منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علاقة علم الكلام الأشعري بالفلسفة: من المواجهة إلى الاستيعاب

د. محمد الأنصاري

0

نشر هذا المقال بمجلة ذخائر العدد السابع

ملخص:

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن جوانب من علاقة علم الكلام الأشعري بالفلسفة الإسلامية وذلك من خلال البحث عن عوامل المواجهة المبكرة بين هذين المجالين المعرفيين في السياق الإسلامي، وفي هذا الصدد يمكن بسط مجموعة من العوامل التي كان بعضها مرتبطا بمقالات المخالفين من المتكلمين (المعتزلة خصوصا) بينما ارتبط البعض الآخر بمقالات الفلاسفة المخالفة لوجهة النظر الأشعرية وخاصة ما يتعلق بمباحث الإلهيات. لكن هذه المواجهة لم تصمد طويلا أمام عوامل تطور الدرس الكلامي الأشعري المتأخر والتي جعلته ينفتح على الفلسفة ويستوعبها ويتأثر بها منهجا ومضمونا حتى اختلطت مباحث الفنين وصعب على الكثيرين الفصل بينها. وأمام هذا الواقع الإبستمولوجي ارتفعت أصوات عدد من المتكلمين الأشاعرة الذين حذروا من بعض الكتب التي بالغت في المزج بين علم الكلام والفلسفة ونادوا بالعودة إلى كتب المتقدمين من أجل بناء العقائد ودفع الشبهات.

الكلمات المفاتيح: علم الكلام، الفلسفة الإسلامية، المذهب الأشعري.

قراءة وتنزيل البحث بصيغة pdf

المزيد من المشاركات
1 من 32

Abstract:

 This study aims to reveal aspects of the relationship of Ash’ari theology to Islamic philosophy by searching for the factors of early confrontation between these two areas of knowledge in the Islamic context. In this regard, a set of factors can be laid out. Some of these factors were related to the articles of dissenting theologists (particularly Mu’tazilah) while others were related to the articles of dissenting philosophers to the Ash’ari viewpoint, especially those articles on divinity Investigation. However, this confrontation did not last long in the face of the factors of the development of the late Ash’ari theology lesson. Such development made it open to philosophy and its assimilation. It was so influenced by philosophy in methodology and content to the extent that the technical subjects were mixed and were difficult for many to separate between them. Faced with this epistemological reality, a number of Ash’ari theologists voiced out their warnings against some books that exaggerated the mix between theology and philosophy, and called for a return to the former foundation books for constructing beliefs and avoiding doubtful matters.

Key words: Islamic theology, Islamic philosophy, Ash’ari, religious school of theology.

 

مقدمة:

يعتقد كثير من الباحثين أن علاقة علم الكلام الأشعري بالفلسفة الإسلامية كانت علاقة متوترة طبعتها المواجهة خلال مختلف مراحلها. ويزداد هذا الاعتقاد رسوخا بما كرسه المخيال المدرسي من توجيه الإمام الغزالي (متكلم وأصولي أشعري، 505 ه) الضربة القاضية للفلسفة عبر كتابه الشهير «تهافت الفلاسفة». لكن الباحث المتخصص يعرف يقينا أن تلك العلاقة أعقد من أن يحكم عليها بمثل ذلك الحكم العام الجاهز. فالمسار الحقيقي لتلك العلاقة سواء في انعطافاته التاريخية أو في صعوده ونزوله المعرفي عرف عدة تطورات. تلك التطورات التي تسعى هذه الدراسة إلى إيضاحها عبر قراءة المتن الكلامي الأشعري ومساءلة الحضور الفلسفي فيه كما وكيفا.

يمكن القول إجمالا أن علاقة الكلام الأشعري بالفلسفة قد ابتدأت منذ تأسيس ذلك «الكلام» على يد الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه (324ه) حيث نجد في كتبه التي بين أيدينا شذرات تمكننا من تبين موقفه من الفلسفة التي توسلت بها أهم فرقة واجهها هذا الإمام وهي فرقة المعتزلة. هذه المرحلة، حيث كان النقد الكلامي للفلسفة جزئيا في بعض القضايا ودون تبحر في الفلسفة، يمكن أن تمتد لتشمل كذلك المؤسس الثاني للمذهب وواضع مقدماته العقلية ومناهج الاستدلال، أقصد بذلك الإمام الباقلاني (402 ه)، وإلى حد ما إمام الحرمين الجويني (478ه).

لقد انتقلت المواجهة مع طبقة تلاميذ إمام الحرمين وتلاميذهم إلى المواجهة الشاملة وظهر المتكلمون المختصون في الرد على الفلاسفة مثل الإمام الغزالي صاحب «تهافت الفلاسفة» و «مقاصد الفلاسفة» ومؤرخ الفرق والمقالات الإمام الشهرستاني (548 ه) صاحب «مصارعة الفلاسفة». لكن هذه المواجهة الشاملة لا ينبغي أن تخفي علينا حقيقة توظيف هذه الطبقة لمعرفتهم بالفلسفة ومقالات الفلاسفة ومناهجهم في خدمة الدرس الكلامي الأشعري. ذلك التوظيف الذي لـمَّح إليه الإمام ابن العربي المعافري (543ه) تلميذ الحجة الغزالي بقوله: «شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع.»[1]

لقد مهدت المرحلة السابقة لظهور متكلمين فلاسفة مزجوا بين علم الكلام الأشعري والفلسفة الإسلامية مزجا منهجيا وموضوعيا. وكان من أبرزهم الإمام فخر الدين الرازي (606 ه) صاحب المتون الكلامية والفلسفية الكثيرة. وتبعه في نفس الطريق كل من الأئمة: الآمدي (631 ه)، والأرموي (682ه)، والإيجي (756ه)، والتفتازاني (792ه)… وقد أثمرت هذه المرحلة متونا كلامية يغلب عليها الطابع الفلسفي وهو ما جر كثيرا من متأخري المذهب إلى التحذير منها مثل الإمام السنوسي (895 ه) الذي حذر من كتب الرازي والقاضي البيضاوي (685 ه) لأنهما أولعا بصحبة الفلاسفة و حشيت كتبهم بالفلسفة.[2]

بهذا التحليق السريع في سماء الكلام الأشعري يتضح أن العلاقة بين هذا الكلام والفلسفة الإسلامية علاقة معقدة يحتاج الحكم عليها إلى دراسة متخصصة رصينة.

المحور الأول: المواجهة بين علم الكلام الأشعري والفلسفة: الأسباب، والمآلات

أذا رمنا تعريف علم الكلام الأشعري بما يتضمن الغاية منه وتحديد منهجه فإننا لن نجد أفضل من التعريف الذي ذكره العلامة والمتكلم الأشعري عبد الرحمن بن خلدون في المقدمة حيث قال: «علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف وأهل السنة.»[3] فهذا العلم كان مطبوعا منذ النشأة بخاصية الإجرائية والوظيفية من خلال توجهه لبناء العقائد والحجاج عنها من جهة والرد على المخالفين من جهة ثانية. وقد كانت الفلسفة من أبرز الأنساق المعرفية المخالفة التي سعى المتكلمون الأشاعرة إلى نقدها ومواجهتها. لكن الكلام عن تلك المواجهة يخفي دائما كثيرا من التفاصيل المتعلقة بأسبابها والمآلات التي أسفرت عنها.

إن البحث عن الأسباب الحقيقية لمواجهة الفكر والكلام الأشعري للفلسفة يستدعي تتبع المسار التاريخي لتلك المواجهة. ذلك أن تلك الأسباب تختلف باختلاف كل مرحلة من مراحل المواجهة التي يمكن أن نقسمها إلى مرحلتين اثنتين: المرحلة الأولى التي تمتد من الإمام المؤسس أبي الحسن الأشعري (324 ه) وتنتهي بإمام الحرمين الجويني (478 ه) مرورا بالقاضي أبي بكر الباقلاني (403 ه). أما المرحلة الثانية فتضم كلا من الإمام أبي حامد الغزالي (505 ه) والإمام الشهرستاني (548 ه). وتتميز كل مرحلة بخصائص تطبع النقد الكلامي الأشعري للفلسفة.

