منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اقتصـاد الريـع وآثاره الاجتماعـية والاقتصادية

0

ملخص:

                 اقتصاد الريع من المواضيع الاقتصادية التي كثر الجدال حولها، ووقع الاختلاف فيها كثيرا بين الاقتصاديين من حيث مفهومه الأساس وأشكاله، ومدى خضوعه للقانون، لكنهم أجمعوا على خطورته وضرورة التخلص منه؛ لأنه يعتمد على وجود موارد غير مضمونة الاستمرارية، أو على موارد ماليّة خارجيّة غير مرتبطة مع العملية الإنتاجيّة؛ كل هذا يؤدي إلى ظهور سلوكيّات اجتماعية لا تشجع على العمل والاستمرار في الإنتاج، ولا على تطوير الذات، والزيادة في المردودية، كما يؤثر بشكل سلبي على السياسة الاقتصادية للدولة.

       إن اقتصاد الريع له آثار سلبية على جميع الأصعدة، خاصة الجانب الاجتماعي، لذا؛ لابد من إيجاد حلول ناجعة لتجاوز هذه الآثار، والتخلص من تداعياته تدريجيا، ولابد من الانتقال بالاقتصاد من واقعه الريعي إلى اقتصاد منتج يكون ركيزة أساسية من ركائز التنمية.

       وهذا الانتقال من الضروري أن يصاحبه تحول وتطوير موازٍ في البُـنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، مع البحث عن حلول عملية لإنهـاء الريع بتدرج وعلى المدى المتوسط والطويل، والعمل على التخلص من تداعياته، ودون أن يثير حفيظة مراكز القوى المنتفعة من الريع، مع إشاعة روح الشفافية والتنافسية في المجتمع.

المزيد من المشاركات
1 من 21

الكلمات المفتاح: اقتصاد الريع –  الإنتاج – آثار اجتماعية – آثار اقتصادية – اقتصاد منتج – التنمية.

Abstract:

The economy of rent is one of the most controversial economic topics, and there is a great deal of difference between economists in terms of its basic concept and its forms, its extent to the law, but somes economists, and analysts have stressed the gravity of the rental economy and the need to get rid of it, This depends on the existence of unsustainable resources or external financial resources not associated with the production process.

This leads to the emergence of social behaviors that do not encourage the work and the continuation of production, nor the self-development, the increase in profitability, and negatively affect the economic policy of the state .

The rent economy has negative effects at all levels, especially the social side, so it is necessary to find effective solutions to overcome these damages. The shift from a rent-based economy to a productive economy is one of the pillars of development. This transition must be accompanied by parallel transfer and development in cultural, social and economic structures.

We must seek practical solutions to end the gradual, medium and long-term rents, and work to eliminate its consequences, without raising problems with the beneficiaries of rents, while promoting a spirit of transparency and competitiveness in society.

Keywords: The economy of rent – Production – Social effects – Economic effects -Productive economy –Development.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 22

مقدمة:

يعتبر اقتصاد الريع من المواضيع الاقتصادية التي كثر الجدال حولها، ووقع الاختلاف فيها كثيرا بين الاقتصاديين من حيث مفهومه الأساس وأشكاله، ومدى خضوعه للقانون، لكنهم اتفـقوا على خطورته وضرورة التخلص منه؛ لأنه غالبا ما يقوم على الكسب دون مجهود.

       والريع يمكن أن يكون المكون الرئيس لآلية عمل النظام الاقتصاديّ للدولة، ويشمل كافة مداخله العامة والخاصة، وقد يعتمد الريع على النشاط الاقتصاديّ للسكان، ويرتبط بإعادة توزيع واستهلاك الريع بدلاً عن المساهمة في إنتاجه. إضافة إلى أنه يكون مصحوبا بخلل اقتصادي كبير، فنجد مثلا مفهوم دعم السلع المشوه، أو طلبات الحماية التي لا تنتهي، أو التشوهات السعرية والتركز في الأسواق وتحديد هوامش ربح مرتفعة، كما توجد عجوزات في الموازنة بعد وقبل المساعدات – التي لا توضع في مكانها الحقيقي – ويحصل خلل مزمن في الميزان التجاري.

