منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القرآن أمامك يتحداك. هل تجرؤ على المغامرة؟ -التحدي الأول-

0

لا أحد يجادل في أن قوة الإسلام تكمن بالأساس في القرآن الكريم، الذي لا يتردد أي مسلم في نسبته إلى الله عز وجل، هذا الكتاب لو سقطت مكانته، وثبت أنه من صنع بشر، لما قامت للإسلام قائمة، ولما جرؤ أي مسلم أن ينبس ببنت شفة ليدافع عن هذا الدين أو يدعو إليه. يبدو أن هذا الأمر يدركه نفاة الألوهية جيدا، ولهذا نجدهم يتعرضون للقرآن الكريم بالأباطيل التي لا تقوم على حجة أو دليل.

ولأن القرآن حق، ولأن دعوتنا -نحن المسلمين- حق، فإننا لا نتردد في أن نعلن التحدي الخالد في هذا الكتاب الرباني، ونجاهر به في كل مكان وزمان. القرآن الكريم منذ نطق الرسول صلى الله عليه وسلم بأولى آياته أعلنها مدوية إلى كل من يشكك في ربانية مصدره، أن يأتي بمثله أو حتى بمثل سورة من سوره، في تحد صريح ومباشر لا يحتاج إلى تأويل كمثل قوله سبحانه وتعالى: “قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا” (الإسراء 88). وقوله سبحانه وتعالى: ” أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (يونس 38).

لم يقتصر القرآن على هذا فحسب، بل تحدى كذلك المشككين بأن يثبتوا أي خلل أو زلل فيه كالذي يعتري أقوال الناس وكتاباتهم، خصوصا إذا طال الزمن عليها وتغيرت الظروف من حولها، فقال سبحانه: “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا” (النساء 82). ثم جعل مُنَزِّل القرآن سقف التحدي عاليا، فأعلن أن هذا الكتاب محفوظ حفظا مطلقا إلى يوم الدين، حيث قال: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” (الحجر 9).

لقد مضى من الزمن على هذه التحديات ألف سنة وبضع مئات، فهل جاءنا المشككون في وجود الله بكتاب يضاهي القرآن؟ أم أظهروا بالقطع واليقين أن القرآن فيه خلل أو زلل؟ أم أثبتوا أن القرآن تعرض لما تعرضت إليه الكتب السماوية وتتعرض إليه سائر الكتب والمرويات من تغيير وتبديل؟ يبدو أن الأمر يستحق البحث والنظر من أجل معرفة الحقيقة.

سأحاول أن أستقصي في الأسطر القادمة أقوال المشككين في القرآن الكريم حسب كل تحد على حدة، ثم أعرضها على النقد بما يقتضيه العقل والمنطق بعيدا عن الجدال العقيم، فغايتنا التي نرومها هي الوصول إلى الحق ولا شيء غير هذا، وأبدأ في هذا المقال بأول هذه التحديات.

التحدي الأول: الإتيان بمثل القرآن أو بمثل جزء منه

ليس مستغربا أن يتفاعل الناس عبر العصور مع هذا التحدي المباشر منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، فالتاريخ احتفظ بكثير من محاولات الإتيان بمثل القرآن الكريم. منهم من ادعى النبوة كمسيلمة الكذاب، فأراد أن يقنع الناس بأن الله ينزل عليه الوحي كما ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فألف ما يحاكي به أسلوب القرآن ليوهم من حوله بنبوته الكاذبة. غير أن الأمر لم يستقم له كما استقام للصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

ومنهم من أخذته الحَمِيَّة على دين آبائه وأجداده، كالشاعر العربي لبيد بن ربيعة، الذي كتب شعرا وعلقه على الكعبة يضاهي به القرآن، فما استطاع ذلك، بل أعلن هزيمته أمام أولى الآيات التي علقت بجانب أبياته.