المرحلة الأولى: بدايات المواجهة وخلفياتها ومآلاتها

تمكننا مطالعة المتن الكلامي الأشعري الممثل لهذه المرحلة (الأشعري، الباقلاني، الجويني) والرجوع إلى كتب المقالات من تكوين صورة عن أسباب وقوف الأشاعرة في وجه الفلسفة منذ اللحظة التأسيسية الأولى مع شيخ الجماعة الإمام الأشعري. فهذا الإمام الذي عاش معتزليا أربعين سنة يعرف جيدا أن المعتزلة قد تأثروا في بعض عقائدهم ومناهج استدلالهم بالفلسفة بشكل كبير. كما أن بعض القضايا الجزئية، في الإلهيات خصوصا، قد شكل كلام الفلاسفة فيها مقالات مخالفة استدعت الرد من طرف نظار هذه المرحلة. وهكذا كانت المواجهة خلال هذه المرحلة جزئية وكان الاطلاع على مقالات الفلاسفة قاصرا.

أولا: في البدء كان الاعتزال:

يؤكد الجاحظ (255 ه)، وهو أحد شيوخ المعتزلة المتقدمين وصاحب فرقة كلامية، على أهمية الاطلاع على الفلسفة في تحصيل صفة المتكلم فيقول: «وليس يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام متمكنا في الصناعة، يصلح للرياسة، حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة. والعالم عندنا هو الذي يجمعهما، والمصيب هو الذي يجمع بين تحقيق التوحيد وإعطاء الطبائع حقائقها من الأعمال.»[4] والحقيقة أن كلام الجاحظ هذا هو تصوير دقيق لمرحلة من مراحل الاعتزال عرفت نبوغ متكلمين كبارا اغترفوا من الفلسفة وأثرت في كثير من مقالاتهم وآرائهم بشكل كبير. ومن أبرز أولئك: أبي الهذيل العلاف (235 ه)،[5] وإبراهيم بن سيار النظام (221هـ).[6]

وقد أشار عدد من المؤرخين إلى تأثر هؤلاء المشايخ من المعتزلة بالفلسفة وخلط مناهجها بمناهج الكلام.[7] وكانت مشكلة الصفات الإلهية من أهم القضايا التي تأثر فيها هؤلاء بالفلاسفة حيث وافقوهم في نفي الصفات. وإلى ذلك يشير الشهرستاني في مقاطع عديدة منها قوله: «القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الباري تعالى، من العلم والقدرة، والإرادة والحياة، وكانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة، وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين، قال من أثبت معنى، وصفة قديمة أثبت إلهيين، وإنما شرعت أصحابه فيها بعد مطالعة كتب الفلاسفة…»[8].

لم تكن مسألة الصفات الإلهية هي المسألة الوحيدة التي تأثر فيها المعتزلة بالفلاسفة وإنما كان هناك تأثر أيضا بالمنهج في الاستدلال. لقد بحث المعتزلة أيضا المسائل الطبيعية من أجل استخدامها مقدمات عقلية في إثبات العقائد. وكان من أهم تلك المسائل نظرية الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الدليل الذي استخدمه الأشاعرة فيما بعد وعُدَّ لزمن طويل أبرز أدلتهم على حدوث العالم وإثبات الصانع. يذكر القاضي عبد الجبار أن أبا الهذيل العلاف هو أول من استدل بتلك الطريقة وتابعه باقي شيوخ الاعتزال.[9]

إن استحضار خلفية الاعتزال الفلسفية خلال هذه المرحلة مفيد جدا في تبين أسباب موقف الأشاعرة المعادي للفلسفة خلال نفس المرحلة. ذلك الموقف الذي تترجمه عبارات الأئمة عند طرق مسائل الخلاف التي لها علاقة بالفلسفة. وهذا الأمر هو ما يوضحه السعد التفتازاني حين يربط بين تطور كلام المعتزلة ونظرهم في الفلسفة: «ومعظم خلافياته (علم الكلام) مع الفرق الإسلامية، خصوصا المعتزلة لأنهم أول فرقة أسسوا قواعد الخلاف لما ورد به ظاهر السنة، وجرى عليه جماعة من الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين- في باب العقائد… ثم إنهم توغلوا في علم الكلام، وتشبثوا بأذيال الفلاسفة في كثير من الأصول، وشاع مذهبهم فيما بين الناس.»[10].

ثانيا: بداية الاحتكاك بالمقالات الفلسفية المخالفة

لم تكن الأصول التي تأثر فيها المعتزلة بالفلاسفة السبب الوحيد الذي دعا الأشاعرة المتقدمين إلى معاداة الفلسفة. بل كانت هناك مقالات للفلاسفة مخالفة للنظام الكلامي الأشعري. وقد كان من أوائل تلك المقالات المنتقدة على الفلاسفة بعض مباحث الإلهيات ومباحث المنطق أيضا. ففي جانب الإلهيات انتقد الأشاعرة مقالة الفلاسفة بقدم العالم وكون الله عز وجل علة موجبة مستلزمة لمعلولها. نجد هذا النقد عند كل من الإمام الباقلاني والجويني.

لقد خصص الإمام الباقلاني بابا في كتابه التمهيد للكلام على القائلين بفعل الطبائع. وفي ذلك الباب نجده قد انتقد مذاهب متعددة في السببية والتعليل واضعا بذلك البذور الأولى لنظرية العادة والاقتران. تلك النظرية التي سيوطدها ويبنيها بشكل أكثر إحكاما الإمام الغزالي من بعده. أما في نقده للمنطق فإننا نجد إشارة قوية من الشيخ ابن تيمية إلى كون القاضي قد خصص أحد مؤلفاته لذلك الغرض.[11]

ولقد سار إمام الحرمين على خطى القاضي الباقلاني فخصص فصولا في كتابه «الشامل في أصول الدين» للرد على الفلاسفة القائلين بقدم المادة.[12] وقد رد بدوره على المنطقيين ردودا مجتزأة وعابرة في بعض كتبه مثل «كتاب التلخيص في أصول الفقه» الذي ذكر فيه تعريف المناطقة للقياس وانتقده نقدا مقارنا مع القياس الأصولي.[13]

ورغم هذا النقد الواضح للفلسفة إلا أن المتكلمين الأشاعرة على طريقة المتقدمين قد تأثروا ببعض أساليب الفلاسفة في الاستدلال. وفي هذا الصدد يبرز ابن خلدون الإمام الباقلاني باعتباره مهذبا لطريقة المتقدمين حيث «وضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأنظار في ذلك، مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء، وأن العرض لا يقوم بالعرض وأنه لا يبقى زمانين..»[14] وما ذكره ابن خلدون من المقدمات هي مقدمات دليل الحدوث الذي انتقده الإمام الاشعري – كما ورد سابقا- واعتبره طريقة للفلاسفة ومن قلدهم من القدرية.

كما أن الإمام الجويني قد أدخل نوعا من الاستدلال الفلسفي على وجود الله عز وجل. ذلك الاستدلال الذي يقوم على مقدمة الوجوب والإمكان والذي سيوليه المتأخرون من الأشاعرة عناية خاصة ويقررونه أتم تقرير.[15] كما تجلى تأثير الفلسفة على إمام الحرمين أيضا في إبطاله لمبدأ القاضي الباقلاني: بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول، وقد أكد بأن بطلان الدليل لا يؤذن ببطلان المدلول.[16] ومن ثم نستطيع القول أن هذه المرحلة وإن عرفت نقدا للفلسفة فإنه كان نقدا جزئيا في قضايا معينة كما أن المتكلمين الأشاعرة قد تأثروا ببعض طرق الفلاسفة في الاستدلال.

