منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة : الوالدان وواجبهم التربوي حول القرآن

الشيخ بنسالم باهشام / الوالدان وواجبهم التربوي حول القرآن

0

 

خطبة : الوالدان وواجبهم التربوي  حول القرآن

للشيخ بنسالم باهشام

عباد الله، من محبة الآباء لأبنائهم أنهم يسعون بكل ما لديهم من جهد ومال، ليكونوا متفوقين في دراستهم، وفي كل مجال حياتهم، ويتبوئوا أعلى المناصب والمراتب، إلا أن كل ما يحققه الأبناء نتيجة جهد الآباء، يبقى باطلا في باطل، إن غيبنا من حياتهم القرآن الكريم، تلاوة وحفظا وفهما وعملا ودعوة وتحاكما واعتزازا وتشافيا، لهذا عليكم أيها الآباء حتى لا تذهب أعماركم وأعمار أبنائكم سدى وعبثا، الالتفات إلى القرآن الكريم، وعقد الصلح معه في حياتكم وحياة أبنائكم،  واعلموا أن الله تعالى يخاطبكم ويحملكم المسؤولية فيقول في كتابه الحكيم من سورة النساء: (يُوصِيكُــــــمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ). فربوا أولادكم ليكونوا أسوياء،قبل أن يكونوا مهندسين وأطباء، ربوهم على سلامة النفس قبل حفظ الدرس، واطمئنوا على حبهم للخير، وتقديرهم للغير، وحرصهم على حق والديهم في البر، وانشغلوا بالجوانب الأخلاقية، ربوهم على أن يكونوا رجالا مع حداثة عمرهم، وسباقين إلى الخير بدافع من ذواتهم.

عباد  الله،  مادام القرآن الكريم هو منبع الأخلاق، وبه تخلق سيد الخلق أجمعين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاحرصوا كل الحرص على تربية أبنائكم على هذه الحقائق العشر حول القرآن الكريم، وترسيخها فيهم ، مع معاونتهم على تحقيقها في حياتهم:

المزيد من المشاركات
1 من 25

1 – ربوا أبناءكم  على أن القرآن ليس لفترة من العمر كالمقررات الدراسية، بل هو وظيفة العمر كله، ومشروع الحياة الناجح الذي لا يعرف الفشل، وأنه مقدم على الدراسة في سلم الأولويات، لأنه هو المعين على النجاح فيها، بل في الحياة كلها.

2 – ربوا  أبناءكم  على أن الوقت الذي نخصصه للقرآن، لا يؤثّر على وقت المذاكرة، بل هو الذي يزيد كل شيء بركة، قال إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي، موصيًا الضياء المقدسي لما بدأ يشق طريقه لتعلم الحديث: (أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه، فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ)، فقال الضياء المقدسي بعد العمل بتوصية إبراهيم بن عبد الواحد: (فرأيت ذلك وجربته كثيرًا، فكنت إذا قرأتُ كثيرًا، تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي)، وقال أحد السلف: (كلما زاد حزبي -أي: الورد اليومي- من القرآن، زادت البركة في وقتي، ولا زلت أزيد حتى بلغ حزبي عشرة أجزاء). أي عشرون حزبا في اليوم، لتكون الختمة القرآنية مرة في  كل ثلاثة أيام.

 3 – ربوا أبناءكم  على أن أخذ القرآن بركة في العمر والعلم والوقت والمال… وفي كل مناحي الحياة، وتركه حسرة، ولا تستطيعه البطلة، أي السحرة . قال  الله تعالى  في سورة ص: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ سورة ص: الآية 29]،ومن بركته: أنه ما زاحم شيئًا إلا باركه ببركته! فتعلَّقوا يا معشر الآباء بالقرآن، وربوا أبناءكم على ذلك، فستجدون يقينا البركة في كل حياتكم! وقد كان أحد المفسرين يقول: (اشتغلنا بالقرآن، فغمرتنا البركات والخيرات في الدنيا)، فساعدوا أبناءكم – عباد الله – حتى يجعلوا حياتهم ممزوجة بالقرآن لا تنفك عنه، تلاوة دائمة، من المصحف أو من حفظهم.

4 – ربوا أبناءكم  على أن الترنم بالقرآن، هو ألذ وأحلى من كل غناء، يقول ابن قيم الجوزية  في كتابه زاد المعاد: (إن التطريب بقراءة القرآن أوقع في النفوس، وأدعى إلى الاستماع والإصغاء إليه…وهو بمنزلة الحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفذه إلى موضع الداء، وبمنزلة الطيب الذي يجعل في الطعام لتكون الطبيعة أدعى له قولا…وأنه لابد للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء، فعُوضت عن طرب الغناء بطرب القرآن) ( زاد المعاد، ص193.).

5 – ربوا أبناءكم  على أن القلب الذي لا يعمره القرآن، يتربع فيه الشيطان، لهذا فإن ذكر الله عز وجل  وعلى رأسه تلاوة القرآن، من أعظم أسباب الوقاية من الشياطين، كما قال حَبْر الصحابة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فيما أخرجه ابن أبي شيبة ،وأبو داود، والطبري: (الشَّيطانُ جاثمٌ على قلبِ ابنِ آدمَ ؛ فإذا ذَكَرَ اللَّهَ خنسَ، وإذا غفلَ وَسوَسَ)[أخرجه ابن أبي شيبة (34774 )، وأبو داود في الزهد، (337 )، والطبري في جامع البيان (24/ 754)]. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (قال بعض السلف:إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يُصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مسَّه الإنسي!).