      إن من أخطر تداعيات الاعتماد على الدخل الريعي؛ أن اقتصاد البلاد يبقى رهناً للمتغيرات الخارجية والداخلية بمعنى أن أي هزة تصيب حركة التجارة الدولية تنتقل بسرعة إلى اقتصاد الدول التي تعتمد على الريع، وكثيراً ما تحدث هزات اجتماعية شديدة؛ إذ أنه اقتصاد هش ولا يـستند إلى قوة إنتاجية صلبة كما أن بنية اقتصاد الريع هي في الواقع بنية غير إنتاجية. إضافة إلى ذلك فإن هذا الاقتصاد، يشجع على المنافسة الشرسة غير العادلة ويسمح بالانفراد بتصنيع المنتجات.

     فوجب إذن البحث عن حلول عملية لإنهـاء الريع بتدرج وعلى المدى المتوسط والطويل، والعمل على التخلص من تداعياته، ودون أن يثير حفيظة مراكز القوى المنتفعة من الريع، مع إشاعة روح الشفافية والتنافسية في المجتمع.

      اعتبارا لذلك سأناقش في هذه الورقة أشكال اقتصاد الريع، وخصائصه، وآثاره الاجتماعية والاقتصادية، مع اقتراح سبل علاج هذه الآثار السلبية، وذلك في ثلاثة مباحث؛ الأول في مفهوم اقتصاد الريع وخصائصه؛ والثاني سأبحث فيه الآثار السلبية؛ الاجتماعية والاقتصادية لاقتصاد الريع؛ أما المبحث الثـالث فسأقترح فيها سبل علاج هذه الآثار.

ثم أختم بخلاصة جامعة، والاستنتاجات التي توصلت إليها.

المبحث الأول: مفهوم اقتصاد الريع وخصائصه؛

أولا: مفهوم اقتصاد الريع؛

       عـرّف الخبراء والاقتصاديون الريع بأنّه؛ “اقتصاد يقوم على الكسب بدون مجهود”. وهو أيضا: “كل دخل دوري غير ناتج عن العمل أو الدفعات المنتظمة المتأتية عن الملكية العقارية”.  وقيل هو “اعتماد الدولة على مصدر واحد للدخل، وهذا المصدر غالبا ما يكون مصدرا طبيعيا ليس بحاجة إلى آليات إنتاج معقدة”. أو “اعتماد الدولة في اقتصادها على مصدر طبيعيّ مستخرج من الأرض، فيصبح الاقتصاد مُعتمداً على التبادل التجاريّ الذي يؤدي إلى ظهور مُجتمعٍ استهلاكيٍّ مرتبط بالاستيراد، كما لا يهتمّ هذا النوع من الاقتصاد في الزراعة أو الصناعة التحويليّة”[1].

      إن أول ما يتبادر إلى ذهن أغلب المواطنين عند إثارة موضوع الريع هو استئثار نخبة من الوصوليين والمحظوظين من ذوي النفوذ والمقربين منهم بالامتيازات الناتجة عن احتكار واستغلال الرخص والمأدونيات، أو ما يسمى شعبيا “بالكريمات” المتعلقة بكل أنواع النقل الطرقي، واستخراج الرمال والأحجار من المقالع، والصيد في أعالي البحار. غير أن هذا المفهوم الشائع يظل قاصرا عن استيعاب جميع الحالات التي يتم الحصول فيها على المال وغيره من الامتيازات دون أي استحقاق موضوعي أو سند قانوني ودون بدل أي مجهود ذهني أو جسدي يعطي المستفيد الحق في الاستفادة من المزايا المحصل عليها.

      فالريع مفهوم متعدد الجوانب وتطور عبر الزمن، ولكنه بقي محافظاً على جوهره مع تعدد أشكال ظهوره بأنه؛ “الدخل غير الناتج من العمل”. والريع نمط اقتصادي يعتمد على الموارد الطبيعيّة دون الحاجة إلى الاهتمام بتطويرها، ومن هذه الموارد: المعادن، والمياه، والنفط، والغاز[2].

      واقتصاد الريع يهتمّ أساسا بالمحافظة على النشاطات التي توفّر الإيرادات من بيع الثروة الريعيّة، ولكن لا تساعد هذه النشاطات على توفير تصوُّر واضح عن الحالة الاقتصاديّة السائدة في الدولة[3]. ويتخذ الاقتصاد الريعي المعاصر شكل اقتصاد الخدمات أو ما بات يُعـرف بالاقتصـاد الافتراضـي النقـيض للاقتصاد الإنتاجي الذي يُعتبر القاعدة المادية التي تتحرّك عليها كل الظواهر الريعية.

