منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بالقرآن أسلموا: ” ليوبولد فايس ( محمد أسد)”

زروق يعقوب

0

مقدمة:

القصد من هذه السلسلة بيان  جانب من عظمة القرآن الكريم، متمثلا في محاججته عتاة الملحدين ودمغ باطلهم بالحجة البالغة. بل أعظم من ذلك تحويلهم إلى مؤمنين مسلمين لله رب العالمين، دعاة منافحين عن الدين. وفيم العجب وهو كلام الله الواحد الأحد، الذي قال عنه سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ  بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ ( سورة الرعد:31). إن فعل القرآن في النفوس والعقول عظيم. ما أحوجنا لأن نتزكى بالقرآن، وندعو به إليه ، ونحاجج  ونجاهد به.

سنقف في هذه السلسلة مع رجال ممن استسلموا لحجة القرآن فآمنوا به. ونرى كيف أقنعهم بترك الكفر والإلحاد؟ فما الذي وجدوه في القرآن ولم يجدوه في غيره؟ ما حججه؟

لا تنتظر عزيزي القارئ حججا عاطفية تختزل نور القرآن وهداه في كلمة هنا أو وهناك أو في عدد لحروف أو كلمات، ولا تنتظر تكلفا في تأويل آيات لدغدغة حماس البسطاء. هذا الأسلوب الذي يثير الدهشة بداية سرعان ما ينقلب بالأثر العكسي بعد البحث والتريث فيصبح مبعث تشكيك لا تثبيت فإن الزبد يذهب جفاء. إن القرآن أعظم من أن يكون نكتا  مثيرة، أو طرائف ولطائف ممتعة. القرآن كتاب هداية وتزكية، ومنهج حياة للفرد والأمة. ولنقرأ لمحمد أسد صديقنا الأول في هذه السلسلة إذ يقول: «لم يكن هناك شيء بعينه من تعاليم الإسلام هو الذي أخذ بمجامع قلبي ، إنه المجموع المتكامل المتناسب والمتماسك من هذه التعاليم الروحية من جانب، والتي ترسم برنامجا عمليا للحياة من الجانب الآخر».[i]

محمد أسد رحمه الله _ ليوبولد فايس سابقا_ وهو نمساوي الجنسية، يهودي النشأة. لم يكن يهوديا متدينا ولا ملحدا. كان كأي إنسان غربي متشبع بفلسفة الغرب المادية، وقضية الإله لا تشكل كبير اهتمام له. كما يقول هو: «إن المدنية الغربية لا تجحد الله البتة، ولكنها لا ترى مجالا ولا فائدة لله في نظامها الفكري الحالي… وبما أن قضية وجود الله لا تقع تحت هذا الوجه ولا تحت ذاك، فإن العقل الأوروبي يميل بداءة إلى إسقاط الله من دائرة الاعتبارات العملية».[ii]  إذن يمكن الحديث عن إلحاد عملي، وليس إيديولوجي.

المزيد من المشاركات
1 من 50

عمل محمد أسد مراسلا صحفيا في الشرق الأوسط، كما درس الفلسفة، وشغف بالرحلة، أسلم عام 1926 في ألمانيا. ومن يومها صار داعية مسلما لا يفتر عن الدعوة والجهاد، تنقل بين دول الشرق الأوسط ثم انتقل إلى الهند فالتقى بشاعر الإسلام محمد إقبال وعمل معه حتى نالت باكستان استقلالها عن الهند. فمنح الجنسية الباكستانية. التحق بوزارة الخارجية وعين رئيساً لوحدة شؤون الشرق الأوسط، ثم مبعوثا لباكستان إلى الأمم المتحدة في نيويورك عام 1952. منهاج الإسلام في الحكم.

من مؤلفاته: – الإسلام على مفترق الطرق. – الطريق إلى مكة – صحيح البخاري: ترجمة وتعليقات. توفي رحمه الله عام 1992.