ومنهم من دفعه أصحاب الهوى والمصالح من أعداء الإسلام كابن المقفع، ليؤلف ما يجاري القرآن في أسلوبه ولغته وبيانه، فوجد نفسه لا يقوى على الإتيان ولو بآية واحدة شبيهة بالقرآن.

الواقع أن مسألة الإتيان بمثل القرآن، أو بجزء يسير يضارعه لم يفلح فيها أي إنسان على الإطلاق لحدود عصرنا هذا، ولن يفلح فيها أي إنسان على مر الأزمان. ولكن بعض المتربصين يستغلون حال الأمة في هذا العصر، لينثروا سمومهم في شبابها بكلام لا يرقى حتى أن يوصف بالكلام الصبياني الذي لا يعبأ به، هذه السموم تجد لها منفذا إلى عقول شبابنا لأنهم ببساطة، لا يملكون الترياق المضاد لها. والمسؤولية على عاتقنا، فنحن من تركهم يهيمون في وادي المغريات والشهوات، ونحن من بسط بين أيديهم كل الوسائل المساعدة على ذلك، فلا نستغرب عندما نجد بعضهم يقول إن القرآن ضعيف من الناحية البلاغية، أو إنه احتوى أخطاء علمية بالجملة، أو غيرها من الشبهات التي تمتلئ بها شبكة الأنترنيت ويتداولها الناس -كل حسب قصده وغرضه- عبر وسائل التواصل الاجتماعية.

ولكي أدخل في صلب الموضوع، سأناقش بعض الشبهات المتعلقة بتحدي الإتيان بمثل القرآن، لتروا حجم البؤس الذي يعيشه أصحابنا نفاة وجود الله بشكل خاص، ومن يعادي الإسلام بشكل عام، ولتقفوا شبابنا على مأساة كاملة الأركان باسم العقل والبحث العلمي عند هؤلاء، ومنها ما يلي:

-الشبهة الأولى: يقول أصحاب هذه الشبهة، إن التحدي بالإتيان بمثل القرآن أو بشيء منه من أساسه غير معقول، لأنه من المستحيل أن يأتي الإنسان بمثل ما كتب غيره. فمثلا لو ألف أي إنسان كتابا، هل يعقل أن يطلب من الناس أن يؤلفوا مثله حرفيا كما كتبه؟

هذه من الشبهات التي فيها تضليل كبير، لأن أصحابها يعطون للتحدي القرآني مدلولا من عند أنفسهم، لا علاقة له بالمدلول المقصود عندنا في القرآن. عندما تحدى الله عز وجل البشرية جمعاء على الإتيان بمثل القرآن، فإنه يتحداهم بالإتيان بما يضاهيه في قيمته وكماله. إن من فهم أن عليه أن يكتب مثل القرآن حرفيا، نقول له هون على نفسك، فلا حاجة لنا بهذا، بل ألف لنا كلاما يجتمع فيه ما اجتمع في القرآن من بلاغة ودقة في التعبير، وتوجيه وإرشاد، ووعظ وتذكير، وتشريع وتعليم، ألف كلاما لا يبلى ولا يخلق من كثرة الرد، ألف كلاما كلما مر عليه الزمن، زاد الناس إعجابا وإبهارا. هذا هو مدلول التحدي، وهذا ما لم يقدر عليه أي إنسان على الإطلاق.

-الشبهة الثانية: كثير من الذين يكتبون عشرات النصوص التي يحاكون فيها أسلوب القرآن الكريم ويستعملون ألفاظه حرفيا بسياقات مختلفة، فيمنون أنفسهم بنصر موهوم، ثم يتوجهون إلينا قائلين: ها نحن قد كتبنا مثل قرآنكم، ولكن المشكلة عندكم، فمهما فعلنا فلن تعترفوا بفشل تحديكم، لأنكم أنتم المتحدي، وأنتم الحَكَم في الآن ذاته.