المرحلة الثانية: المواجهة الشاملة المتخصصة

بعد المرحلة السابقة التي برز فيها عدد من متقدمي الأشاعرة جاءت مرحلة المواجهة الشاملة والمتخصصة مع أعلام المذهب الذين تخصصوا في دراسة الفلسفة ونقدها والرد على مقالات الفلاسفة. ولا تذكر علاقة الفلسفة بعلم الكلام أو الدين عموما حتى يبرز اسم الإمام الغزالي الذي تخصص في الرد على الفلسفة عبر مشروع نقدي تمخض عن عدد من المؤلفات التي ما زالت إلى يومنا هذا مثار الجدل واختلاف الآراء. وبعد الإمام الغزالي بسنوات وجيزة جاء مؤرخ الفرق والمقالات والمتكلم الأشعري البارز أبو الفتح الشهرستاني ليؤسس اتجاها جديدا في نقد الفلسفة بأدوات أكثر دقة وموضوعية.

أولا: مشروع الإمام الغزالي لمواجهة الفلسفة

قد كثر الكلام عن الأسباب التي أدت بالإمام الغزالي إلى التخصص في مواجهة الفلاسفة. ورغم أهمية بعض القراءات الإيديولوجية الحديثة للظاهرة الغزالية في نقد الفلسفة فإنها تبقى قراءات بعيدة عن جوهر المشكل بسبب تضخيمها لبعض الأحداث وتغاضيها عن أحداث أخرى أكثر أهمية في سبيل تخليص النتيجة. تلك النتيجة التي يمكن تلخيصها في أن الغزالي قد واجه الفلسفة بمنطق نصرة الدولة ومواجهة التيارات المعارضة المتوسلة بالفلسفة.[17]

يمكن تلخيص أسباب مواجهة الغزالي للفلسفة في نوعين من الأسباب: أسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة. أما المباشرة فتتمثل في الدفاع عن الرؤية الإسلامية في مواجهة الرؤية الفلسفية اليونانية التي قام الفلاسفة وخاصة الفارابي (339 ه) وابن سينا (428 ه) بمحاولة تبيئتها في الوسط الإسلامي عبر إقامة نوع من التوفيق والجمع بين الدين والفلسفة. وقد أدت تلك المحاولات إلى إنشاء نوع من علم الكلام الفلسفي وخاصة مع أبي علي بن سينا. والذي يظهر -فعلا- أن الإمام الغزالي كان محركه في مشروعه النقدي هو مواجهة الرؤية الفلسفية هو ما قام به من تفصيل للعلوم الفلسفية وبيان علاقتها بالدين وترتيب الرد على أساس تلك العلاقة.

لقد حدد الإمام الغزالي في مختلف مؤلفاته التي تناول فيها المسألة الفلسفية علوم الفلسفة وبين الموقف منها بعبارات دقيقة. ففي كتابه «مقاصد الفلاسفة» الذي وضعه من أجل تقريب الفلسفة والتعريف بها ومذاهب الفلاسفة من غير تمييز بين الحق والباطل من مباحثها،[18] يقسم الفلسفة على أربعة علوم هي: الرياضيات وهي النظر في الحساب والهندسة وليس يتعلق شيء منها بالأمور الدينية نفيا أو إثباتا.[19] ثم هناك الإلهيات وفي هذا النوع تركز أهم نقد الغزالي وردوده على الفلاسفة حيث غلطهم في عشرين أصلا ضمنها كتابه «تهافت الفلاسفة»[20]، أما المنطقيات التي وصفها بأنها لا يتعلق شيء منها بالدين نفيا وإثباتا فقد اشتد إعجابه بها واعتبرها آلة ومقدمة لكل العلوم ومن لا يحيط بها فلا ثقة له في شيء من علومه.[21] ثم هناك الطبيعيات وقد رد عليهم فيها في مسائل معدودة. وقد أضاف إلى هذه العلوم الأربعة في المنقذ من الضلال صنفين آخرين من العلوم هما: السياسيات والخلقيات.[22]

والذي يظهر من هذا التقسيم والبيان الذي قام به الإمام الغزالي أن مواجهته للفلسفة لم تكن من أجل أنها فلسفة وإنما تمت تلك المواجهة بمقدار ما بدا للإمام الغزالي من معارضتها للدين. تلك المعارضات التي أشبع القول فيها في كتاب «تهافت الفلاسفة» من خلال المسائل العشرين التي تضمنها الكتاب وهي تتوزع على الإلهيات والطبيعيات. وأخطر تلك المسائل ثلاثة هي: القول بقدم العالم، ونفي الحشر الجسماني، ونفي إحاطة علم الله تعالى بالجزئيات.[23]

هكذا كان السبب المباشر لتخصص الإمام الغزالي في الرد على الفلاسفة. أما السبب غير المباشر والذي يظهر من عدد من كتبه الأخرى فيتجلى في توسل عدد من الفرق الباطنية بالفلسفة في بناء معتقداتها. وقد أشار الإمام الحجة إلى ذلك في «المنقذ من الضلال»[24] وبسط القول فيه في كتاب مخصوص هو «فضائح الباطنية»[25]

إن الكتب التي خصصها الإمام الغزالي للرد على الفلسفة تظهر أنه فعلا قد تخصص في الفلسفة ودرسها لمدة كافية أتاحت له التعرف على مباحثها. وقد صرح أنه قضى ثلاث سنوات في تعلم الفلسفة معتمدا في ذلك على ما كتبه الفارابي وابن سينا دون غيرهم من فلاسفة الإسلام.[26] وإن مرجعية هذين الفيلسوفين واعتماد الإمام الغزالي عليهما وحكمه على الفلسفة من خلال ما نقلا فقط يعد فعلا إشكالية كبرى. كما أن المنهج الذي اعتمده في الرد يستدعي أيضا التوقف عنده إذ كان قصده تعجيز الفلاسفة وبيان تناقضهم وإلزامهم بمختلف الإلزامات.[27]

كما أن ذلك التخصص لم يمر دون أن يترك آثارا على طريقة الغزالي الكلامية. لقد قال تلميذه الإمام ابن العربي المعافري ( 543 ه): «شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع.»[28] ولعل التلميذ يقصد بذلك تأثر شيخه بالفلسفة والمنطق على وجه الخصوص في درسه الكلامي والأصولي. فالمنطق الذي كان المتقدمون من المتكلمين والأصوليين يتحفظون عليه بل وينتقدونه كما رأينا مع القاضي الباقلاني وإمام الحرمين الجويني قد استدمجه الإمام الحجة في الكلام والأصول معا بل ألف فيه عدة تآليف واعتبره آلة لكل العلوم.

لقد صاغ الإمام الغزالي قواعد العقائد في كتابه «الاقتصاد في الاعتقاد» واستدل عليها بمناهج مستمدة من المنطق.[29] كما أنه كان أول من أدخل صناعة المنطق إلى أصول الفقه وذلك عندما صدر كتابه «المستصفى من الأصول» بمقدمة منطقية. وقد بين الشيخ ابن تيمية أسبقية الإمام الغزالي في إدخال المنطق في الفقه والأصول قائلا: «وإنما دخل هذا في كلام من تكلم في أصول الدين والفقه بعد أبي حامد في أواخر المئة الخامسة وأوائل المئة السادسة. فإن أبا حامد وضع مقدمة منطقية في أول «المستصفى»، وزعم أن من لم يحط بها علما فلا ثقة له بشيء من علومه. وصنف في ذلك «محك النظر» و «معيار العلم» ودوما اشتدت به ثقته.»[30]

ثانيا: الشهرستاني ومصارعة الفلاسفة

بعد الإمام الغزالي بوقت وجيز برز الإمام الشهرستاني ليرد على الفلاسفة لكن هذه المرة سيحاول هذا المتكلم الأشعري أن يتجاوز ما وقع فيه الإمام الغزالي من «تعجيز للفلاسفة وإلزامهم بكل الطرق» إلى المناقشة الندية الهادئة لمقالات الفلاسفة. لقد كان الإمام الشهرستاني أعرف من الحجة الغزالي بمقالات الفلاسفة ومذاهبهم، ذلك أنه تعرض لآراء الفلاسفة القدماء منهم والإسلاميين في كتابه «الملل والنحل». كما أنه يعتبر أكثر الأشاعرة التزاما للحياد والموضوعية في عرض آراء الخصوم.[31]

لقد واجه الشهرستاني الفلسفة في كتابين اثنين: الأول منهما هو كتاب «مصارعة الفلاسفة» والثاني كتاب «نهاية الأقدام في علم الكلام». ففي الأول نجده ينتخب سبع مسائل من إلهيات ابن سينا ويصارعه فيها –كما قال- مصارعة الأبطال وينازله منازلة الرجال. وقد بين شرطه في تلك المواجهة بقوله: «وشرطت على نفسي ألا أفاوضه بغير صنعته، ولا أعانده على لفظ توافقنا على معناه وحقيقته، فلا أكون متكلما جدليا أو معاندا سوفسطائيا.»[32]

لقد كان منهج الإمام الشهرستاني في هذا الكتاب يقوم على عرض كلام أبي علي ابن سينا في المسائل السبعة منتخبا من كتبه مثل: «الشفاء» و «النجاة» و «الإشارات» و «التعليقات» ثم يشرع في بيان ما فيه من التناقض، لينتقل بعد ذلك إلى مناقشة البراهين التي استند عليها من أجل دحضها وإبطالها.[33] وقد تميزت لغة ذلك العرض بكونها هادئة وبعيدة عن كل مظاهر التعصب والتشنج وإطلاق أحكام التبديع والتكفير.