6 – ربوا أبناءكم  على أن بكل آية من القرآن يتعلمونها خير لهم من أن يكسبوا ناقة عظيمة السنام، عظيمة الحجم، أو ما يماثلها قدرًا وثمنًا حسب زماننا، روى مسلم في صحيحه، عن عقبة بن عامر  رضي الله عنه قال: (خَرَجَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَنَحْنُ في الصُّفَّةِ، فَقالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَومٍ إلى بُطْحَانَ، أَوْ إلى العَقِيقِ، فَيَأْتِيَ منه بنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ في غيرِ إثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، نُحِبُّ ذلكَ، قالَ: أَفلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إلى المَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِن كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ له مِن نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ له مِن ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ له مِن أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإبِلِ). [رواه مسلم، ح 803 ].

7 – ربوا أبناءكم  أن بكل آية يتعلمونها يرفع الله بها مقامهم في الدنيا، والآخرة، فقد روى مسلم في صحيحه، وأحمد في المسند، وابن ماجه والدارمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين )، ورفعة الدرجات ورفعها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة، وفي صحيح مسلم عن نافع بن عبد الحارث الخزاعي وكان عامل عمر رضي الله عنه على مكة، أنه لقيه بعسفان فقال له: (من استخلفت؟ فقال: استحلفت ابن أبزى مولى لنا، فقال عمر استخلفت مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم قد قال: ” إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين ).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 55

8 – ربوا أبناءكم  أن الرحمة أسرع لهم عند استماعهم للقرآن، قال الليث بن سعد رحمه الله: (يقال: ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن، لقوله تعالى من سورة الأعراف: ” وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون” الأعراف 204، ولعل من الله للتحقيق). وبالاستماع الدائم للقرآن في غير وقت التلاوة، سيجدون بركة في وقتهم، وتيسيرا في كل شؤون  حياتهم. وسعادة غامرة في صدورهم، ما كانوا ليجدوها إلا ببركة القرآن.

9 – ربوا أبناءكم  أن سلامة عقولهم حفظا وتذكرا وتحليلا، مرتبط بمدى تمسكهم بالقرآن، قال عبد الملك بن عمير: (كان يُقال: إن أبقى -أو أنقى- الناس عقولًا قُـرَّاء القرآن)، وقال القرطبي: (من قرأ القرآن مـُتِّـعَ بعقله وإن بلغ مائة!).

10 – ربوا أبناءكم  على أن الصدور والمساكن تتسع بتعهد القرآن، وتضيق بهجره ، فحذروهم من هجر القرآن أو الغفلة عنه! فكل بُعْدٍ عن القرآن، هلاكٌ للنفس واختناق! قال مقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم،عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (إن أصغر البيوت، بيت ليس فيه من كتاب الله شيء، فاقرؤوا القرآن، فإنّكم تؤجرون عليه، بكلِّ حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: ألم، ولكني أقول: ألف، ولام، وميم). فضيق البيوت ليس بضيق مساحتها، بل بضيق صدور سكانها، وسوء أخلاقهم، وسعة البيوت بسعة صدور سكانها، وحسن أخلاقهم، فهاجر القرآن في ضيق صدر، وشدة ليس لها إلا دواء تلاوة القرآن وفهمه والعمل به، وروى الدارمي في سننه بسند صحيح،أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، كَانَ يَقُولُ: (إِنَّ الْبَيْتَ لَيَتَّسِعُ عَلَى أَهْلِهِ وَتَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ وَتَهْجُرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَيَكْثُرُ خَيْرُهُ أَنْ يُقْرَأَ فِيهِ الْقُرْآنُ، وَإِنَّ الْبَيْتَ لَيَضِيقُ عَلَى أَهْلِهِ وَتَهْجُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَتَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَيَقِلُّ خَيْرُهُ أَنْ لَا يُقْرَأَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [سنن الدارمي (4/ 2085) إسناده صحيح وهو موقوف على أبي هريرة]، فقراءة القرآن في البيوت تتسع لأهلها، ويجدون فيها الاستقرار والسكن، وإن كانت صغيرة، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن، يضيق على أهله، ولا يجدون فيه سكنا ولا استقرارا، وإن كان قصرا، فداوموا على قراءة القرآن في بيوتكم.

فيا عباد الله، يا أيها الآباء، إنكم لو أنفقتم على أولادكم كنوز الدنيا، سيفرون منكم يوم القيامة،قال تعالى في سورة النبأ: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: 34 – 37]، لكنكم إذا ربيتموهم على هذه الحقائق العشر حول القرآن،وعملوا بها،  فسيبحثون عنكم يوم القيامة ، ليلبسوكم تاج الوقار. روى أحمد، وأبو داود ، واللفظ له، عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ضَوْءُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا ) . [رواه أحمد (15645ـ الرسالة) ، وأبو داود (1241) واللفظ له،والحديث حسنه محققو المسند ـ ط الرسالة ـ لغيره]، وروى أحمد  عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال – عن صاحب القرآن – : ( وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذِهِ ؟ فَيُقَالُ : بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا ، فَهُوَ فِي صُعُودٍ ، مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا ) . [رواه أحمد (22950)،قال محققو المسند ـ ط الرسالة ـ : “إسناده حسن في المتابعات والشواهد من أجل بشير بن المهاجر الغَنَوي، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين، وحسنه الحافظ ابن كثير في “تفسيره” 1/62، ولبعضه شواهد يصح بها” ].

فاللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وجلاء همومنا، وذهاب أحزاننا، وقائدنا إلى الجنة، وحبب لنا تلاوته والعمل به، آناء الليل وأطراف النهار، وحببه إلى أبنائنا، وكل أفراد أسرنا، برحمتك يا أرحم الراحمين ويا رب العامين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.