أولا: القرآن وتحقيق التوازن بين المادة والروح:

بعد الحرب العالمية الأولى عاش محمد أسد كغيره من الغربيين تداعياتها النفسية والاجتماعية. يأس قاتل وغرق في المادية بحثا عن السعادة المتوهمة، وخواء روحي لا حل له، إذ أن المسيحية واليهودية كانتا أبعد ما يكون عن هموم الشباب ومتطلباتهم. ولنتركه يعبر عن هذا بنفسه، يقول: « كانت سنوات عجيبة تلك السنوات التي شكلت واستهلت عشرينيات القرن العشرين في وسط أوربا، كان الجو العام يسوده انعدام الأمان الاجتماعي والأخلاقي وأدى إلى شيوع اليأس الذي عبر عن نفسه في أعمال موسيقية تجريبية تتسم بالجرأة وعبر اليأس عن نفسه في التصوير والفنون التشكيلية والمسرح كما بدا في تلمس اتجاهات جديدة دارت حول تساؤلات رائدة عن شكل الحضارة المطلوبة، إلا أن ذلك أفضى بمصاحبة التفاؤل الإجباري إلى فراغ روحي وغموض متشائم ولدا من فقدان الأمل المتزايد في مستقبل البشر.»[iii]

وحيث أن الفطرة البشرية تقتضي أن يبحث المرء عن إله يلجأ إليه في الشدة، فإن الغرب صنع إلها خاصا به عبده وتمسك به. ألا وهو المادة والمتعة، أو بتعبير القرآن الكريم – الهوى – قال تعالى: ﴿أفرايت من اتخذ إلهه هواه﴾ ( سورة الجاثية. 23). يقول محمد أسد مبينا هذه العقيدة: «إلههم الحقيقي لم يعد إلها روحيا بل أصبح إلههم البحث عن الراحة والرفاهية… »[iv]

غير أن من سبقت له من الله سابقة خير يهيئ الله له أسباب الهداية. تسوق الأقدار محمد أسد إلى فلسطين  بدعوة من خاله الطبيب النفسي وأحد تلامذة فرويد. شاب في بداية العشرينيات من العمر، يبحث عن أجوبة للأسئلة الوجودية التي عجزت فلسفات الغرب أن تجيبه عنها، يبحث عن ملاذ روحي عجزت اليهودية والمسيحية أن توفره له، في الطريق إلى فلسطين يدخل في حوار مع قس مسيحي هو الأب ب فيليكس فيسأله محمد أسد أسئلة حول علاقة المادة والروح وأيهما أهم لتحقيق هدف الوجود. يجيبه القس من وجهة نظر مسيحية: نحن لا نسعى لإخماد الحياة والمشاعر نحن نسعى فقط للسمو بالحياة فوق مستوى المادة والحس إلى مملكة الروح. كان هذا الجواب تعقيبا على وجهة النظر البوذية كما ذكرها محمد أسد والتي ترى أن السعادة المطلقة ( النيرفانا) تتحقق بالتحرر من قيود المادة جملة واحدة. كلام القس لم يقنع محمد أسد كونه يلغي الذات والحياة. قال له: هناك خطأ ما في الفصل بين ما هو جوهري وما هو غير جوهري أي الفصل بين الروح والجسد… باختصار لا أوافقك على إنكارك لأهمية الاحتياجات الجسدية الفيزيولوجية أو الغريزية ما أومن به وما أرغب فيه يسعيان في اتجاه مختلف فأنا أحلم بشكل للحياة وأصارحك أنني  لا أعرف ملامح هذا الشكل بوضوح.[v]

إنها الفطرة تتكلم، إنها تتوق لمنهج حياة تنسجم فيها المادة والروح انسجاما كاملا وليس ثمة منهج يجمع بينهما سوى منهج الإسلام. وهاهي الأقدار تسوقه ليرى هذا الترابط ماثلا أمامه  دون أن يقرأ عليه في كتابات المستشرقين، يراه مجسدا في صلاة المسلمين في فلسطين حين رآهم أول مرة يصلون لله رب العالمين، فأدهشته حركاتهم ركوعهم وسجودهم .

