منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

واقع المسلمين | مفارقة بين التدين والأخلاق

واقع المسلمين | مفارقة بين التدين والأخلاق/ صلاح الدين المساوي

0

واقع المسلمين | مفارقة بين التدين والأخلاق

بقلم: صلاح الدين المساوي

2/ جماعة المسجد

لقد إعتنى ديننا الحنيف بقدسية الأخلاق وجعلها منار الإسلام ورسالته“إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”الحديث. وعلى هذا الأساس فإن كل تدين فقد حسن الخلق فهو تدين أجوف.

لا أدري لماذا أكثر الناس من المسلمين يسمعون الوعظ ويحضرون الخطب الأسبوعية بانتظام في المسجد، لكن واقعهم الأخلاقي منذر ومؤسف!!!!

هذا الكلام هو خلاصة تجربة وممارسة في الميدان تقريبا لعقدين من الزمن…و سأترك لكم الواقع يحكي عن بعض التصرفات لدى المسلمين(كعينات متفرقة هنا وهناك)تكشف لنا عن مصدر الخلل.

أ-شرطي إسباني يعظ المسلمين:

ذات يوم تم اعتقال رئيس مسجد بتهمة الاشتباه فيه “بالإرهاب” ،ولبث سنتين تقريبا تحت التحقيق ، إلى أن حكمت عليه المحكمة ببراءة ،فلما عاد إلى المسجد، وجد المسلمين قد اختاروا لأنفسهم رئيسا جديدا لإدارة شؤونهم ، فإذا به يعلن تحديه وتطاوله على كل الأعراف والقوانين المنظمة: “إما أنا أو لا أحد” !!! فكان كل يوم الجمعة حيث يكتظ المسجد بالمصلين ،يقوم فيهم فيقول بكل وقاحة:” إذا لم تعترفوا برئاستي فسأغلق هذا المسجد،” فإذا بالناس ينتفضون ،وترتفع الأصوات، ويكثر الصخب والهرج داخل المسجد، حتى يحضر على إثره رجال الشرطة، فيحاولون الصلح بينهم ،ويسددوا ويقاربوا ، ثم يطلبون منهم الهدوء والتريث، لعلهم يستحيون فيرجعون، لكن دون جدوى!!! . وذات جمعة إنفجر شرطي في وجوههم، واعظا إياهم وعظا بليغا: “أيها الناس إسمعوا لي جيدا،أنا أريد أن أفهم هل أنتم تجتمعون للصلاة وفي بيت الله، أم أنكم تلتقون في ملهى اللعب والقمار!!!. أنا شخصيا لما أذهب إلى الكنيسة يوم الأحد أدخل بأدب وهدوء ،وأخرج بسكينة ووقار…أما أنتم فبئس ماتفعلون!!” فوقف الناس مندهشين ،مصدومين من هول ما يسمعون! ثم طأطأوا رؤوسهم و انصرفوا.

وفي الأسبوع الموالي دخل الرجل( الرئيس السابق) المسجد مختفيا عن الأنظار فكسر المنبر ،وجمع كل أثاث المسجد ، ليرميها في حاوية الأزبال، ولم يعد مرة أخرى إلى المسجد…!!!

ترى هل أصابه جنون أم حلّ به غضب الله ومقته…!

بالفعل مع الوقت أصبح الرجل يعاني من اضطرابات نفسية حادة …يكره كل الناس، ويبيت في العراء ..وحاله مستاء جدا !!!لقد فقد عقله تماما ، وصار مجنونا لا يفهم ولا يعقل …!! فاللهم سلم سلم.

ألا فليعلم الناس أن للبيت رب يحميه ،ومن تعدى وظلم، فلا يلومن إلا نفسه.

ب-صراع حول بناء المسجد!

كان الصديق إسماعيل يعمل بجد ونشاط في سبيل بناء مسجد أرحب وأوسع، ليكون منارة للدعوة إلى الله، وتعليم الصغار والكبار القرآن والأخلاق وسائر العبادات ، فراح يسهر على تهيئ الأوراق القانونية والإدارية، ليبدأ مشروع البناء في جو يملأه الود والأخوة والتعاون ، إلا أنه لما قارب من انتهاء كل الاجراءات المطلوبة، يفاجأ بخبر نزل عليه كالصاعقة، وذلك أن الرئيس إعترف أمام جمع من الناس أن المال الذي كان يجمعه باسم المسجد ،بما مقداره (30ألف أورو)قد أقرضه ذات يوم لنفسه، ولم يقدر على تسديده إلى الآن !!،…وهنا شعر إسماعيل بالفشل والهوان، وأن كل جهوده التي قضاها في الاعداد ذهبت سُدا ،وأن رواد المسجد سينتفضون ويمتنعون و يفترقون فتذهب ريحهم. لكن في النهاية حصلت فقط جعجعة بلا طحين، و سرعان ما أُخمد ضجيجُها وتم إسكات القوم دون أدنى مقاومة!! ،وذلك بسبب “الركيزة المتينة” التي يتمتع بها الرجل”الرئيس”!!!.

