منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: مكانة حامل القرآن وتنزهه عن الدنايا

الشيخ بنسالم باهشام /خطبة: مكانة حامل القرآن وتنزهه عن الدنايا

1

 

خطبة :مكانة حامل القرآن وتنزهه عن الدنايا

الشيخ بنسالم باهشام

 

عباد الله، روى الحاكم في المستدرك، وقال: إنه صحيح الإسناد، ونختار تخريج الحاكم، لوجود من ضعفه، وقال الحاكم في شأن هذا الحديث: وعليه مسحة النبوة وطابعها، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَقَدِ اسْتَدْرَجَ النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ، لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ أَنْ يَحِدَّ مَعَ مَنْ يَحِدُّ، وَلَا يَجْهَلَ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ، وَفِي جَوْفِهِ كَلَامُ اللهِ). [أخرجه الحاكم 1/ 552،وقال: “هذا حديث صحيح الإسناد” وأقره الذهبي! وعنه البيهقي في “الأسماء والصفات” 1/ 403 – طبعة دار الكتاب، وفي “الشعب” (2353)].

عباد الله، من غريب الحديث : كلمة “يحد” : من الحِدَّة: بالكسرة، وهو ما يعتدل الإنسان من النزق والغضب، أَيْ: يحتد ويغضب.

المزيد من المشاركات
1 من 17

عباد الله، إن المقصود بقارئ القرآن في الحديث، من قرأه وحفظه، واكتمل له حفظه، وأصبح في صدره محفوظاً، وليس مجرد القراءة، وإلا لما كان لحافظ القرآن والعامل به مزية، ولصار كل من يفك الخط، في منزلة واحدة مع القراء، وهذا أبعد من البعيد،هذا الشخص الذي اتصف بهذه الصفات، قد جعل الله له النبوة بين جنبيه؛ لأن القرآن في الصدر، والمكان الذي بين جنبي الإنسان هو الصدر، إلا أنه لا يوحى إليه، إذ لو كان يوحى إليه لكان نبيًا، لكن النبوة أهلها معدودون، ومضى قضاء الله وقدره بتعيينهم، وختموا بأكملهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا مطمع للحصول على نبوة مهما كان الاجتهاد في الطاعة والعبادة، لكن الذي يحفظ القرآن عن ظهر قلب، مع العلم والعمل به، فقد استدرج النبوة بين جنبيه، وأصبح شبيهاً بالنبي، إلا أنه لا يوحى إليه؛ لأن الذي أوحاه الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام في خلال ثلاث وعشرين من السنين، هو قد جمعه كله في صدره، واستدرجه بين جنبيه، لكنه غير نبي. ويكفيه شرفا، أنه من أهل الله وخاصته، روى ابن ماجة، وأحمد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ ؟ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ) [رواه ابن ماجة (215)، وأحمد (11870)]، قال المناوي رحمه الله 🙁 أي حفظة القرآن العاملون به، هم أولياء الله المختصون به، اختصاص أهل الإنسان به، سموا بذلك تعظيما لهم كما يقال للمسجد: “بيت الله”) .

وقال الحكيم الترمذي في فيض القدير: (وإنما يكون هذا في قارئ انتفى عنه جور قلبه، وذهبت جناية نفسه، وليس من أهله إلا من تطهر من الذنوب ظاهرا وباطنا ، وتزين بالطاعة، فعندها يكون من أهل الله). [فيض القدير” (3 / 87)].ولا يكفي مجرد التلاوة ليكون الشخص من أهل القرآن، حتى يعمل بأحكامه، ويقف عند حدوده ، ويتخلق بأخلاقه .

عباد الله، إن أهل القرآن، لهم منزلة ما نستطيع أبدًا أن نقدرها، فما بالكم برجل استودعه الله كتابه، وقال: عبدي! احفظ لي كتابي، فهو يحفظ للرب تعالى كتابه.