ثانيا: أنواع الريــع، وأشكاله؛

    الريع أنواع وأشكال كثيرة، اتفقوا في بعضها، واختُـلف في بعضها الآخر، ومن أهمـها:

1- الريع العقاري: وهو من أشهر أنواع اقتصاد الريع، والذي يعتمدُ على تقديمِ التسهيلات للأفراد حتى يتمكنوا من شراء العقارات سواءً مِن خلال الدفع النقدي، أو التقسيط، وفي كلا الحالتين يُحققُ صاحب العقار الأرباح التي تساهمُ في تقديمِ الريع لرأس المال الخاص به.

2- الريع الاحتكاري: هو الريعُ الذي يرتبطُ بالأسواقِ التي تحتوي على نسبةٍ عاليةٍ من المُنافسة بين التُجار، والشركات التي تعملُ في مجالٍ واحدٍ، فتسعى إحدى الشركات إلى احتكارِ سلعةٍ معينةٍ، وتقديمها بشكلٍ حصريٍ للأفراد، ثم بيعها للشركاتِ المُنافسة بأسعارٍ مرتفعة.

3- الريع الوظيفي: هو الريعُ الذي يعتمدُ على توفيرِ مجموعةٍ من المميزات للموظفين، وتساهمُ في دعمهم على القيامِ بالعمل بشكلٍ أفضل، ومن الأمثلة على الريع الوظيفي: توفير بدل المُواصلات، أو توفيُر سكن مجاني، أو تقديمُ رعاية صحيّة للموظفين وعائلاتهم.

4- الريع المنجميّ: هو الدخل الذي ينتج عن الاستثمار في الثروات الطبيعيّة سواء أكانت سائلة أو غازيّة، والتي تُستخرج من الآبار أو المناجم، وتتميّز بإنتاجيّة مرتفعة مقارنةً بالمصادر الأُخرى ذات الإنتاجيّة الضعيفة، وتُحدّد أسعار كلٍّ من الفلزات، والغاز، والنفط، والذهب بالاعتماد على تكاليف إنتاج الثروات ذات الإنتاجيّة الأقلّ.

5- ريع المُضاربة: هو الدخل الذي ينتج دون تقديم عمل؛ حيث أن المضارب قد يتعرض للخسائر الماليّة، ولكنه يحصل على دخل مرتفعٍ جداً في أغلب الأوقات؛ ممّا يؤدي إلى جمعه للكثير من الثروات التي تصبح مصدراً مهماً للدخل، ويظهر ريع المُضاربة بشكلٍ واضح في سوق الأوراق الماليّة أو السوق العقاريّ.

6- الامتيازات والمنح والهبــات، ومنها:

– اﻷراضي الزراعية التي تمنح الدولة لبعض الأشخاص حق اﻻنتفاع بها دون عقود رسمية.

– الرخص بكل أنواعها؛ والتي تمنح لأشخاص معيـنين، فيكون لهم دخل قار وكبير دون عمل منتج.

– مرتبات الموظفين اﻷشباح.

7- الريع الدائم: ويقال له “الريع المستمر”، وهو الدخل الناتج عن قرض صادرٍ مقابل دفعات شهريّة أو سنويّة تظلُّ مستمرةً مدى الحياة.

ثالثا: خصائص الريــع؛

    من أهم خصائص اقتصاد الريع:

 * أنه يهتــمُّ في الحصول على إيراداته من الأسواق خارج الدول.

* أنه يعتمد على الدخل غير الناتج من العمل.

* قد يكون الريع؛ “المصدر الرئيسيّ للإيرادات الخاصة بالاقتصاد المحليّ… كما يعتمد الريع على النشاط الاقتصاديّ للسكان، والمرتبط بإعادة توزيع واستهلاك الريع بدلاً عن المساهمة في إنتاجه”[4].

* يعتمد اقتصاد الريع على وجود موارد ماليّة خارجيّة غير مرتبطة مع العملية الإنتاجيّة؛ ممّا يؤدي إلى ظهور سلوكيّات لا تشجع على الاستمرار في الإنتاج المحليّ[5].