مقالات أخرى للكاتب
1 من 14

يقول: «ينتظم الرجال في صف واحد طويل ويقف الإمام أمامهم بدوا في نظري مثل جنود في تكامل حركاتهم وتوحدها، كلهم ينحنون في اتجاه مكة المكرمة. ثم ينتصبون، ثم يسجدون، ويلمسون الأرض بجباههم، مقتدين بإمامهم الذي كان… مغمض العينين وكفاه على ركبتيه يحرك شفتيه بلا صوت، ويبدو عليه الاستغراق التام فيما يفعل: كان يصلي بكل جوارحه.»[vi]  هكذا ستصيبه الدهشة من صلاة كهذه يتوجه فيها القلب والبدن بالعبادة لله رب العالمين، فيسأل الإمام : هل تعتقد أن الله ينتظر منك أن تظهر له إيمانك بالركوع والسجود؟ ألا يكون من الأفضل أن تصلي بقلبك؟ لماذا كل هذه الحركات؟ فيجيبه الإمام بحكمة المسلم العالم: ألم يخلق الله لنا الروح والجسد معا؟ وبما أنه خلقنا جسدا وروحا ألا يجب علينا أن نصلي بالروح والجسد؟ .

لم تكن هذه الحادثة سوى أول باب للاطلاع على الإسلام كما عبر هو عن ذلك. سيحفزه على هذا الاطلاع ما رآه من بساطة المسلمين وهدوء نفوسهم وطيبوبة أخلاقهم يقول: « نهض البدوي الذي كان جالسا أمامي ببطء اشترى فطيرة ثم هم بالجلوس وعندما وقعت عيناه علي شطر الفطيرة نصفين وقدم لي نصفها دون أن ينطق بكلمة … وعندما أفكر الآن في ذلك الحدث الصغير يتبين لي أن كل الحب الذي أحببته للشخصية العربية بعد ذلك لا بد أنه تأثر تأثرا كبيرا بتلك الواقعة الصغيرة».[vii]

أدهشه ما يعيشه الناس من أمن داخلي تجلى في سلوكهم محبة وتعاونا لم يعهده في أوربا حيث الفردانية هي المحرك لا غيرها. يقول: « تجولت في الشوارع التجارية العتيقة لدمشق وكلي أعين مفتوحة على جوانب لم ترد على وعيي من قبل وعلى رأسها عمق الجوانب الروحية عند أهل دمشق. كان الإحساس بالأمن الداخلي لدى الأفراد ظاهرا من خلال تعاملاتهم بعضهم ببعض وفي حرارة التقائهم وافتراقهم».[viii]

كما أعجب بصلاة المسلمين وكرمهم أعجب أيضا بفنهم وأغانيهم، وهو الذي درس الفن في جامعة فينا. وأعجب بعمارة المسلمين، مساجدهم ودرورهم.

كان دقيق النظر، لا يفوته شيء قبل أن يعجب به، ويقارن بين ما يراه هنا في بلاد المسلمين وما اعتاد عليه في الغرب، فيتساءل عن مصدر هذا الجمال المادي والروحي وعن سبب تناغمه. لذلك بدأ يبحث عن مداخل لفهم الشخصية العربية، التي وجدها تختلف كليا عن الشخصية الأوروبية. يقول: «بدأت أقرأ كثيرا بتركيز في تاريخهم وثقافتهم ودينهم…وفي غمرة اهتمامي أحسست بأنني قد توصلت إلى اكتشاف ما يحرك قلوبهم، ويشغل فكرهم، ويحدد لهم اتجاههم.»[ix]

اهتم بالقرآن الكريم فبدأ يقرأ ترجماته المتعددة بحكم أن لغته العربية الضعيفة وقتها لم تكن تسعفه ليقرأ القرآن الكريم مباشرة,  وجد مما وجد في القرآن الكريم اهتمامه بالأمور الدنيوية، بل بدقائق الأمور المادية. ووجد في القرآن أنه يضبط غرائز الإنسان ويوجهها وجهتها الصحيحة فلا يقتلها أو يكبتها. كما هو الشأن في الإنجيل. وفي الوقت نفسه يعالج المشكلات الروحية بعمق أكثر مما هو في التوراة. فأدرك أن الإنسان وحدة متكاملة لا يتجزأ فهو جسد وروح. وأدرك أن القرآن هو الفاعل المؤثر في حياة المسلمين، في أخلاقهم، وفي مشاعرهم ، وفي فنهم.