وإذا أردتم أن تعرفوا قيمة حافظ القرآن عن طريق التقريب بالمثال الذي به يتضح المقال، نذكر أن في الدولة البريطانية، أو المملكة المتحدة، يقولون: فلان كان حامل أختام الملكة التي توقع بها الرسائل وتختم، فهذا منزلته فوق الوزير والرئيس والجنرال؛ لأنه يحمل أختام الملكة ببريطانيا، يكتب الكتاب ويختم بالخاتم، فإذا كان حامل أختام الملكة ببريطانيا من القداسة بهذه الصورة، فالذي يحفظ كتاب الملك الجبار جل جلاله، وقد استودعه في صدره، وحافظ عليه، يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، ويحل حلاله ويحرم حرامه ويقف عند حدوده، لا نستطيع أن نتصور علو منزلته، ولا سمو مقامه أبدًا، فلهذا يقول عليه الصلاة والسلام: (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَقَدِ اسْتَدْرَجَ النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ، لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ أَنْ يَحِدَّ مَعَ مَنْ يَحِدُّ، وَلَا يَجْهَلَ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ، وَفِي جَوْفِهِ كَلَامُ اللهِ).

فيا حملة كتاب الله، من أراد أن يعرف منزلته منكم، فليذكر هذا القول النبوي الكريم: (لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ أَنْ يَحِدَّ مَعَ مَنْ يَحِدُّ)، فلا يغضب مع من غضب، بل ينبغي مادام القرآن في صدره، أن يكون كالجبل الراسي، لا تثيره الكلمة أبداً، ولا تزعجه، ولا يحركه الجوع ويدفعه للباطل والشر. كما أنه ينبغي أن لا يجهل مع من جهل، بارتكابه للباطل وفعله للمنكرات.

عباد الله، إن من صور هذا الباطل الذي يجب على حامل القرآن أن يتنزه عنه، الركون إلى الحكام الظلمة، بأي وجه من الوجوه، فلا يدور في فلكهم، ولا يزين المشهد الديني الذي يتصدرونه كذبا بمشاركته لهم، بل يستغني عنهم بالتجارة الحرة أو الفلاحة، أو الرعي كما سجل التاريخ من سيرة سلفنا الصالح، ممتثلا قول الله تعالى من سورة هود: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ)[هود: 113]، ﺭُﻭﻱ ﺃﻥَّ ﺭﺟُﻼ ﻗَﺎﻝ ﻟِﻌﻤﺮ بن الخطاب رضي الله عنه: (ﻭﻟﻨﻲ ﻣﻤَّﺎ ﻭﻻّﻙَ اﻟﻠﻪ ! ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪُ ﻋﻤﺮ: ﺃﺗَﻘﺮﺃ اﻟﻘﺮﺁﻥ ؟! ﻗﺎﻝ: ﻻَ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺄﻧﺎ ﻻ ﺃﻭﻟﻲ ﻣَﻦ ﻻ ﻳﻘﺮﺃ اﻟﻘُﺮﺁﻥ! ﻓﺘﻌﻠَّﻢ اﻟﺮَّﺟﻞ القرآن، ﺭﺟﺎء اﻟﻮﻻَﻳﺔ، لا رغبة في الأجر والثواب عند الله،  ﻓﻠَّﻤﺎ ﺣﻔﻆ ﻛﺜِﻴﺮا ﻣِﻦ اﻟﻘﺮﺁﻥ، ﺗﺨﻠَّﻒ ﻋﻦ ﻋﻤَﺮ، ﻓﻠﻘﻴﻪ ﻳﻮﻣًﺎ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪُ ﻋﻤﺮ: ﻣﺎ ﺃﺑﻄﺄ ﺑِﻚ؟  ﻗﺎﻝ ﻟﻪ: ﺗﻌﻠَّﻤﺖ اﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻓﺄﻏﻨﺎﻧِﻲ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻋﻦ ﻋﻤﺮ، ﻭﻋَﻦ ﺑﺎﺑﻪ، ﺛﻢ ﻗﺮﺃ: “وَمن يَتَوَكَّل عَلَى الله فَهُوَ حَسبُه”).