* يعتبر اقتصاد الريع السبب الأساس في تجميع الثروة المالية عند فئات محصورة من المجتمع التي تحتكر المال والسلطة والجاه. لذلك يكون مصحوبا بخلل اقتصادي كبير، فنجد مثلا طلبات الحماية فوق الطاقة الاستيعابية، والتركز في الأسواق، وتحديد هوامش ربح مرتفعة، دعم السلع بشكل عشوائي، علاوة على الخلل المتكرر في الميزان التجاري والعجز الكبير في الموازنة.

* عدم وجود جهاز يتمتع بصلاحيات واسعة في مجال الرقابة والمتابعة، لأن جل المساهمين في اقتصاد البلد لهم نفوذ خاص، أو يتمتعون بشكل من أشكال الحصانة.

     وبقي أن أوضح أن اقتصاد الريع ليس اقتصاداً سلبياً بالمطلق، لكن المقاربة الاجتماعية والاقتصادية الفاشلة هي التي تؤثر سلبا على هذا النوع من الاقتصاد.

المبحث الثاني: الآثـار الاجتماعية والاقتصادية لاقتصاد الريع؛

أولا: الآثـار الاجتماعية؛

       يتميز اقتصاد الريع بمجموعة من الخصائص ذات الآثار السلبية؛ فهو يعتمد على وجود موارد ماليّة خارجيّة غير مرتبطة مع العملية الإنتاجيّة، ويهتمُّ في الحصول على إيراداته من الأسواق خارج الدول. وإذا كان الريع المصدر الرئيسيّ للإيرادات الخاصة بالاقتصاد المحلي، فإنه يعتمد على النشاط الاقتصاديّ للسكان، والمرتبط بإعادة التوزيع والاستهلاك بدلاً عن المساهمة في الإنتاج؛ لذلك تــنتج عن اقتصاد الريع أضرار كثيرة، منها الأضرار الاجتماعية التي تؤثر سلبا على الفرد والمجتمع والدولة، ومنها:

1- آثــاره على الفرد؛

      لا شك أن هذا النمط من الاقتصاد يترك آثارا سلبية على الفرد، ومنها:

* يتربى الفرد على الاتكال والاعتماد التام على الدولة. وبدلا من أن يكون الفرد عونا للدولة كما هو الحال في الاقتصاديات المنتجة، يصبح عالة عليها في ظل الاقتصاد الريعي، وهو ما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى: “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون”[6]. وهذا الاتكال يؤدي إلى شح في الإنتاج، وتفشي اللامبالاة في سائر أجهزة الدولة.

* ينعكس نمط الاقتصاد على عمران المجتمعات، وسيطرة فئة قليلة على مراكز الثروة والتحكم في توزيعها.

* ظهور سلوكيّات ريعيّة عند بعض الأفراد لا تشجع على الاستمرار في الإنتاج المحليّ.

* إعلاء ثقافة الاعتماد على الخارج في توفير الاحتياجات على حساب الإنتاج المحلي.

* انتشار الاستهلاك الترفي لدى عدد من المواطنين.

2- آثــاره على بنية المجتمع؛

* يسود الاقتصاد الريعي في تكوينات فئوية تتمركز حول العشيرة أو القبيلة أو الأسرة الممتدة القائمة في اقتصادها على هذه السلعة أو تلك. ونتيجة لذلك فان؛ (العلاقات الاجتماعية السائدة في نمط الإنتاج الريعي مغلقة بطبيعتها، أما في الاقتصاد المنتج فبالرغم من اعتماده على مؤسسات اقتصادية تديره وتحركه إلا أن هذه المؤسسات تعتمد على الفرد الواحد الذي يملك حصة أو سهما أو يتقاضى مرتبا من جراء انتمائه لتلك المؤسسة؛ ولذلك فان الاقتصاد المنتج اقتصاد منفتح بطبعه قابل للتمدد واستيعاب رؤوس الأموال والسلع والأفراد)[7].

* تنعدم روح الضمان الاجتماعي، والتوازن بين فئات المجتمع، حيث تبقى الثروة المالية مكدسة في أيدي فئات محصورة من المجتمع ومحتكرة لديهم.