أما كتاب «نهاية الأقدام في علم الكلام» فيمكن اعتباره أول كتاب أشعري كتب على طريقة علم الكلام الفلسفي. فهذا الكتاب الذي ضمنه صاحبه عشرين مسالة من علم الكلام قد أدخل في عرضها خلاف الفلاسفة ولم يقتصر على المخالفين من المتكلمين كما كان الأمر عليه من قبل. بل لم يخصص الفلاسفة بفصل أو باب مخصوص للكلام عليهم كما فعل القاضي الباقلاني، أو إمام الحرمين. لقد أورد موقف الفلاسفة في كل مسألة من علم الكلام لهم فيها رأي سواء كان موافقا أو مخالفا. كما أنه لم يقتصر على آراء الإسلاميين منهم مثل الفارابي وابن سينا، وإنما ذكر كثيرا من آراء القدماء من اليونانيين مثل: ثاليس وفيثاغورس وأنكساغورس وأنكسيمانس وسقراط وأفلاطن.[34] والحقيقة أن الشهرستاني قد استفاد مما ذكره في «الملل والنحل» من آراء ومقالات الفلاسفة. كما أن المتن السينوي قد كان حاضرا بقوة في كتابه وكان ينقل منه كثيرا ليرد عليه كما فعل في «مصارعة الفلاسفة».

لا يقتصر الحضور الفلسفي في «نهاية الاقدام» على نقل مقالات الفلاسفة ومقابلتها بالمقالات المخالفة بل إنه يمتد إلى الاستفادة من طرائق الفلاسفة في الاستدلال. وفي هذا المجال يستفيد الإمام الشهرستاني من خبرته الطويلة بالتأريخ للمقالات. فنجده يعرض طرائق الاستدلال السابقة سواء كانت للأشاعرة أو للمعتزلة ثم ينتقدها ويبين قصورها ليقترح بعد ذلك أدلة أخرى. ومن جملة الأدلة التي اعتنى بتقريرها مقدمة الوجوب والإمكان التي سبق للإمام الجويني أن أدخلها للتداول الكلامي.[35]

وخلاصة الأمر أنه مع الإمام الشهرستاني قد انتقل الدرس الكلامي الأشعري إلى مستوى من الموضوعية في التعاطي مع مقالات الفلاسفة. كما أن الحضور الفلسفي في ذلك الدرس قد كثر كما وتنوع كيفا. فلم يعد الاستمداد مقتصرا على المنطق كما كان عليه الشأن مع الإمام الغزالي بل تجاوز ذلك إلى إحلال الخلاف الفلسفي مكانة متميزة ضمن المقالات المنتقَدة. ولعل هذا الأمر هو العامل الأساس في نشأة طريقة المتأخرين في علم الكلام. وهو ما أشار إليه السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية حينما قال: «ثم لما نقلت الفلسفة إلى العربية وخاض فيها الإسلاميون حاولوا الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة، فخلطوا بالكلام كثيرا من الفلسفة، ليتحققوا مقاصدها فيتمكنوا من إبطالها. وهلم جرا إلى أن أدرجوا فيه معظم الطبيعيات والإلهيات، وخاضوا في الرياضيات حتى كاد لا يتميز عن الفلسفة، لولا اشتماله على السمعيات. وهذا هو كلام المتأخرين.»[36]

وبما يتقدم يتضح أن بذور علم الكلام الفلسفي أو طريقة المتأخرين في علم الكلام قد زرعت في تربة مرحلة المواجهة مع الفلسفة. كما يتضح أيضا أنه كان هناك تدرج في تسرب المباحث الفلسفية إلى علم الكلام. فلقد كان البدء بالمباحث الطبيعية التي استعملها المتكلمون مقدمات عقلية في الاستدلال وكان ذلك مع المعتزلة الأوائل أمثال: أبي الهذيل العلاف، وإبراهيم بن سيار النظام. ثم استدمجها الأشاعرة فيما بعد على يد القاضي أبي بكر الباقلاني. ثم حدث توظيف لمقدمة الوجوب والإمكان باعتبارها دليلا عقليا. وكان الانفتاح الأكبر على المنطق وصناعته مع الإمام الغزالي. ليختم الإمام الشهرستاني هذه المرحلة بالتمهيد لمقالات الفلاسفة وخلافهم في كل مسائل الكلام.

المحور الثاني: استيعاب علم الكلام الأشعري للفلسفة: الأسباب، والتجليات

يمكن القول أن المرحلة السابقة التي طبعتها المواجهة في علاقة علم الكلام الاشعري بالفلسفة قد حملت في طياتها أسباب استيعاب هذا العلم للفلسفة وتأثره بها بشكل كبير. لقد جعل العلامة ابن خلدون مرحلة الإمام الغزالي فاصلا تاريخيا بين طريقتي الكلام الأشعريتين: طريقة المتقدمين وأصلها كتاب الإرشاد لإمام الحرمين، وطريقة المتأخرين وأول من كتب فيها الغزالي رحمه الله وتبعه ابن الخطيب الرازي وجماعة قفوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم.[37] وفي تفاصيل هذا التحقيب التاريخي والموضوعي لعلم الكلام الأشعري يميز ابن خلدون في طريقة المتأخرين بين مدرستين أو اتجاهين:

  • طريقة الإمام الغزالي والفخر الرازي التي تختص بالرد على الفلاسفة وهي وإن وقع فيها مخالفة الاصطلاح الكلامي القديم فليس فيها من الاختلاط في المسائل بين الفلسفة وعلم الكلام.
  • طريقة علم الكلام الفلسفي والتي تميزت بالخلط الكبير بين الفنين والتباس مسائلهما بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر. ويمثل هذه الطريقة القاضي البيضاوي في الطوالع ومن جاء بعده من علماء العجم في جميع تآليفهم.[38]

لقد حصل الانفتاح الكبير لعلم الكلام الأشعري على الفلسفة السينوية على يد الإمام الرازي الذي ألف في علم الكلام تآليف متعددة اعتنى فيها بالرد على الفلاسفة فيما قرروه من الإلهيات. وكان من أهم تلك المؤلفات: «المطالب العالية من العلم الإلهي» وكتاب «محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين» إضافة إلى كتاب «المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات».

وفي تلك الكتب يتجلى الأثر الكبير للفلسفة في إعادة صياغة الدرس الكلامي الأشعري. لقد قام الإمام الرازي بتوظيف المفاهيم التي وضعها ابن سينا في إطار مسعاه إلى الجمع بين الدين والفلسفة.[39] وقد كان لذلك التوظيف والدمج أسبابه كما أنه ترك آثارا في بنية وخصائص علم الكلام الأشعري. تلك الآثار التي لم تسلم من النقد سواء الخارجي الذي قام به مناوؤن للكلام الأشعري من أمثال الشيخ ابن تيمية الذي تعرض لكلام الرازي وقوانينه بالنقض في عدد من المؤلفات. والنقد الداخلي الذي قام به بعض نظار الأشعرية المتأخرين مثل الإمام السنوسي الذي حذر من طريقة الفخر ومن تبعه ممن أولع بنقل كلام الفلاسفة.