هذه شبهة أرى أن أبدأ مناقشتها بسوق مثال من نصوصهم التي يعتبرونها مثل القرآن لنقارنها معه، حتى نكون على بينة من أمرنا، فمما قيل إنه يشبه القرآن الكلام التالي: “بسم الله الواحد الجامع، إنا أنزلناه تنزيلا، فسميناه إنجيلا، وجعلناه للناس نورا وسبيلا”، إن هذا الكلام من حيث مبناه شبيه بالقرآن بل هو اقتباس صريح وجلي لأسلوبه. ولأن صاحب الكلام استبق هذا فقال: “لا أقبل منكم أن ترفضوا سورتي هذه بدعوى التقليد”. سأقارن بين هذا النص وبين السورة التي حاول صاحبنا أن يحاكيها وهي سورة الكوثر، التي يقول فيها الله عز وجل: “إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر” (سورة الكوثر).

هذه السورة على قصرها، قد اشتملت على ثلاثة أنباء غيبية ثبت صدقها بعد فترة من نزولها، فأول هذه الأنباء إخبارها بأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيرزق الكوثر، بمعنى سيعطى العدد الكثير، أو الخير الكثير، أو الشراب العذب حسب شروح معاجم اللغة العربية. فبأي وجه فَسَّرت الكلمة في الآية، ستكون أمام وعد في الدنيا وآخر في الآخرة، أما وعد الدنيا –وهو ما سأقتصر عليه لأن أصحابنا لا يؤمنون بالغيب- فهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكثر عدد أتباعه، وسيفيض عليهم الخير الكثير. هذا الوعد أصبح قرآنا يتلى بين المسلمين في وقت كان أتباع النبي معدودين على رؤوس الأصابع، ثم لم يمض عقد من الزمن، حتى لاحت في الأفق علامات تصديقه، وظل الزمن يصدقه إلى عصرنا هذا. فالواقع شاهد على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنشأ أعظم أمة في التاريخ، أمة امتدت امتداد الشمس على سطح الأرض. والمعجز في هذا الإنباء أنه لازال ساري المفعول حتى في وقتنا الحاضر، فلا أحد ينكر اطراد توسع وانتشار الإسلام في كل بقاع الأرض، رغم كل ما يتعرض له من حروب شرسة، اتحدت فيها جميع الأمم على إطفاء نوره، وهو الحال الذي تنبأ به الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”* (أخرجه أبو داود في سننه).

ثم أخبرتنا السورة بخبر آخر، أنه سيأتي الوقت الذي سيؤدي فيه المسلمون المناسك في البيت الحرام من صلاة ونحر بكل حرية، خلاف الحال الذي هم عليه لحظة نزولها، في إشارة إلى ضمور الكفر وفقدانه السيطرة على البقاع المقدسة بمكة، بل على شبه الجزيرة العربية كلها. وقد حدث هذا في ما لا يزيد عن عقدين من الزمن.

كذلك جاء في السورة نبأ لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ليغامر بإعلانه إلا لأنه من عالِم الغيب، فقد جزمت بأن أعداء رسالة الإسلام لن يبقى لهم عقب يخلفهم فيما هم عليه من كفر وجحود في مكة، وهذا ما وقع بالفعل، فالتاريخ يدون في صفحاته أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد امتلك قلوب أبناء أعدائه، فصاروا أتباعه وانقطعوا عن دعوى آبائهم، كما يذكر أن بعض المكابرين من مشركي قريش غادروا الحياة دون أن يخلفوا وراءهم ذرية تعقبهم. وفي هذا أضرب مثلا بمن نزلت في حقه السورة، وهو العاص بن وائل الذي دخل ابنان له في الإسلام وهما هشام بن العاص وعمرو بن العاص، فكانا خير من حمل راية الإسلام وذادا عنها بما أوتيا من قوة.