* اعتماد العلاقات الاجتماعية على القرابة للأسرة والنخبة الحاكمة التي تفرض نفسها في اختيار كبار موظفي الدولة ومساعديهم كما أن الاقتصاد الريعي يقدم عادة الضمانات ضد المساءلة والمحاسبة، وينشر ثقافة التواكل والخنوع.

* يتسبب في نشر الحسـد والطمع، والحقد والكراهيـة وما يسمى: “الصراع الطبقي”؛ حيث يوسع الفجوة بين الفئات الاجتماعية، ويزيد في التفاوت في تملك الأموال، حتى يُتخَم بعض الناس بالمال، ويموت آخرون جوعاً وحرماناً ومرضاً.

* محدودية التطور، مقابل زيادة الدخـل لشرائح اجتماعية بعينها إلى حد التخمة وزيادة معدلات الاكتفاء (أي حجب جزء من الدخول عن الادخار) ومن ثم ضعف التراكم الرأسمالي وعجز المجتمعات عن إضافة طاقات إنتاجية جديدة.

* إن انتشار الاقتصاد الريعي يقوّض على نحو خطير تماسُكَ النسيج الاجتماعي. فالإنسان عموما يمكن أن يقبل أن يغتني البعض على أساس الجهد والجدارة، غير أنه لن يتسامح مع أولئك الذين ينجحون من خلال التلاعب بالقواعد والتحايل عليها وعبر استغلال الامتيازات التي تُمنَح لهم.

* يساعد على زيادة الفجوة بين الطبقات بقدر الاقتراب أو الابتعاد عن السلطة وعادة ما تعمل الحكومات التي تعتمد على الدخول الريعية بالإبقاء على موازين القوى على حالها دون العمل على تطويرها بحيث تبقى العلاقات بين أفراد المجتمع؛ هي علاقات؛ “قدرة من يملك ويعطي” و”من ينتظر المنح والهبات” وهذا ينعكس على المجتمعات ويؤدي إلى تعظيم ثقافة الاستكانة على حساب ثقافة التحدي والاعتماد على النفس، وروح المبادرة.

ثانيا: آثــاره الاقتصادية؛

   من أهم الآثــار الاقتصادية للريع:

– المنافسة والازدواجية في المشاريع الاقتصادية: غالبا ما تفتقر الدول التي تعتمد على الريع إلى العناصر الضرورية التي يجب توافرها لقيام اتحاد اقتصادي فيما بينها، وذلك لعدم وجود اختلاف في المزايا النسبية لعوامل الإنتاج فيها، وضآلة التبادل التجاري فيما بينها، مما يقلل بدرجة كبيرة من مدى المنافع التي تعود عادة على الاتحاد الاقتصادي. حيث يلاحظ أن بعض الدول تتدافع نحو إنشاء صناعات متشابهة، بسبب تماثل هياكلها الإنتاجية، وندرة المواد الطبيعية الأخرى.

تشويه المؤشرات الاقتصادية من خلال تحويل أغلب الاستمارات إلى قطاع الخدمات والعقارات وتحويل المجتمع إلى مجتمع استهلاكي.

– المساهمة في خلق اقتصاد هش، وضرب الاقتصاد الإنتاجي إضافة إلى تراجع الدولة ضمن الدول الصناعية، المنتجة.

الاعتماد أكثر على الإيرادات الخارجية لـتوفير الاحتياجات في مقابل إضعاف الإنتاج المحلي.

– ارتفاع نسبة التضخم المستورد، والتي تكون على حساب المستوى الذي يمس المواطن من خلال الزيادة في أسعار المواد الأساسية على حساب المداخل.

  – استنزاف موارد الدولة المحدودة في نفقات وهمية أو غير مجدية بدل صرفها للوفاء بالاحتياجات الأساسية للمواطنين.

–  نقص إمكانيات توفير الحاجيات وتنفيذ المشاريع حيث؛ “يهتمُّ الريع في الحصول على إيراداته من الأسواق الخارجية”[8].

– حرمان الخزينة العامة من الرسوم التي يجب ان تستخلص عن الأرباح الخيالية المحققة من المستفيدين من المزايا والتسهيلات الممنوحة من طرف الدولة.

– عدم توفر ظروف اقتصادية تساعد على استمرار مسيرة التكامل الاقتصادي.

