفيدوا من دروس الهزائم التي سبقتهم، فسقطوا في نفس المنزلقات والمآزق التي وقع فيها أسلافهم، فخذلوا بسياساتهم فاتحي الأندلس وما بذلوه من تضحيات لنشر دين الله في الأرض، وخذلوا كل الأسماء التي صنعت تاريخ المجد الأندلسي..

لقد انعكس هذا الإعراض عن منهج الله بشكل سلبي على حكام غرناطة؛ فاتسمت تصرّفاتهم السياسية بالسوء والانحراف والشذوذ؛ فانشغلوا بالنزاعات الداخلية والهامشية، وصرفوا الجهود في خصومات كانت أولى أن تتحد لتواجه العدوّ، في وقت كان العدوّ يقوى والنصير يقل ..، ووقعوا المعاهدات المشبوهة والمهينة مع الملوك النصارى والتي نقضت الواحدة تلو الأخرى[19] .

وقد ترتب عن هذه السياسة أمر آخر لا يقل خطورة عمّا سلف ذكره؛ وهو تغييب فكرة الجهاد في سبيل الله رغم أن ” الجهاد سنّة ماضية إلى يوم القيامة، وقد شرعه الله ليعيش المسلمون في عزة ويموتون في عزّة، ثم يدخلون بعد ذلك الجنّة ويخلدون فيها..” [20]، فأمراء الأندلس ” نقضوا عهد الله وعهد رسوله وخانوا أمتهم ..، وتقاعسوا عن الدّفاع عن حمى الإسلام وأهلها ولازموا الذنوب والمعاصي والمهلكات فحق عليهم القول رغم كثرة عددهم “[21].

وهذا هو ” المصير الذي تحقّق في دولة الإسلام في الأندلس، لأنهم تنكبوا طريق الحق وصادموا سنّة الله في الاجتماع والبقاء، فعاقبتهم سنته..” [22].

فسنن الله الحاكمة في الكون والحياة ثابتة ومطردة، وكما حكمت على الأولين تحكم الآخرين، كلّما توفّرت نفس الشّروط والأسباب، فكل من تجبّر في الأرض ولم يستفد من سنن الله فيمن سبق من الأمم الهالكة فإنه يلقى المصير نفسه.

وهكذا ” فقد اندثرت حضارة ما عرفت أوربا مثلها من قبل؛ إنها حضارة الدنيا والدّين، وقد انطوت صفحة عريضة خسر العالم أجمع أوربّا بسببها الكثير والكثير، وقد ارتفع علم النّصرانية فوق صرح الإسلام المغلوب، وأفل وإلى الآن نجم دولة الإسلام في بلاد الأندلس “[23].

وهكذا كانت النهاية الحزينة للأندلس.

وفي الختام يمكن القول بأن سنن الله في الأمم والمجتمعات محقّقة لا محالة، والفوز والنجاة يكون لمن أخذ العبرة واعتبر.

وقد حاولت ذكر جانبين من تجليات السنن الإلهية في بعدها السياسي، أحدهما مشرق وهو السياسة الرشيدة لسيدنا يوسف، ورأينا كيف تنجح في تدبير شؤون المجتمع، وثانيهما مظلم – مع الأسف – وهو سقوط الأندلس؛ وذلك راجع بالأساس إلى الفساد السياسي في مكونات الأسر الأندلسية الحاكمة.

لنخلص في نهاية المطاف إلى أن سنن الله في المجتمعات باقية إلى أن تقوم الساعة، وأن دوام الحال من المحال – كما يقال -.


[1]  سورة يوسف دراسة تحليلية، أحمد نوفل، ص: 71 – 73 ( بتصرّف ) / أنظر كذلك: الورثة الصالحة للحضارة، فاروق حمادة، ص: 23، وما بعدها.

[2]  تبصير المؤمنين بفقه النّصر والتمكين في القرآن الكريم، عليّ الصّلابي، ص: 93 ( بتصرّف ).

[3]  تبصير المؤمنين بفقه النّصر والتمكين في القرآن الكريم، عليّ الصّلابي، ص: 93.

[4]  إدارة الدولة الإسلامية، محمد بن شاكر الشريف، ص: 18.

[5]  أبعاد اقتصادية في قصة يوسف عليه السلام في ضوء القرآن الكريم، فياض صالح علي، ص: 12.

[6]  دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، د. يوسف القرضاوي، ص: 182.

[7]  في ظلال القرآن، سيد قطب، ( 04/1994 ).

[8]  أبعاد اقتصادية في قصة يوسف عليه السلام في ضوء القرآن الكريم، فياض صالح علي، ص: 13 ( بتصرّف ).

[9]  قصّة الأندلس من الفتح إلى السّقوط، د. راغب السرجاني، ص: ( 514 ).

[10]  المصدر نفسه، ص: 715.

[11]  سقوط الأندلس من منظور السّنن الإلهية، الدكتور أبو اليسر رشيد كهوس، مجلّة الإبصار، العدد الثاني، ص: 136 – 137.

[12]  قصّة الأندلس من الفتح إلى السّقوط، د. راغب السرجاني، ص: 690.

[13]  من ذلك: الآية 16 من سورة هود / الآية 22 من سورة الزخرف / الآية 16 من سورة الإسراء / الآية 34 – 35 من سورة سبأ، وغيرها من الآيات التي تبين عاقبة الترف والمترفين، وهذه سنة الله في خلقه، وهي مضطرة ومحققة في كلّ زمن.

[14]  التكاثر المادّي وأثره في سقوط الأندلس، عبد الحليم عويس، ص: 06 – 19 ( بتصرّف ).

[15]  الأندلس في نهاية المرابطين ومستهل الموحدين، عصمت عبد اللطيف دندش، ص 285.

[16]  تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، خليل إبراهيم السامرّائي، ص: 426 – 426.

[17]  التكاثر المادّي وأثره في سقوط الأندلس، عبد الحليم عويس، ص: 24.

[18]  فقه النّصر والتمكين عند دولة المرابطين، علي الصلاّبي، ص: 210 ( بتصرّف ).

[19]  التاريخ الأندلسي وأثره في سقوط الأندلس، عبد الحليم عويس، ص: 38. ( بتصرّف ).

[20]  قصة الأندلس، د. راغب السرجاني، ص: 691.

[21]  سقوط الأندلس من منظور السّنن الإلهية، د. رشيد كهوس، ص: 183.

[22]  فقه السنن الإلهية وأثره في الدّعوة، هادف مصطفى، ص: 300.

[23]  قصة الأندلس، د. راغب السرجاني، ص: 669.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.