أولا: أسباب انفتاح علم الكلام الأشعري على الفلسفة

لقد تعددت أسباب انفتاح علم الكلام الأشعري على الفلسفة ونهله منها وتأثره بها موضوعا ومنهجا وبنية. ويمكن أن نلمس في تطور ذلك العلم بعض الأسباب ومنها:

  • تداخل موضوع العلمين: علم الكلام والفلسفة وخاصة في مبحث الإلهيات. وإلى هذا التداخل قد أشار ابن خلدون عندما قال: «واعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته، وهو نوع استدلالهم غالبا، والجسم الطبيعي الي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات وهو بعض من هذه الكائنات، إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم، وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن، والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل. وكذا نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذلته، ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجود.»[40]
  • هذا التداخل في الموضوع مع اختلاف الهدف قد أدى في البداية إلى اختلاف منهج الفنين (علم الكلام والفلسفة) في طرق القضايا. وقد كان هذا التمايز واضحا، لكن التداخل قد بدأ من سعي المتفلسفة إلى التوفيق بين الدين والفلسفة. فدخل الفلاسفة وخاصة ابن سينا مجال الكلام في العقائد فكانت فلسفتهم أقرب إلى الكلام الفلسفي منها إلى الفلسفة الخالصة. لقد تناول ابن سينا نفس القضايا التي شغلت المتكلمين منذ نشأة علم الكلام مثل العلاقة بين الله والعالم، الكلام في الذات والصفات، قدم العالم وحدوثه…[41]
  • لقد كان لتوسل عدد من الفرق الكلامية وخاصة الباطنية بفلسفة ابن سينا في بناء مقالاتها دور مهم في إقبال المتكلمين على دراسة الفلسفة السينوية من أجل الرد على تلك المقالات. وكمثال على ذلك فقد حدد الإمام الرازي مصادر الشهرستاني في عرض مقالات الفرق والفلاسفة. وفي تلك المصادر ما يشير إلى اطلاع الشهرستاني على كلام الإسماعيلية وفلسفتهم.[42]
  • لقد كان لتوظيف المنطق الصوري والانفتاح عليه والفصل بينه وبين باقي العلوم الفلسفية الأثر الأكبر في انفتاح الدرس الكلامي الأشعري على الفلسفة. وكما أشرت سابقا فإن هذا التوظيف قد بدأ أشعريا مع الإمام الغزالي الذي تحمس للمنطق كثيرا وألف فيه كتبا عديدة. وإذا كان هذا التوظيف قد أسهم بشكل كبير في تطوير الاستدلال وقواعده إلا أنه قد فتح باب التأثر بالفلسفة منهجيا واستثمار بعض طرائقها والتخلي عن بعض المقدمات الكلامية التي ميزت طريقة المتقدمين. يقول أحد الباحثين ملخصا أثر المنطق في خلط علم الكلام بالفلسفة: «والواقع إن علماء الكلام المتأخرين باستخدامهم للمنطق الصوري أداة ومنهجا للبحث والاستدلال، جعلهم يطورون من منهجية علم الكلام، فأدخلوا في دائرة اهتمامهم المسائل الفلسفية، واستخدموها كمقدمات في الاستدلال على العقية الإسلامية.»[43]
  • يمكن أن يضاف إلى الأسباب السابقة سبب في غاية الأهمية يتعلق بالموسوعية والتكوين العلمي الذي ميز المصنفين على طريقة المتأخرين. فأغلبهم قد برع في علوم متعددة منها العلوم الشرعية والعلوم العقلية. فانعكس ذلك على مؤلفاتهم في مختلف الفنون التي كتبوا فيها التي برزت فيها خاصية التكامل بين تلك العلوم. لقد تداخلت في كتبهم تلك الفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه. فحاكموا الفلاسفة بمنطق المتكلمين وتكلموا بمفاهيم الفلاسفة وانعكس كل ذلك على درسهم الأصولي. وإن المطالع لكتب الفخر الرازي والسيف الآمدي[44] يظهر له مدى هذا الأثر وحضور خاصية التكامل المعرفي.

ثانيا: تجليات استيعاب الدرس الكلامي الأشعري للفلسفة

لقد استوعب الدرس الكلامي الأشعري على طريقة المتأخرين الفلسفة السينوية استيعابا بحيث يمكن القول إن المتون الأشعرية التي ألفت على تلك الطريقة تعكس خاصية الاستيعاب على مستوى المنهج والمضمون. وإن مطالعة أي متن منها ابتداء من كتب الفخر الرازي والآمدي التي يمكن اعتبارها بمثابة الأساس لطريقة المتأخرين لتوضح هذه الخاصية أيما توضيح.

  • الأثر على المستوى المضموني:

على مستوى المضمون نجد أن المتن الكلامي الأشعري المتأخر قد توسعت فيه المباحث الطبيعية والمنطقية بشكل كبير جدا. كما أن المتكلمين خاضوا في جميع مباحث الفلسفة لدرجة أصبح معها من الصعب فصل مباحث الفنين وموضوعاتهما. وقد أشار السعد التفتازاني أن علم الكلام على طريقة المتأخرين لا يكاد يتميز عن الفلسفة لولا اشتماله على السمعيات.[45]

إن مطالعة سريعة لموضوعات أي متن من تلك المتون توضح بالملموس كيف وقع تلبيس علم الكلام لبوس الفلسفة وقضاياها. فالآمدي مثلا قد جعل كتابه «أبكار الأفكار في أصول الدين»[46] مشتملا على ثماني قواعد متضمنة لجميع مسائل الأصول:

  • الأولى: في العلم وأقسامه.
  • الثانية: في النظر وأقسامه وما يتعلق به.
  • الثالثة: في الطرق الموصلة إلى المطلوبات النظرية.
  • الرابعة: في انقسام المعلوم إلى الموجود والمعدوم وما ليس بموجود ولا معدوم.
  • الخامسة: في النبوات.
  • السادسة: في المعاد وما يتعلق به من السمعيات وأحكام الثواب والعقاب.
  • الثامنة: في الإمامة ومن له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعلى هذا التقسيم لموضوعات الكلام سار القاضي الإيجي في مواقفه أيضا. وقد خصص الموقف الأول للمقدمات المنطقية والثاني للأمور العامة والثالث للأعراض والرابع في الجواهر والخامس للإلهيات والسادس للسمعيات.[47]

  • الأثر على المستوى المنهجي:

لقد كان الأثر المنهجي هو الأثر الأبرز للفلسفة على علم الكلام الأشعري. فقد شهدت مناهج الاستدلال تطورا كبيرا كما تم إغناء المصطلح الكلامي بالمفاهيم الفلسفية. ويعد هذا الأثر محددا فاصلا بين طريقتي الكلام للمتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة. لقد كانت طريقة المتقدمين تقوم على أدلة من قبيل السبر والتقسيم، وقياس الغائب على الشاهد، والاستدلال بصحة الشيء على صحة مثله، والاستدلال باللغة، إضافة إلى الأدلة النقلية من نصوص الكتاب والسنة.[48] وقد كانوا يمهدون لتلك الأدلة بمقدمات كلامية. وكانت صور تلك بعض تلك الأدلة – كما يقول ابن خلدون –  على غير الوجه الإقناعي لأن صناعة المنطق الذي تسبر به الأدلة وتعير بها الأقيسة لم تكن حينئذ ظاهرة في الملة.[49]

لكن مع إدخال الإمام الغزالي المنطق إلى المجال الكلامي وتصنيفه كتبا فيه وتوظيفه في الاستدلال على قضايا العقيدة انتقل الاستدلال في طريقة المتأخرين إلى الصيغة المنطقية. وتم أيضا تغيير طبيعة المقدمات في كتب علم الكلام من المقدمات الكلامية إلى المقدمات المنطقية. وتعد هذه المقدمات خاصية مشتركة في جميع كتب الكلام المتأخر.