ثــالثا: آثــاره على الدولة؛

       الدول الريعية هي الدول الغنية بالموارد الطبيعية مثل النفط والغاز، وغيرهما، أو الدول الغنية بالأدوات المالية مثل العملة الاحتياطية. والدول التي تعتمد على الموارد الاستراتيجية، مثل القواعد العسكرية. ومن أهم ما يميز الدول ذات الاقتصاديات الريعية هو ازدياد النفقات الحكومية وتضخم قطاع الخدمات بالعمالة ويأخذ سعر الصرف الحقيقي بالارتفاع النسبي وتواضع العبء الضريبي وغيرها من الخصائص المرتبطة بالاقتصاد الريعي. وإضافة إلى الآثـار الاجتماعية والاقتصادية الخاصة لاقتصاد الريع، فإن هناك مخاطر تعم الدولة ومؤسساتها، ومنـها:

– التبعية الاقتصادية للخارج؛ لأن الدولة تعتمد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج لسد الاحتياجات من السلع الصناعية والغذائية، الأمر الذي يعكس إلى حد كبير قصور القطاعات المحلية عن الوفاء بتلك الاحتياجات، كما تقوم العديد من الدول الريعية بتصدير الموارد أو ترخيص تنميتها لأطراف خارجية.

– الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة: تعتمد برامج التنمية في الدولة أساساً على العمالة الوافدة، فكلما وضعت الدولة خططها التنموية وكان من أهم العقبات التي واجهتها في تنفيذ تلك الخطط، قلة حجم العمالة الوطنية. فلابد من “أخذ رأس المال البشري بعين الاعتبار ورأس المال إنما هو نتيجة استثمار في تدريب اليد العاملة يسمح بتوفير عمالة ماهرة تزيد من إنتاجية العمل”[9].

– عدم وجود جهاز يتمتع بصلاحيات واسعة في مجال الرقابة والمتابعة، لأن جل المساهمين في اقتصاد البلد لهم نقود خاص، أو يتمتعون بشكل من أشكال الحصانة.

– عادة ما يقدم الاقتصاد الريعي الضمانات ضد المساءلة والمحاسبة، ويقف غالبا إلى جانب الفساد، لأنه؛ يعتمد العلاقات الاجتماعية وعلى القرابة للأسرة والنخبة الحاكمة التي تفرض نفسها في اختيار مسئولي الدولة، وكبار الدولة ومساعديهم.

       إن مكافحة آليات الممارسات الريعية ووضع حدّ للاختلاس تحت غطاء الشرعية للأموال العامة، تتطلب منظوراً شمولياً وجهودا استثنائية. غير أن هذه المهمة ليست سهلةً، سيما وأنه يجب على الجهات التي تسعى إلى الإصلاح أن تواجه مقاومة جبهة عتيدة من أولئك الذين يريدون حماية “المكتسبات” الريعية التي يستفيدون منها.

– تأثيره على السياسة الاقتصادية للدولة؛ إن الاعتماد على الدخول الريعية وضع الاقتصاد تحت رحمة المتغيرات الخارجية والداخلية بمعنى أن أدنى هزة نصيب حركة التجارة الدولية، تنتقل بسرعة إلى اقتصاد الدولة الريعية، وكثيراً ما تحدث هزات اجتماعية شديدة.

      فإذا كانت أسعار النفط منخفضة فإنها ستؤثر كثيراً في إجمالي الناتج المحلي الاسمي والحقيقي اللذين يسهمان بأعلى نسبة بالنسبة لاقتصادياتها، وإنفاقها الحكومي، وصافي صادراتها. ومع ذلك، يختلف نمو الاستهلاك الخاص والاستثمار الذي لا يعتمد كثيراً على النفط من بلد لآخر. ونتيجة لذلك، يمكن اعتبار أن دول التعاون الخليجي تمر بمراحل مختلفة في الدورة الاقتصادية، بالرغم من سماتها المشتركة. إذ تعكس دورة أنشطة الأعمال تقلبات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لكل بلد بالنسبة لنمو اقتصاده المحتمل، ويعرف من حيث الانكماش والتوسع[10].

