منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأسس الشرعیة لمركزية السورة القرآنیة في المنهاج المعدل

الأسس الشرعیة لمركزية السورة القرآنیة في المنهاج المعدل / د. عبد الكريم بودين

0

 الأسس الشرعیة لمركزية السورة القرآنیة في المنهاج المعدل

د. عبد الكريم بودين

يمكنكم تنزيل كتاب:

“ مركزية القرآن الكريم في المنهاج المعدل لمادة التربية الإسلامية مقاربة ديداكتيكية ” 

من الرابط التالي:

 

تقتضي المنهجية العلمية الحديث عن الأسس الشرعية لمركزية القرآن الكريم في المنهاج المعدل، فمما لاشك فيه أنه على المستوى المعرفي العام هناك دراسات تهتم بالوحدة الموضوعية والبنائية للسورة القرآنية الواحدة، إذ هي التي تبرز المقصد العام من السورة، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى (المتوفى سنة: 790ـ هـ): “.. وجميع ذلك لا بد فيه من النظر في أول الكلام وآخره بحسب تلك الاعتبارات؛ فباعتبار جهة النظم مثلا السورة لا تتم بها فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر؛ فالاقتصار على بعضها فيه غير مفيد غاية المقصود، كما أن الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما، لا يفيد إلا بعد كمال النظر في جميعها”[1].

ولقد بين ذلك من خلال حديثه عن سورة البقرة مثلا، قال: “فسورة البقرة مثلا كلام واحد باعتبار النظم، واحتوت على أنواع من الكلام بحسب ما بث فيها، منها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب، ومنها ما هو كالمؤكد والمتمم، ومنها ما هو المقصود في الإنزال، وذلك تقرير الأحكام على تفاصيل الأبواب، ومنها الخواتم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت وما أشبه ذلك”[2]. 

ويقول برهان الدين البقاعي (المتوفى:885 ه): “فإن كل سورة لها مقصد واحد يدار عليه أولها وآخرها، و يستدل عليه فيها، فترتب المقدمات الدالة عليه على أتقن وجه، وأبدع نهج، وإذا كان فيها ما يحتاج إلى دليل استدل عليه. وهكذا في دليل الدليل، و هلم جرا. فإذا وصل الأمر إلى غايته، ختم بما منه كان ابتدأ، ثم ا نعطف الكلام إليه، وعاد النظر عليه، على نهج  آخر بديع، ومرقى غير الأول منيع… وآخر السورة قد واصل أولها، كما لاحم انتهاؤها ما بعدها. وعانق ابتداؤها ما قبلها، فصارت كل سورة دائرةً كبرى، مشتملة على دوائر الآيات الغُرِّ البديعة النظم، العجيبة الضم..”[3].

وقول جلال الدين السيوطي(المتوفى:911ه):”قال بعض المتأخرين: الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر إلى الغرض الذي سيقت له السورة وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام أو اللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء الغليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، فإذا فعلته تبين لك وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة”[4].

وقد أشار الدكتور محمد بن عبد ﷲ دراز (المتوفى: 1377ه)، إلى:” أن هذه المعاني تنتسق السورة كما تنتسق الحجرات البنيان. لا، بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضعي من أنفسهما، كما يلتقي العظمان عند المفصل ومن فوقهما تمتد شبكة من الوشائج تحيط بهما عن كثب، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعضاء؛ ومن وراء ذلك كله يسري في جملة السورة اتجاه معين، وتؤدي بمجموعها غرضًا خاصا، كما يأخذ الجسم قوامًا واحدًا، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد، مع اختلاف وظائفه العضوية”[5].

إن كل سورة قرآنية مهما تعددت قضاياها، تحقق مقصدا واحدا، يجلي النظام الكلي الذي جاءت به في جملتها، وذلك من أروع وجوه الجمال في النظم.

وأما سيد قطب (المتوفى: 1385 ه) فقد جلى الوحدة الموضوعية في السور القرآنية كلها، قال:” إن لكل سورة من سوره شخصية مميزة!  شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس! ولها موضوع رئيس أو عدة موضوعات رئيسة مشدودة إلى محور خاص. ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها، ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة، تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو.. وهذا طابع عام في سور القرآن جميعا”[6].

ويقول أيضا:” إن لكل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة، وذات ملامح متميزة، وذات منهج خاص، وذات أسلوب معين، وذات مجال متخصص في علاج هذا الموضوع الواحد، و هذه القضية الكبيرة. إنها كلها تتجمع على الموضوع والغاية”[7].

“فالقرآن يروم من قارئه أن ينال من قراءة كل سورة من سوره نصيبا وافرا من الهدايات التي بثها فيها، ويخرج من تدبره لأسلوبها ومعانيها وفواصلها ومعايشة قصصها وصورها وحواراتها برسالة السورة التي تحملها إليه… ولعل حكمة ذلك هو أن السورة – كالآية الواحدة- ينبغبي للوارد على حياضها ليستقي من معينها بالمكيال الأوفى أن يتم تلاوتها إذا أراد أن يستمنحها هداها كله، لا أن يتوقف عند جزء منها… ؛ فإذا استأنف قراءتها بعد ذلك لم يتلق الرسالة القرآنية الكلية في السورة، وإنما أخذ بعض معانيها فحسب”[8].

 


[1] ابراهيم بن موسى الشاطبي الموافقات، ، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن، دار ابن عفان 1417/1997، ط1  4/268.

[2] المصدر نفسه. 4/268.

[3] أبو بكر البقاعي،  مصاعد النظر للإشراف مقاصد السور ، مكتبة المعارف الرياض ع، ط1، 1408/1987، 1 /149.

[4] جلال الدين السيوطي، الإتقان علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1394/1974، 3/ 376.

[5]  محمد بن عبد الله دراز، النبأ العظيم، دار القلم للنشر والتوزيع، ط 1426/2005، ص 188.

[6] سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت القاهرة، ط17، 1412، 1/ -27 -28.

[7] نفسه(3/1243)

[8] مقال: وحدة النسق في السورة القرآنية، رشيد الحمداوي، مجلة معهد الإمام الشاطبي للدراسات القرآنية، عدد 3، 1428،ص: 151-152.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.