لقد جعل الإمام الباقلاني – وهو رائد طريقة المتقدمين – من المقدمات الكلامية التي تبنى عليها الأدلة وتتوقف عليها الأنظار تبعا للعقائد في وجوب اعتقادها. وقد كانت تلك المقدمات مثل دليل الحدوث بمقدماته الأربعة التي سبق بيانها لها نفس القوة التي لمضمون العقائد. ولذا نجد من المتقدمين مثل البغدادي (329 ه) صاحب «الفرق بين الفرق» الذي يكفر من أنكر الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ.[50] لكن المتأخرين قد انتقدوا بعض تلك المقدمات تحت تأثير الفلسفة. ومن ذلك نقد الإمام الرازي لدليل الحدوث حيث ألزم مختلف الفرق القول بخلاف مقدمة «ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث» وإن كانوا ينكرونه باللسان.[51]

لقد أثرت الفلسفة أيضا في طريقة المتأخرين في استكثارهم من إيراد المذاهب المخالفة في كل مسألة والتفريع والاحتجاج. وظهرت نزعة التوقف لدى بعض المتأخرين. وفي هذا الصدد يضرب المثال بتوقفات السيف الآمدي في عدد من القضايا مثل قضية وحدة الكلام النفسي وتعدد تعلقاته عند الأشاعرة حيث قال: «والحق أن ما أوردوه من الإشكال على القول باتحاد الكلام، وعود الاختلاف إلى التعليقات، والمتعلقات فمشكل، وعسى أن يكون عند غيري حله.»[52]

خاتمة:

ختاما، يمكن القول أن علاقة علم الكلام الأشعري بالفلسفة كانت علاقة جدلية ملتبسة بدأت بالمواجهة وانتهت بالاستيعاب. لقد كانت مواجهة الفلسفة لأسباب منها الرؤية المشائية للعالم التي تخالف الرؤية الكلامية في عدد من الأصول منها القضايا الثلاث التي ذكرها الإمام الغزالي وهي: قدم العالم، والحشر الجسماني، ثم علم الله عز وجل. وقد بدأت المواجهة بمقالات غير نضيجة ثم ما لبث أن تخصص طائفة من المتكلمين في نقد الفلسفة بل والتأليف فيها. لكن ذلك النقد كان يحمل في بطنه أجنة التأثر بالفلسفة. ولذلك ما لبث أن جاء جيل من المتكلمين المتأثرين بالفلسفة والذين استوعبوا المباحث والمناهج الفلسفية.

وقد أدى ذلك الاستيعاب إلى طبع الدرس الكلامي الأشعري بخصائص مميزة سواء على مستوى المنهج أو على مستوى المضمون. لكن ذلك الأثر لم يكن دوما محل ترحيب من طرف من جاء بعد أولئك المتكلمين. فقد وجد من يحذر من مؤلفاتهم ويدعو للعودة إلى الكلام على طريقة المتقدمين. ومن هؤلاء الإمام السنوسي (895 ه) الذي قال في «شرح أم البراهين»: «وليحذر المبتدي جهده أن يأخذ أصول دينه من الكتب التي حشيت بكلام الفلاسفة وأولع مؤلفوها بنقل هوسهم وما هو كفر صراح من عقائدهم التي ستروا نجاستها بما ينبهم على كثير من اصطلاحاتهم وعباراتهم التي أكثرها أسماء بلا مسميات، وذلك ككتب الإمام الفخر في علم الكلام، وطوالع البيضاوي ومن حذا حذوهما.»[53].

إن المتأمل في هذه المسيرة الطويلة التي قطعتها علاقة علم الكلام الأشعري بالفلسفة يتضح له أن الدرس الكلامي الأشعري درس منفتح يقبل التأثر والتأثير. وأن هذه الخاصية تجعله مستوعبا لمختلف المستجدات العلمية ومسايرا لمختلف أنساق الفكر المستحدثة. لكن للأسف أن هذا الدرس قد توقف عند ما كتبه أعلام المتأخرين المتأثرين بالفلسفة التي كانت سائدة في عصرهم. تلك الفلسفة التي لم يعد لها ذكر إلا في إطار الحديث عن تاريخ الفلسفة والنزعات التوفيقية بينها وبين الدين. إننا اليوم أمام فلسفات جديدة واتجاهات فكرية معاصرة تطرح تحديات على العقائد الإسلامية. ونحن في أمس الحاجة إلى علم كلام جديد يتوسل بما استجد من المناهج وينفتح على مختلف العلوم من أجل مواجهة تلك التحديات.

 

المصادر والمراجع:

  • ابن تيمية، الإمام أحمد بن عبد الحليم، الانتصار لأهل الأثر، تح عبد الرحمن بن حسن قائد، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، 1435 هـ.
  • ابن تيمية، الإمام أحمد بن عبد الحليم، كتاب الرد على المنطقيين، تح عبد الصمد شرف الدين الكتبي، مؤسسة الريان، لبنان، ط 1، 1426هـ/ 2005 م.
  • ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، المقدمة، تح عبد الله محمد الدرويش، دون ناشر، ط 1، 1425 هـ/ 2004 م.
  • ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، محقق بإشراف محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1، 1998 م.
  • ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد، تهافت التهافت، محقق بإشراف محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1، 1998 م.
  • ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، محقق بإشراف محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997 م.
  • الآمدي، الإمام سيف الدين، أبكار الأفكار في أصول الدين، تح أحمد محمد المهدي، مطبعة دار الكتب القومية، القاهرة، ط 2، 1424 هـ/ 2004 م.
  • الباقلاني، القاضي أبي بكر بن الطيب، كتاب التمهيد، تح رتشرد مكارثي اليسوعي، المكتبة الشرقية، بيروت، 1957م.
  • البغدادي، عبد القاهر بن طاهر، الفرق بين الفرق، تح محمد عثمان الخشت، مكتبة ابن سينا، القاهرة، دون تاريخ ولا طبعة.
  • التفتازاني، الإمام سعد الدين مسعود بن عمر، شرح العقائد النسفية، تح أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ط 1، 1407 هـ/ 1987 م.
  • الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، الحيوان، تح عبد السلام هارون، شركة البابي الحلبي، مصر، ط 2، 1385 هـ / 1965 م.
  • الجرجاني، الشريف علي بن محمد، شرح المواقف، تح محمود عمر الدمياطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1419 هـ/ 1998 م.
  • الجويني، إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في الاعتقاد، تح محمد يوسف موسى وعلي عبد الحميد، مكتبة الخانجي، مصر، دون طبعة، 1369 هـ/ 1950 م.
  • الجويني، إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، التلخيص في أصول الفقه، تح عبد الله النيبالي وشبير العمري، دار البشائر، بيروت، ط 1، 1417 هـ/ 1996 م.
  • الجويني، إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، الشامل في أصول الدين، تح علي سامي النشار وفيصل بدير عون وسهير مختار، منشأة المعرف، الإسكندرية، دون طبعة، 1969م.
  • الجويني، إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، تح محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، مصر، دون طبعة، 1412هـ/ 1992 م.
  • الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة، حاشية الدسوقي على أم البراهين، تح عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، لبنان، ط 2، 2008م.
  • الذهبي، الإمام محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تح شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، لبنان، ط 1، 1405 هـ/ 1984 م.
  • الرازي، الإمام فخر الدين، الأربعين في أصول الدين، تح أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، ط 1، 1406 هـ.
  • الرازي، الإمام فخر الدين، مناظرات فخر الدين الرازي في بلاد ما وراء النهر، تح فتح الله خليف، دار المشرق، بيروت، دون تاريخ ولا طبعة.
  • سليمان، عباس محمد، الصلة بين علم الكلام والفلسفة في الفكر الإسلامي، دار المعرفة الجامعية، مصر، دون طبعة، 1998 م.
  • الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، مصارعة الفلاسفة، تح سهير مختار، مطبعة الجبلاوي، مصر، ط 1، 1396 هـ/ 1986 م.
  • الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، نهاية الأقدام في علم الكلام، تح ألفريد جيوم، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط 1، 1430 هـ/ 2009 م.
  • الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، تح أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1413 هـ/ 1992 م.
  • الغزالي، الإمام أبو حامد محمد بن محمد، الاقتصاد في الاعتقاد، تح مصطفى عمران، دار البصائر، القاهرة، ط 1، 1430 هـ/ 2009 م.
  • الغزالي، الإمام أبو حامد محمد بن محمد، تهافت الفلاسفة، تح سليمان دنيا، دار المعارف، مصر، ط 4، 1385 هـ/ 1966 م.
  • الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، فضائح الباطنية، تح عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت، 1964 م.
  • الغزالي، الإمام أبو حامد محمد بن محمد، المستصفى من علم الأصول، تح محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1417 هـ/ 1997 م.
  • الغزالي، الإمام أبو حامد محمد بن محمد، مقاصد الفلاسفة، تح محمود بيجو، مطبعة الصباح، دمشق، ط 1، 1420 هـ/ 2000م.
  • الغزالي، الإمام أبو حامد محمد بن محمد، المنقذ من الضلال، مطبوع ضمن كتاب «مجموعة رسائل الإمام الغزالي»، تح إبراهيم أمين محمد، المكتبة التوفيقية، دون تاريخ ولا طبعة.
  • القفطي، جمال الدين علي بن يوسف، إخبار العلماء بأخبار الحكماء، تح إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1426هـ/ 2005 م.
  • المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ.
  • الهمداني، القاضي عبد الجبار بن أحمد، شرح الأصول الخمسة، تح عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 3، 1416 هـ/ 1996م.
  • الهمداني، القاضي عبد الجبار بن أحمد، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تح فؤاد السيد، المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، لبنان، ط 1، 1439 هـ/ 2017 م.