      ومثال آخر؛ نفترض أن دولة ما مداخلها من تصدير الغاز الطبيعي، تمثل % 50 من إجمالي المداخل بالعملة الصعبة، عرف انتكاسة مزدوجة في ظل توقف نمو الكمية المنتجة، والمتمثلة في تراجع حصتها في صادرات الغاز الدولية بفعل ارتفاع المنافسة الدولية من خلال العلاقة سعر/نوعية، مما سيأثر سلبا على حجم الصادرات، ومن جهة أخرى يعرف الاستهلاك المحلي للغاز الطبيعي نموا سنويا يعادل % 08 مما يعني بالضرورة أن الصادرات من الغاز ستعرف تراجعا سنويا يقدر بحوالي %10 من المداخل كل سنة.

      كما تتميز الدول الريعية بالغياب النسبي للإيرادات الضريبية، فاستخراج الثروات يحدث دخولا بشكل طبيعي دون الحاجة لاستخراج الدخل من المواطنين، و”مثل هذه الدول تفشل في التطور سياسياً، لأنه في حالة عدم وجود ضرائب، يكون للمواطنين حوافز أقل للضغط على الحكومة لتصبح مستجيبة لاحتياجاتهم. بدلا من ذلك، فإن الحكومة تقوم فعلياً بـ”رشوة” المواطنين ببرامج رعاية اجتماعية واسعة النطاق، فالميزانية في واقع تلك الدول مجرد برنامج إنفاق”[11].

      وفي الأخير يبقى الريع مشكلا يعوق التنمية والنهوض بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لكل مكونات الشــعب، ومرضاً فتاكاً يقتل روح العمل والاجتهاد والابتكار، ويحوّل الشعب والحكومة إلى مجتمع خامل وكسول غير قادر على الإنتاج. كما يتحول الريع في مراحل معــيـنة من حركية المجتمع إلى وسيلة يستعملها من بيده السلطة ليحرك بها دوائر ضيقة داخل فئات متعددة من داخل المجتمع الواحد تكريساً للسلطوية وتقوية للقبضة الحديدية.

       وفي المقبل يفترض أن يحقق الاقتصاد المتوازن المطلوب الذي يقوم على تضخم محدود (مهمة البنك المركزي)، والحد من البطالة وتوفير ظروف العمل اللائق. كما يتيح هذا التوازن إمكانات كبيرة فيما يخص المفاوضات الجماعية والعمالية.

المبحث الثالث: سبل علاج هذه الآثــار؛

1- حلول لعلاج الآثـار السلبية للريع:

       بالنظر إلى ما رأينا من آثـار اجتماعية واقتصاديةللريع، وغيرها من أصناف الأضرار والمخاطر؛ يتعين لــزاما البحث عن حلول ناجحة لعلاج هذا المشكل الاقتصادي، وإقامة إصلاحات اقتصادية، قد تُزيل الأعباء على الدولة. والإسلام يحث على العمل والإنتاج الحقيقي، ويضبط الملكية ويسعى لكون ملكية حقيقية، كما يقول الدكتور أحمد لسان الحق: (فالشريعة الإسلامية تتجه نحو الإنتاج والعمل، لا إلى الملكية الوهمية، كما تتجه إلى إعطاء كل ذي حق حقه، لا إلى تأميمها والرمي بها في يد فئة حاكمة مستبدة، أو تركها في يد أناس احتالوا واغتصبوا واستغلوا النفوذ في امتلاكها) [12].

      فلابد إذن، من بذل مزيد من الجهد سواء من الدولة أو المواطنين لتحويل الاقتصاد من الريع إلى الإنتاج.

 ومن الحلول المقترحة:

* إحداث صندوق استثماري، وإعداد خططٍ اقتصادية، للانتقال إلى عصر ما بعد النفط. بُغية تجنب مزيدٍ من الأزمات نتاج انهيار أسعار النفط، الذي لا تستطيع الدولة التحكم فيه.

* اعتماد سياسة اقتصادية لتوفير المصالح الخاصة في المجتمع، وتحسين ظروف العيش لكافة المواطنين، وتعزيز التقدم والتطور العلميّ والتقنيّ.

* السعي الجاد والمسئول لنشر ثقافة التنمية الاقتصادية وتنشيط عملية الإنتاج والاستثمار؛ وذلك من خلال العمل المتلاحق على تدوير الأموال واستثمارها في إشادة المصانع، وإقامة العمائر، وزراعة الأراضي، وتبادل السلع والمنتجات، وعدم تجميد الأموال وتعطيلها.