ولدرء الرماد في العيون تظاهر بتقديم اسقالته من منصبه، ثم اختفى عن الأنظار ،وبقي يتابع حركات تطور مشروع بناء المسجد من بعيد ،مع إرسال عيونه بين المصلين ، حتى إذا بلغه ما لا يسره ،جمع حشوده وجاء إلى الدراويش الخائفين من ظلهم ،!!وهددهم بأن الرجل المسمى”إسماعيل” متهم بالإرهاب وأنه يعارض (الملك ) بالمغرب، وأن المخابرات و البوليس ينتظرونه عند نقطة العبور ، فلا تضعوا ثقتكم فيه، وإن فعلتم فسوف يجلب عليكم الويل والثبور!!، ويسبب لكم السجن والهلاك، لأنكم إخترتموه رئيسا عليكم. ودامت هذه الأسطوانة التحريضية مايقرب أكثر من ثلاث سنوات ، ولما استوت السفينة على الجودي، وبعد كثير من المعاناة و الجد والكفاح للصّديق إسماعيل، عاد الرئيس المُقال ليثبت وجوده كرئيس شرعي والوحيد لجماعة المسجد، مدعَّما ببلطجيته( …)، الذين إجتهدوا في اختراع كل أساليب الرعب والتضليل على المسلمين؛ لإبعادهم عن صحبة ثلة من المومنين الذين تفانوا في بناء صرح المسجد، وقدموا الغالي والنفيس في سبيل هذه المعلمة التارخية!!

وبالفعل بما أننا في عصر المكر والخديعة والكيل بمكيالين، كانت النتيجة لصالح الانقلاب كما العادة.

قضى الصديق إسماعيل على إثر هذه الأحداث الخبيثة التي لم تكن بحسبانه أكثر من شهر ،طريح الفراش بالمستشفى ، وذلك لأن من شيمه الثقة العمياء في كل من تجمعه به شراكة عمل خيري ،ولا يحمل في قلبه مثقال ذرة من حقد على أحد ،وكان يحلم بجمع شمل المسلمين وتوحيدهم ،فالاتحاد قوة كما يقال. لكن فاتورة ضريبة الصدق كانت غالية جدا!!

وبعد هذه الضربة الموجعة تعلم إسماعيل درسا كبيرا في طريق الدعوة إلى الله ؛فمشروعه الطَّموح لم يكتب له النجاح إلا بعد فراقه “للمرجفة قلوبهم” ، واختيار طائفة من الصادقين ليعود بهم إلى الوراء، حيث مسجد كمفحص قطاة، يثقل كاهلهم ،ويعجزون أحيانا على أداء فاتورة الكراء، لكنهم صبروا و احتسبوا و علموا بأن للحرية ثمنا ،لابد من الصبر على تسديده مهما كلف الأمر.
وهكذا إنطلقت بهذا المسجد الصغير بحجمه، والكبير في جوهره، أوراش عمل ضخمة ما بين التعليم والتربية للأطفال والشباب والرجال والنساء، إلى أن منّ الله عليهم بشراء مسجد أكبر و أرحب، يحتوي على طابقين اثنين، بثمن بخس ،يسّر الله فيه، وكأنه منحة ربانية عوضهم به على مافات، وأنساهم في كل المعاناة والضربات .
“فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”.

ج-كلب في المسجد…!!!

بعد حادثة وقعت داخل المسجد بين جماعة المصلين والرئيس ،حصل على إثرها نزيف دموي خطير…تم الاتصال بالشرطة فحضروا على الفور ومعهم كلاب مدربة لتقتحم المسجد، قصد تفريق المتشابكين ومعاينة الجريمة الدموية…وفي هذا الموقف الصعب والذي يندى له الجبين حاول أحد المصلين أن يعترض الطريق لشرطي- وقد أخذ بتلابيب كلبه وهمَّ باقتحام حرمة المسجد- ، ليشرح له بأن ديننا يمنع إدخال الكلاب إلى المسجد…فإذا به يفاجئه مستنكرا؛ أليس حرمة الإنسان أعظم من البيت!! ماهذه الدماء التي سالت في المسجد!! دع عنك الكلب فإنه شرطي مدرب جاء لينقذكم من الخطر الداهم…!!! فبهت الرجل واستسلم في خجل قائلا: “صدقت سيدي”!!

كانت هذه بعض العينات لاستقراء الواقع المرير الذي تتخبط فيه الأمة في شأنها الديني.

فماهي التطلعات المرتقبة لتجاوز الأزمة،ومن يتحمل ثقل المسؤولية للعبور إلى مستقبل آمن؟

يقول المثل الشهير”ما حك جلدك إلا ظفرك” فلا حلاّ سحريا ينتظر، ولا تملصا من تحمل المسؤولية يرجى. بل إن المسلمين في حاجة إلى تظافر الجهود ونسيان الخلافات ووضعها جانبا مع إعلان التوبة النصوح لخدمة الدين ،وحمل الرسالة العظمى إلى عباد الله جميعا، وهذا لا يتأتى إلا باقتفاء مسلك التربية ثم التربية ثم التربية…ونقصد بالتربية ذكر الله تعالى وحمل النفس على الصدق قولا وفعلا وفكرا وعلما ،وملاك ذلك كله في لزوم جماعة المومنين”ياأيها الذين آموا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ” وبعد هذا وذاك يبقى الثقل الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق أولي الألباب من الناس، وعلى رأسهم الإمام والداعية إلى الله بصفته قائدا روحيا ومرشدا دينيا( أوروبيا) يسعى إلى تنوير المسلمين وتذكيرهم بأعظم أمانة حملها الإنسان (هي وظيفة العبودية لله)
ترى كيف يجب أن يعمل هذا الامام القائد؟ ، وما منهج خطابه، ومدى تأثيره في المحيط الذي يعمل فيه؟

وماهي العقبات والمحن التي تحول دون بلوغ المرام؟ كل ذلك سنراه مع ثالث الأثافي (الإمام) كنقطة الإرتكاز.
يتبع …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.