[1] – الذهبي، الإمام محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تح شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، لبنان، ط 1، 1405 هـ/ 1984، ج 19 ص 227.

[2] – ينظر: الدسوقي، محمد بن أحمد بن عرفة، حاشية الدسوقي على أم البراهين، تح عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، لبنان، ط 2، 2008م، ص 92 – 94.

[3]  – ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، المقدمة، تح عبد الله محمد الدرويش، دون ناشر، ط 1، 1425 هـ/ 2004 م، ج 2 ص 205

[4]  – الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، الحيوان، تح عبد السلام هارون، شركة البابي الحلبي، مصر، ط 2، 1385 هـ / 1965 م، ج 2 ص 134.

[5]  – ينظر ترجمته في: الهمداني، القاضي عبد الجبار بن أحمد، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تح فؤاد السيد، المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، لبنان، ط 1، 1439 هـ/ 2017 م، ص 229.

[6]  – ينظر ترجمته في: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، م س، ص 241.

[7]  – الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، تح أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1413 هـ/ 1992 م، ص 23. ينظر أيضا: المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ، ج 4 ص 191 حيث يقول: «وقد كان المأمون عبد الله بن هارون الرشيد سابع خلفاء بني العباس ببغداد، لما شغف بالعلوم القديمة. بعث إلى بلاد الروم من عرّب له كتب الفلاسفة وأتاه بها في أعوام بضع عشرة سنة ومائتين من سني الهجرة، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامّة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجرّ على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفرا إلى كفرهم.»

[8]  – الملل والنحل، م س، ص 40. وقال عن إبراهيم النظام (م س، ص 47): «وقد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة.».

[9]  – الهمداني، القاضي عبد الجبار بن أحمد، شرح الأصول الخمسة، تح عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 3، 1416 هـ/ 1996م، ص 95 حيث قال: «وأول من استدل بها شيخنا أبو الهذيل، وتابعه باقي الشيوخ. وتحريرها هو أن نقول: إن الأجسام لم تنفك من الحوادث ولم تتقدمها، وما لم يخل من المحدث يتقدمه يجب أن يكون محدثا مثله. وهذه الدلالة مبنية على أربع دعاوى: أحدها، أن في الأجسام معاني هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون. والثانية، أن هذه المعاني محدثة.  والثالثة، أن الجسم لم ينفك عنها ولم يتقدمها. والرابعة أنها إذا لم ينفك عنها ولم يتقدمها وجب حدوثه مثلها.»

[10]  – التفتازاني، الإمام سعد الدين مسعود بن عمر، شرح العقائد النسفية، تح أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ط 1، 1407 هـ/ 1987 م، ص 11

[11]  – ينظر: ابن تيمية، الإمام أحمد بن عبد الحليم، الانتصار لأهل الأثر، تح عبد الرحمن بن حسن قائد، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، 1435 هـ، ص 323، حيث يقول: «ولهذا لما ناظر متكلمو الإسلام العرب هؤلاء المتكلمة الصابئة عجم الروم، وذكروا فضل منطقهم وكلامهم على منطق أولئك وكلامهم ظهر رجحان كلام الإسلاميين، كما فعله القاضي أبو بكر بن الباقلاني في كتاب «الدقائق» الذي رد فيه على الفلاسفة كثيرا من مذاهبهم الفاسدة في الأفلاك والنجوم، والعقول والنفوس، وواجب الوجود وغير ذلك، وتكلم على منطقهم وتقسيمهم الموجودات، كتقسيمهم الموجود إلى الجوهر والعرض، ثم تقسيمهم الأعراض إلى المقولات التسعة، وذكر تقسيم متكلمة المسلمين الي فيه من التمييز والجمع والفرق ما ليس في كلام أولئك.»

[12]  – الجويني، إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، الشامل في أصول الدين، تح علي سامي النشار وفيصل بدير عون وسهير مختار، منشأة المعرف، الإسكندرية، دون طبعة، 1969م، ص 229.

[13]  – الجويني، إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، التلخيص في أصول الفقه، تح عبد الله النيبالي وشبير العمري، دار البشائر، بيروت، ط 1، 1417 هـ/ 1996 م، ج 3 ص 151

[14]  – المقدمة، م س، ج 2 ص 213

[15]  – ينظر: الجويني، إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في الاعتقاد، تح محمد يوسف موسى وعلي عبد الحميد، مكتبة الخانجي، مصر، دون طبعة، 1369 هـ/ 1950 م، ص 28. وقد وصف طريقة الاستدلال القائمة على مقدمة الوجوب والإمكان في آخر كتبه الكلامية وهو كتاب «العقيدة النظامية» بقوله: «وهذا الفصل في إثبات حدث العالم أنجح وأوقع من طرق حوتها مجلدات، وهو خير لفاهمه من الدنيا بحذافيرها، لو ساوقه التوفيق.» ينظر: الجويني، الإمام عبد الملك بن عبد الله، العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، تح محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث، مصر، دون طبعة، 1412هـ/ 1992 م، ص 18.

[16]  – سليمان، عباس محمد، الصلة بين علم الكلام والفلسفة في الفكر الإسلامي، دار المعرفة الجامعية، مصر، دون طبعة، 1998 م، ص 60.

[17]  – يعد المرحوم محمد عابد الجابري رائد القراءة الإيديولوجية للتراث العربي الإسلامي. وقد تطرق لعلاقة علم الكلام بالفلسفة في عدد من كتبه وبعض المداخل التي خصصها لتحقيقات بعض الكتب. ينظر على سبيل المثال تقديمه لهذه الكتب:

– ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد، تهافت التهافت، محقق بإشراف محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1، 1998 م.

– ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، محقق بإشراف محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1، 1998 م.

– ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، محقق بإشراف محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997 م.

[18]  – الغزالي، الإمام أبو حامد محمد بن محمد، مقاصد الفلاسفة، تح محمود بيجو، مطبعة الصباح، دمشق، ط 1، 1420 هـ/ 2000م، ص 10

[19]  – الغزالي، الإمام أبو حامد محمد بن محمد، المنقذ من الضلال، مطبوع ضمن كتاب «مجموعة رسائل الإمام الغزالي»، تح إبراهيم أمين محمد، المكتبة التوفيقية، دون تاريخ ولا طبعة، ص 585.