لم تكن هناك حادثة واحدة، أو حجة واحدة، تنقله من الكفر إلى الإيمان، فكما أن الإلحاد نبت وترعرع عبر توالي المشككات، تسقيه فلسفات الغرب وتغذيه. فكذلك الإيمان يحتاج إلى رعاية خاصة. لكن كل حدث كان يخدم قضية فلسفية يبحث عنها ويجيبه عن تساؤلاتها، فيقترب إلى الإسلام رويدا رويدا، حتى اكتملت صورة الإسلام في عقله وقلبه.

ثانيا: القرآن منهج حياة:

كان محمد أسد مراسلا صحفيا إلى الشرق الأوسط لجريدة «فرانكفوتر ذيتونج» وكانت صحيفة مرموقة يومها ثم عمل مع غيرها من الصحف الغربية. إضافة إلى ما امتاز به من فطنة ودقة ملاحظة . كل هذا مكنه من الاطلاع على شؤون العالم الإسلامي وتفاصيل حياة الناس. فأحب طريقة عيش المسلمين، وزاد نفوره من حياة الغرب. بدأ يدرك شيئا فشيئا أثر القرآن على حياة الناس. يقول: « أتاني أول إحساس داخلي عميق بأنني على وشك ولوج طريق لم أتوقعه للتوصل إلى الحق والحقيقة، وأن ذلك الطريق اتضح أمامي رويدا رويدا وكيف رجعت بعد زيارتي تركيا إلى أوروبا وكيف اكتشفت أنه من الصعب جدا أن أحيا في عالم الغرب».[x] أعجب في مصر بصيام المسلمين في رمضان، لاحظ فرح الناس بالصيام ونشاطهم رغم امتناعهم عن الأكل والشرب، وانتبه إلى روحانياتهم العالية، فأدرك بعضا من مقاصد الصيام، مقاصد اجتماعية وأخرى تربوية( أخوة البشر وضبط النفس والسيطرة على الشهوات) حسب قوله. يقول: « لم يبد لي الإسلام دينا بالمعنى المتعارف عليه بين الناس لكلمة دين، بل بدا لي أسلوبا للحياة. ليس نظاما لاهوتيا بقدر ما هو سلوك فرد ومجتمع يرتكز على الوعي بوجود الله الواحد.».[xi]

انتبه محمد أسد إلى أن تكامل المنهج الذي جاء به القرآن وشموله لكل مجالات الحياة، هو الذي جعل قريشا تعادي دعوة الإسلام، ولو كان الدين وعيا شخصيا فقط لما رفضوه. إنهم تضايقوا منه لأنه يناقض منهج حياتهم الذي اعتادوا عليه. إنه منهج اجتماعي يعتبر البشر مخلوقات اجتماعية ذات حاجات بيولوجية، وحاجات معنوية، وفكرية. هدفه تحقيق العدالة لكل الناس، دون تمييز بين فقير أو غني، عبد أو سيد. لا كما في اليهودية التي تجعل اليهود شعب الله المختار و«الجويم» عبيد وخدم. ولا كالمسيحية التي «أعطت ما لقيصر لقيصر». في منهج الإسلام وجد محمد أسد أنه لا امتيازات بالوراثة، لا طبقات، لا كهنوت ولا تسلط لجهات دينية.

يقول محمد أسد موضحا اتساق المنهج الإسلامي وكماله: «ولا أستطيع اليوم أن أقول أي النواحي قد استهوتني أكثر من غيرها، فإن الإسلام على ما يبدو لي بناء تام الصنعة وكل أجزائه قد صيغت ليتمم بعضها بعضا ويشد بعضها بعضا…فنتج عن ذلك كله ائتلاف متزن مرصوص ولعل هذا الشعور من أن جميع ما في الإسلام من تعاليم وفرائض قد وضعت مواضعها هو الذي كان له اقوى الأثر في نفسي »[xii]

ويقول أيضا:  «رأيت في ذهني عملا عمرانيا متكاملا تتضح معالمه رويدا رويدا بكل ما يحتويه من عناصر الاكتمال وتناغم الأجزاء والمكونات مع الكل المتكامل في توازن لا يخل جزء منه بآخر، توازن مقتصد بلا خلل ويشعر المرء أن منظور الإسلام ومسلماته كلها في موضعها الملائم والصحيح من الوجود»[xiii]

ثالثا: القرآن والعلم:

يذكر محمد أسد نظرة الغربيين إلى الإسلام والتي لا شك أنه كان يتبناها هو أيضا والتي تقول بأن الإسلام ليس عقيدة كاليهودية والمسيحية وإنما هو خليط من خيالات الصحراء ومن الخرافات والنزعات الحسية والشهوانية، وأنه دين اتكال على القدر. وهذا ما جعل المسلمين يعيشون التخلف الذي يراه في مجتمعاتهم. غير أن بحثه في القرآن الكريم أظهر له غير ذلك. أظهر له أن القرآن يتحدث عن الخالق كما يتحدث عن المادة، فهو متوازن ومنسجم. وزاد لقاؤه بالشيخ مصطفى المراغي وهو من دعاة الإصلاح ومن تلاميذ الشيخ محمد عبده زاده بيانا لسبب تخلف المسلمين. فعلم أن الإسلام المتهم في الغرب هو ما حمل المسلمين الأوائل إلى ذرا الفكر والعلم والحضارة. قرأ في القرآن حثه على العلم وعلى التأمل في ملكوت السماوات والأرض، فعلم سبب نبوغ المسلمين القدامى في الفلك والكيمياء والطب وغيرها. وقرأ في السنة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتداوي وفرضه الحجر الصحي على أرض الطاعون، فعلم أن الاتكالية ليست من الإسلام. وقرأ عن النظافة في القرآن والسنة، وقارن بين الإسلام الذي جعل النظافة شطر الإيمان وبين المسيحية التي عدتها ترفا ماديا لا يليق بمن يطلب السمو الروحي.

سرعان ما أدرك محمد أسد أن الإسلام أيقظ العقل العربي ودفعه إلى البحث حتى بلغوا مبلغا من العلم كان له كبير الأثر على أوروبا نفسها. يقول: « لقد خلقوا – العرب- لأنفسهم عالما علميا جديدا تمام الجدة. لقد وجدوا طرائق جديدة للبحث وعملوا على تحسينها، ثم حملوا هذا كله إلى الغرب. ولسنا نبالغ إذا قلنا إن العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه لم يدشن في مدن أوروبا النصرانية، ولكن في المراكز الإسلامية: في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة.»[xiv]

القرآن يخاطب العقل، يحثه على البحث والنظر والتأمل. يقول محمد أسد: «كثيرا ما كنا نقرأ القرآن معا ( يقصد زوجته إلزا) ونتناقش ما ورد فيه من أفكار…لم يطلب الله من البشر كما جاء في القرآن الكريم طاعته بغباء، طاعة عمياء بلا عقل أو فهم أو إدراك، بل كان القرآن الكريم يوجه الخطاب دائما إلى العقل والفهم والإدراك»[xv]

يعترف محمد أسد أن العلم لا يستطيع أن يجيب على الأسئلة المتعلقة بغوامض الحياة وحقيقة الموت، وغيرها مما يجعل تدخل الدين أمرا لا بد منه.   ولا تناقض بين البحث العلمي والحقائق الدينية. يقول: «إذ ليس ثمة عداوة أصيلة بين الرأي الظاهر ( العلمي) وبين الرأي الوجداني ( الديني) ولكن الثاني في الحقيقة هو الاحتمال الوحيد في النظر العقلي لإدراك الحياة كلها على أنها وحدة في جوهرها وفي قوتها المحركة.»[xvi]

رابعا: القرآن والبناء الاجتماعي:

سبقت الإشارة إلى انبهار محمد أسد وهو يرتحل بين بلدان الشرق الأوسط بعلاقات المسلمين وتماسكهم وتضامنهم رغم فاقتهم. لاحظ هذا التماسك وعاشه معهم وهو على غير دينهم. كما قارن بين هذا البناء الاجتماعي وما يعيشه مع أهله ومجتمعه في الغرب. يقول: «إن القوة الباطنة والتماسك الاجتماعي في العالم الإسلامي كانا أرقى من كل شيء خبره العالم من طريق التنظيم الاجتماعي.»[xvii]

هذه القوة الباطنة، وهذا التماسك المفقودين في أوربا، مصدره القرآن الكريم. فالمسلم منضبط بتعاليم القرآن التي تفرض عليه بر الوالدين، وحسن معاملة الزوجة و حسن الجوار وتعلمه أن المؤمنين إخوة وأن نصرتهم واجبة وأن الولاية لله ولرسوله وللمؤمنين.