عباد الله، هكذا كان تعامل هذا الرجل مع العادل عمر رضي الله عنه فضلا عن غيره، لما دخل جوفه القرآن، فأنار طريقه، وحتى إذا كان حامل القرآن إماما لمسجد أو مؤذنا أو خطيبا، أو واعظا أو معلم للقرآن،فلتبليغ كلمة الله، دون انتظار عطائهم الزهيد، فقارئ القرآن يكون مترفعا عن الدنايا، لأن المعصية غشيان الذنب، وارتكاب المخالفة، وهي  نتيجة ظلمة يصاب بها القلب، فلا نتصور أبدًا أن عبدًا يذكر الله، وهو مع الله، يقع على معصية الله، لن يكون هذا أبدًا، وإنما قبل أن يقع العبد على الجريمة، يعلوه دخان متراكم أسود، فلا يرى فيه نورًا، وبالتالي لا يرى قبح الجريمة، ولا آثارها حتى يقع عليها، وصاحب النور، لا يقع في المعصية، وإنما يأتي العبد معصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، عندما يُغطى على قلبه فيطمس النور، ويصبح الشخص كالأعمى، فيقع في المعصية، ويشهد لهذه الحقيقة العلمية، قول الله تعالى من سورة العنكبوت: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت:45].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 55

عباد الله، إنه ما أقام عبد الله الصلاة إلا وأكسبته نورًا، فيشرق به قلبه، ويعيش على نور، والذي يمشي في النور، لا يقع في بئر، ولا يقع على حية، ولا يرمي بنفسه في حوض أو بركة من القذر والأوساخ؛ لأنه على بصيرة، بينما الذي يمشي في الظلام، ليس له من يُؤمّنه ألا يقع على حية، أو يقع في حفرة؛ فلهذا كانت الصلاة نورا، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، إذ قال: (الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ المِيزانَ، وسُبْحانَ اللهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ – أَوْ تَمْلأُ- ما بيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها، أوْ مُوبِقُها). [رواه مسلم(ح 223 )]، فالصلاة نور، لأنها تحدث النور وتكسبه، ويشهد لهذا المعنى حديث الصحيحين ونصه: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )،  والسبب في ذلك يجيب عنه صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود وغيره فيقول: (إذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ عَادَ إلَيْهِ الْإِيمَانُ) [أخرجه أبو داود (4690) باختلاف يسير، والديلمي في الفردوس (1254) واللفظ له]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إنما الإيمان كثوب أحدكم يلبسه مرة، ويخلعه أخرى )، وقال أحمد بن حنبل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لغلمانه: ( من أراد منكم الباءة زوجناه، لا يزني منكم زان إلا نزع منه الله نور الإيمان، فإن شاء أن يرده رده، وإن شاء أن يمنعه منعه )،

عباد الله،  إن الإيمان كالحمامة طارت فوقعت فوق الشخص، فأصبح في ظلمة كاملة، فنسي الله، وحينئذ يرتكب جريمته، أما والإيمان في القلب، يشع له بالنور، فيذكر الله، ولقاء الله، فمثل هذا يستحيل أن يعصي الله. لهذا يقول صلى الله عليه وسلم: (لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ أَنْ يَحِدَّ مَعَ مَنْ يَحِدُّ، ولا أن يجهل مع من جهل، وفي جوفه كلام الله ).

عباد الله، إن كلام الله طاقات من أنوار لا توزن بميزان، فكيف تستهوي حامل القرآن الشهوة، وتستميله الفتنة، أو تهزه الكلمة، فيغضب مع من يغضب، أو يفسق مع من يفسق، ويركن إلى الظلمة، وهو يحمل النور، ومصدر الطاقة كامن في جوفه؟

عباد الله، إنه لا يأتي هذا الأمر من في جوفه كلام الله.

فاللهم أنر قلوبنا بكتابك، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

 

تعليق 1
  1. حمزة الروزي يقول

    بارك الله علمكم ورفع قدركم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.