[20]  – الغزالي، الإمام أبو حامد محمد بن محمد، تهافت الفلاسفة، تح سليمان دنيا، دار المعارف، مصر، ط 4، 1385 هـ/ 1966 م.

[21]  – الغزالي، الإمام محمد بن محمد، المستصفى من علم الأصول، تح محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1417 هـ/ 1997 م، ج 1 ص 45

[22]  – المنقذ من الضلال، م س، ص 587.

[23]  – تهافت الفلاسفة، م س، ص 86.

[24]  – المنقذ من الضلال، م س، ص 590

[25]  – الغزالي، الإمام أبو حامد محمد بن محمد، فضائح الباطنية، تح عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت، 1964 م.

[26]  – تبدو مرجعية الفارابي وابن سينا في تعرف الغزالي على الفلسفة في عدة مقاطع من كتبه منها قوله في المنقذ من الضلال، م س، ص 584: «على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متفلسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين (الفارابي وابن سينا)، وما نقله غيرهما ليس يخلو عن تخبيط يتشوش فيه قلب المطالع حتى لا يفهم، وما لا يفهم كيف يرد أو يقبل؟»

[27]  – لقد بين منهجه ذاك في: تهافت الفلاسفة، م س، ص 82 – 83 بقوله: «ليعلم أن المقصود تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة، وظن أن مسالكهم نقية عن التناقض، ببيان وجوه تهافتهم، فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر، لا دخول مدع مثبت، فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعا بإلزامات مختلفة، فألزمهم تارة مذهب المعتزلة وأخرى مذهب الكرامية، وطورا مذهب الواقفية، ولا انتهض ذابا عن مذهب مخصوص بل أجعل جميع الفرق إلبا واحدا عليهم، فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين، فلنتظاهر عليهم فعند الشدائد تذهب الأحقاد.» والمعتزلة هي الفرقة الكلامية المشهورة كما أن الكرامية هي فرقة يغلب عليها الإثبات في الصفات حتى تبلغ التجسيم وهي تنسب إلى أبي عبد الله محمد بن كرام (الملل والنحل، م س، ص 99) أما الواقفية أو الواقفة وقد يسمون بأصحاب الوقف أو التوقيف فليس مذهبا لفرقة معينة وإنما يطلق على كل من اختار التوقف في مسألة مختلف فيها فلم يقطع فيها برأي من الآراء المتقابلة. وهذا المذهب كثير الورود والذكر في كتب الباقلاني والغزالي الكلامية والأصولية. وبهذا التحديد يتبن مجانبة محمد عابد الجابري الصواب فيما ذهب إليه في مقدمة «تهافت التهافت، م س، ص 45» من أن الواقفة فرقة من فرق الشيعة.

[28] – سير أعلام النبلاء، م س، ج 19 ص 227.

[29]  – الغزالي، الإمام أبو حامد محمد بن محمد، الاقتصاد في الاعتقاد، تح مصطفى عمران، دار البصائر، القاهرة، ط 1، 1430 هـ/ 2009 م، ص 99.

[30]  – ابن تيمية، الإمام أحمد بن عبد الحليم، كتاب الرد على المنطقيين، تح عبد الصمد شرف الدين الكتبي، مؤسسة الريان، لبنان، ط 1، 1426هـ/ 2005 م، ص 56.

[31]  – من مقدمة الجابري لكتاب «تهافت التهافت» لابن رشد، م س، ص 24.

[32]  – الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، مصارعة الفلاسفة، تح سهير مختار، مطبعة الجبلاوي، مصر، ط 1، 1396 هـ/ 1986 م، ص 16

[33]  – من مقدمة الجابري لكتاب «تهافت التهافت» لابن رشد، م س، ص 25.

[34]  – الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، نهاية الأقدام في علم الكلام، تح ألفريد جيوم، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط 1، 1430 هـ/ 2009 م، ص 3.

[35]  – نهاية الأقدام، م س، ص 12.

[36]  – شرح العقائد النسفية، م س، ص 12.

[37]  – المقدمة، م س، ج 2 ص 213

[38]  – المقدمة، م س، ج 2 ص 214.

[39]  – مقدمة الجابري للكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد، م س، ص 31.

[40]  – المقدمة، م س، ج 2 ص 214.

[41]  – الصلة بين علم الكلام والفلسفة في الفكر الإسلامي، م س، ص 220

[42]  – ينظر: الرازي، الإمام فخر الدين، مناظرات فخر الدين الرازي في بلاد ما وراء النهر، تح فتح الله خليف، دار المشرق، بيروت، دون تاريخ ولا طبعة، ص 39 – 40 حيث يقول: «وأما حكايات أحوال الفلاسفة فالكتاب الوافي بها هو الكتاب المسمى بصوان الحكمة، والشهرستاني نقل شيئا قليلا منه. وأما أديان العرب فمنقولة من كتاب أديان العرب للجاحظ. نعم، الذي هو من خواص كتاب الملل والنحل للشهرستاني [فقوله] في الفصول الأربعة التي رتبها الحسن بن محمد الصباح بالفارسية ونقلها الشهرستاني إلى العربية وتكلم في هذيانات تلك الفصول.»

[43]  – الصلة بين علم الكلام والفلسفة في الفكر الإسلامي، م س، ص 218.

[44]  – يذكر القفطي في ترجمة السيف الآمدي أنه: «أخذ علم الأوائل عن جماعة من نصارى الكرخ ويهودها وتظاهر بذلك فجفاه الفقهاء وتحاموه ووقعوا في عقيدته وخرج من العراق إلى مصر فدخلها في ذي القعدة من سنة اثنين وتسعين وخمسمائة، ونزل في المدرسة المعروفة بمنازل العز التي يتولى تدريسها الشهاب الطوسي وناظر بمصر وحاضر وأظهر بها تصانيفه في علوم الأوائل ونقلت عنه وقرأها عليه من رغب في شيء من ذلك… وتصانيفه في الآفاق مرغوب فيها، فمن ذلك كتاب الباهر في علم الأوائل خمس مجلدات، كتاب أبكار الأفكار في أصول الدين أربع مجلدات، كتاب الحقائق في علوم الأوائل ثلاث مجلدات، كتاب المآخذ على فخر الدين بن خطيب الري في شرح الإشارات مجلد.» ينظر: القفطي، جمال الدين علي بن يوسف، إخبار العلماء بأخبار الحكماء، تح إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1426هـ/ 2005 م، ص 184 – 185.

[45]  – شرح العقائد النسفية، م س، ص 12.

[46]  – الآمدي، الإمام سيف الدين، أبكار الأفكار في أصول الدين، تح أحمد محمد المهدي، مطبعة دار الكتب القومية، القاهرة، ط 2، 1424 هـ/ 2004 م، ج 1 ص 68.

[47]  – الجرجاني، الشريف علي بن محمد، شرح المواقف، تح محمود عمر الدمياطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1419 هـ/ 1998 م.

[48]  – الباقلاني، القاضي أبي بكر بن الطيب، كتاب التمهيد، تح  رتشرد مكارثي اليسوعي، المكتبة الشرقية، بيروت، 1957م، باب في الاستدلال، ص 11.

[49]  – المقدمة، م س، ج 2 ص 213.

[50]  – ينظر: البغدادي، الإمام عبد القاهر بن طاهر، الفرق بين الفرق، تح محمد عثمان الخشت، مكتبة ابن سينا، القاهرة، دون تاريخ ولا طبعة، ص 284 حيث يقول: «وأجمعوا على أن أجزاء العالم قسمان: جواهر وأعرض، على خلاف قول نفاة الأعراض في نفيها الأعراض. وأجمعوا على أن كل جوهر جزء لا يتجزأ. وأكفروا النظام والفلاسفة الذين قالوا بانقسام كل جزء إلى أجزاء بلا نهاية.»

[51]  – الرازي، الإمام فخر الدين، الأربعين في أصول الدين، تح أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، ط 1، 1406 هـ، ج 1، ص 168.

[52]  – أبكار الأفكار، م س، ج 1، ص 400.

[53]  – حاشية الدسوقي على أم البراهين، م س، ص 92 – 94.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.