إنه أدرك أن القرآن الكريم هو أساس هذا البناء الاجتماعي المتماسك. يقول: « إن تعاليم القرآن الكريم خلقت هذا الأساس المتين، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبحت إطارا من الفولاذ حول ذلك البناء الاجتماعي العظيم».[xviii]

ويقول مبينا أن سر صمود الإسلام في وجه أعدائه إنما يكمن في هذا البناء الاجتماعي  القائمة أسسه على القرآن الكريم: « إن المدنية الأوروبية لا تزال في واقعها وثنية مادية لا تؤمن بغير القوة من أجل ذلك نرى فرقا عظيما بينها وبين الإسلام الذي بني على الروح والأخلاق والمثل العليا، تلك الأسس التي خلقت في الإسلام مناعة جبارة. ولا ريب في أن هذه الحقيقة الثمينة قد انكشفت لغلادستون وزير بريطانيا الأول حينما قال ما دام هذا القرآن موجودا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي في أمان».[xix]

خامسا: القرآن مصدر سعادة وطمأنينة:

كان محمد أسد كلما أهمه أمر ما، أو أشكلت عليه قضية من القضايا، يرجع إلى القرآن ليجد الجواب، كان هذا قبل إسلامه، ويذكر قصة عاشها على متن قطار في برلين مع زوجته إلزا، كانا على متن الدرجة الأولى التي يستقلها الأغنياء، فراعه رؤية راكب أمامه يبدو من رجال الأعمال الناجحين، غير أنه في حزن عميق ولا أثر للسعادة التي كان يراها في وجوه الفقراء في الشرق الأوسط، فانتبه لباقي الركاب ليجدهم على نفس الحالة من الحزن والتعاسة، واستفسر زوجته عن ما يرى هل تحس بنفس الشعور وكانت كزوجها ذات ملاحظة دقيقة بل كانت فنانة تشكيلية، فأكدت ملاحظته قائلة: يبدو أنهم يعانون عذاب الجحيم. يذكر أسد أنهما بمجرد ما عادا إلى البيت وهما يفكران فيما رأيا حتى اتجه إلى القرآن الكريم وكان مفتوحا فوقع نظره على سورة حملت الإجابة الوافية هي سورة الكوثر. يقول: «وقفت مشدوها وأنا أحبس أنفاسي وأحسست أن يدي ترتجفان، فناولته لإلزا وقلت لها اقرئي هذا ألا تجيب هذه السورة على ما رأينا في قطار الأنفاق؟»[xx]


[i] _ مريم جميلة المهاجرة من اليهودية إلى الإسلام_ تأليف ذاكر الأعظمي _ دار القلم دمشق. ص: 5

[ii] _ الأسلام على مفترق الطرق. محمد أسد. ترجمة: عمر فروخ. الطبع :3. دار العلم للملايين: بيروت.  ص:37

[iii] _ الطريق إلى مكة. محمد أسد. ترجمة رفعت السيد علي. مكتبة الملك عبد العزيز العامة 1425 . ص: 124- 125.

[iv] – نفسه: ص: 125.

[v] _ الطريق إلى مكة. ص133

[vi] _ الطريق إلى مكة. ص 145

[vii] _ نفسه: ص: 140

[viii] _ الطريق إلى مكة.. بتصرف خفيف. ص.189

[ix] _ الطريق إلى مكة. ص: 159

[x] _ نفسه. ص: 263

[xi] _ الطريق إلى مكة .ص: 193

[xii] _ كتاب الإسلام على مفترق الطرق: ص 13

[xiii] _ الطريق إلى مكة. ص: 407

[xiv] _ الإسلام على مفترق الطرق. ص:41

[xv] _الطريق إلى مكة. ص: 406

[xvi]  _ الإسلام على مفترق الطرق. ص:18

[xvii] _ نفسه. ص: 35

[xviii] _ الإسلام على مفترق الطرق. ص:35

[xix] _ الإسلام على مفترق الطرق. ص:39

[xx] _ الطريق إلى مكة. ص:416

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.