منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هكذا حفظت القرآن (قصة قصيرة)

مجيد فلوح

2

على خذه أثر جرح غائر، يحكي تاريخ صبا مضطرب، ضربة سكين قديمة، تعكس مشاكسات تيه مضى، لكنها على وجهه الملون بحمرة الخجل، تشكيلة فنان مبجل، لم تغط لحيته الخفيفة جمال لوحة بديعة..
جمال لا يكمن في حروف عينيه، ولا في انبساط أنفه..
نور يخرج من ثناياه، وعزيمة تلوح من ناصيته، يهمس بكلمات لا تستطيع سماعها إلا أذن صاغية، لا يقدر على تنميق العبارات، ولا رص صفوف الكلمات، عيناه إلى موضع سجوده لا يوزع النظرات، غير أن كل كلمة يتلفظ بها لسانه كرة صدق تلتف بأختها، تنزل على قلب المستمع؛ تنهضه، تهزه، تلفه، تكشفه حتى يشعر بقشعريرة تختلج ضلوعه، وتنسكب على كل جوارحه..
تيتم صغيرا، فقد والده، لا يذكر ملامحه، لم يلاعبه، ولم يترجل على يديه، تركه فقيرا معوزا، تحملت أمه المشاق والمتاعب، وروضت الدنيا لأجله، شغلها دور الأب عن مهام الأمومة وحضنها، ففقد الأم بعد الأب، كانت أمه قيد الحياة، ولكنها فقدت أنوثتها في دروب الكد وإعاشة ابنها اليتيم.
ولكل هذا كان يستحيي من أمه حياء لا يوصف، لا يرد لها طلبا، ولا يرفع عندها حاجبا، أثقلته أفضالها كأنه يحمل على ظهره الجبال.
ابتلي بخلة حادت به عن طريق الاستقامة، وجلس إلى عصابة قادته إلى الندامة، تخلف عن الدراسة، وانتكس إلى عوالم الغواية، ذاق سكرها، واستحلى مرها، ومع كل ذلك كان يمنعه حياؤه من أمه أن يشرب السجائر بحضرتها، وإذا قدم عليها نظف نفسه من كل القاذورات كأنه متوضئ مقبل على الصلاة..
ويمنعه حياؤه أيضا من أن يطلب منها الدراهم ليشتري شيئا من تلك الخبائث أو غيرها، فقد اشتد عوده واستقام طوله واتسعت مناكبه فأنى لرجل مثله الاتكال على امرأة طعنتها المشقة قبل السن.
في غفلة من أمه، التي كانت تظنه في الثانوية، يذهب إلى أوراش البناء ليعمل.
لم يخف الأمر طويلا على أم كسبت في محنتها فراسة المجرب النحرير، كشفت كل مخبوءاته فواجهته بها، ومرة أخرى منعه حياؤه من الكذب وأقر واعترف كما يقر العبد المذنب.
حركت هذه المواجهة ما دفن من فطرته الصافية، وقال كيف أزيد هذه الأم هما إلى همها، غير أن رفاق السوء نفخوا غبارا جديدا طمس ما انكشف، وعاد إلى ما كان عليه وزاد، حتى رجع يوما إلى بيته بذلك الجرح الغائر على وجهه والدم متدفق مع حسرته، يقول: بأي وجه ألقى أمي.
رب ضارة نافعة، عاقبته أمه بطرده إلى مسجد في أعلى الجبل، تقول: “لا ترجع إليَّ حتى تحفظ القرآن”.
– كيف أحفظ القرآن وأنا لا أحسن الوضوء ولا الصلاة؟
ولكنه كما تعلمون لا يرد لأمه أمرا، حمل من المتاع ما جهزته به أمه، وأضاف إليه علبة السجائر وانطلق إلى المسجد.
استقبله الفقيه وقد علم من رسول أمه ما ينبغي معرفته.
كان الطلبة في المسجد يفترشون الحصير، ويتدفؤون بملاءة خفيفة لا تمنع البرد، وكان غالب طعامهم خبز يابس مع الشاي.
انخرط مع الطلبة في أنشطتهم وتعلم منهم ما كان يجهل من أمر دينه، ولم يبق من عاداته القديمة إلا عادة التدخين، كان كلما سنحت فرصة اعتزل الجميع ليختلي بسجارته.
اكتشف الفقيه أمره، فاستدعى اثنين من خيرة طلبته وقال لهم: “إن صاحبكم شاب حيي، والحياء لا يأتي إلا بخير، فالزموه حتى يقلع عن عادته، وإن حياءه سيمنعه التدخين في حضوركما”.
دفعه الشوق إلى أمه لمضاعفة الجهد، ومكابدة النهار مع الليل، ولم يرجع إليها إلا حين ختم القرآن بعد حولين كاملين.
رفع رأسه إلينا، وأمعن النظر في أعيننا، وقال بعدما ساد الصمت المكان، وطلب الجميع المزيد:
– هكذا حفظني القرآن..

2 تعليقات
  1. Fatima يقول

    شرف لي أن يكون هذا الكاتب الرائع أبي

  2. مريم فلوح يقول

    سلمت أناملك يا أبي..
    ربما في المرة القادمة تحكي كيف حفظت أنت القرآن.. حفظك الله وأطال في عمرك والدي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.