أما إذا رجعنا إلى سورة صاحبنا، فإنك لن تجد أدنى صعوبة في هدمها وجعلها كلاما تافها بدون قيمة من أول نظرة فيها، فقد ادعى صاحبها بأن الإنجيل نور للناس وسبيل، أي أن هذا الكتاب السماوي –الذي هو الإنجيل- هو طريق الهداية إلى الخير والتقدم والرقي والازدهار في كل الأزمنة والعصور، وهذا مناقض للواقع تماما. الواقع يقول بأن نهضة أوروبا كانت بعد الثورة على حكم الإنجيل. الواقع يثبت بأن الإنجيل لا مكان له في مجال العلم والبحث عند أصحابه، بل لا مكان له حتى في تدبير شؤون الحياة اليومية لمن يؤمنون به. فكيف سيكون نورا للناس وسبيلا؟

الآن بعد هذه المقارنة التي لا علاقة لها بحَكَم أو قاض، إنما هي حجج وبراهين تأبى أن تسقط في فخ هؤلاء البؤساء الذين يحاولون أن يطمسوا الحق بباطلهم، يظهر جليا أن كل من كتب كلاما مقتبسا من أسلوب القرآن حتى ولو كان البناء اللغوي قريبا جدا منه، فإن النقص يعتريه من كل جانب، فلا يرقى حتى أن يشبه بالقرآن أحرى أن يكون مثله.

الشبهة الثالثة: هناك من ترك التحدي وذهب يطعن في بلاغة القرآن وأسلوبه البياني، فادعى أنه فضفاض وفوضوي لا يمت بصلة للغة العربية الفصيحة.

هذه الشبهة رغم أنها بعيدة عن موضوع التحدي، إلا أنها معبرة عن العجز المطلق في مضاهاة القرآن والإتيان بمثله، فبدل أن يذعن أصحابنا إلى الحق لجؤوا لأسلوب يذكرنا بالمثل الشعبي الذي يقول: “الذئب عندما لا يصل إلى العنب يقول عنه مُزّ (أي شديد الحموضة في مذاقه)”.

إن هذا الكلام مردود على أصحابه من جوانب عديدة أذكر منها:

-أولا: لو كان القرآن ضعيفا من حيث بلاغته، لما استعمله البلاغيون شاهدا على قواعد اللغة وأساليبها وتعبيراتها، بل هو المرجع الأول للاستشهاد عندهم، ثم يأتي بعده الشعر العربي. وهذا مبثوث في بطون المصادر والمراجع منذ نشأت علوم اللغة.

-ثانيا: هؤلاء يتحدثون وكأن كل الناس الذين مر عليهم القرآن طيلة قرون سكرت عقولهم، وطمست أبصارهم، وختم على آذانهم، فلم ينتبهوا لضعفه البلاغي.

-ثالثا: كيف يعقل لكتاب ضعيف من الناحية الأدبية أن يصمد كل هذا الوقت، ويحافظ على قدرته على إقناع ملايير البشر بما يدعو إليه؟

-رابعا: إن كان ضعيفا من الناحية البلاغية، لماذا يحارب ليل نهار؟ الضعيف يموت من تلقاء نفسه، فكثير من الأعمال الأدبية التي كانت لها الريادة في وقت من الأوقات، قد خفت نورها، وخبا ضياؤها بتعاقب الزمن. فاتركوا الناس وشأنهم مع القرآن إن كنتم صادقين في اتهامكم له بالضعف.

إلى هنا نكون قد تيقنا بأن الإتيان بمثل القرآن الكريم هو تحد معجز لم ينكسر عبر امتداد الزمان، فكل من حاول الوقوف أمامه لأي داع من الدواعي قد وجد نفسه أمام مهمة مستحيلة، منهم من اعترف بفشله فأسلم نفسه للحق، ومنهم من عاند وكابر فأخرسه الزمن وقضى على دعواه. ولنا وقفة في مقال آخر إن شاء الله عز وجل بخصوص التحدي الثاني وهو: خلو القرآن من أي خلل أو زلل أو عيب أو نقص.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.