* عدم الاعتماد على مصدر وحيد للدخل؛ لأنه مصدر قابل للنفاد وغير متجدد، ويتحدد عمره بمقدار الاحتياطات ومعدلات الإنتاج السنوية. لذلك يتطلب على الدولة، أن تسعى إلى تنويع التركيبة الاقتصادية وعدم الاعتماد على مصدر واحد فقط.

* الاستثمار في الحقل العيني أي الاقتصاد الفعلي من خلال الرفع من القدرات الإنتاجية مع مواصلة استعمال الأدوات النقدية، حتى يتم التقليص من تنامي وتيرة التضخم التي أضحت معضلة إقليمية ووطنية، لهذا على البنوك المركزية أن تتحلى في السنتين المقبلتين باليقظة حتى تتدخل في الوقت المناسب وتتجاوز آثار هذا التحدي.

* السعي الحثيث والجاد لتتخلص الدولة من الاقتصاد الهش، ولتصنف مع الدول الصناعية، المنتجة. ولـتكون من أبرز المنتجين للمنتجات الزراعية في العالم، والمنسوجات، والسيارات والسفن وغيرها من معدات النقل، ومواد البناء، والإلكترونيات الاستهلاكية والأجهزة المنزلية.

* منع الاحتكار، وتقنينه لأن؛ الحصول على الريع مرتبط مع أحد أنواع الاحتكار، مثل احتكار الموقع أو احتكار الملكيّة، وتجعل جميعها المالك يفرض شروطه على استخدام ملكيته ضمن الاحتكار، فمثلاً؛ “يشكل الريع العقاريّ دخلاً لمالك الأرض؛ لذلك لا يسمح لمن يعملون فيها بالاستفادة من هذا الريع؛ إلّا بعد تقديم بدلٍ معين يعتمد على تقييم طبيعة الأرض[13].

* بناء اقتصاد منتج، وقوي وأخلاقي؛ لا يتم إنتاج السلعة وجني أرباحها فقط ولكن أيضا يتم بناء القيم الاقتصادية والاجتماعية لتلك الدول حيث ثقافة العمل والإنتاج متجدرة في روح المجتمع.

* ردع الاحتكار بأنواعه؛ احتكار الأرض والأموال، والسلع، والخدمات، والخبرة عن المحتاج إليها. فقد وجه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه رسالة إلى عامله الأشتر، ومما جاء فيها: (واعلم مع ذلك أن في كثير منهم – يقصد التجار وأصحاب الصناعات- ضيقا فاحشا، وشحا قبيحا، واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات. وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه. وليكن البيع سمحا، بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع. فمن قارف[14] حكره بعد نهيك إياه فنكل به، وعاقب في غير إسراف)[15].

* تشجيع اقتصاد السوق الحر، والقدرة الاقتصادية المتطورة عالية الكفاءة وتوفير المنتجات، وتفادي كل طرق المنافسة الشرسة وعدم السماح بالانفراد بتصنيع المنتجات.

* إعداد اليد العاملة الماهرة، والكافية للبذل والعطـاء؛ لأن الاقتصاد المتوازن يقوم على أساس ممارسة الدولة لدورها في ضمان تكافؤ الفرص، ليس فقط في الحصول على الوظائف، بل في التأهل لتلك الوظائف من ناحية الحصول على التعليم والتدريب اللازمين. أما القطاع الخاص، فتقع على عاتقه مسؤولية مجتمعية وبيئية.

* جلب مزيد من الاستثمارات وتشغيلها داخل البلاد، بتمويلات كافية، ورفع الاستثمارات الأجنبية.

* الحفاظ على الموارد من النضوب، والمحافظة على الموارد الاقتصادية واستغلالها الاستغلال الأمثل.

* تقوية السوق الداخلية وعدم الاعتماد على السوق الخارجية، لأن منتجات الدولة ستفقد تنافسيتها، ومثال ذلك؛ إذا كان في بلد ما؛ مختلف مدخلات الصناعة والفلاحة والخدمات والتجارة من السلع الخامة والمصنعة ونصف المصنعة مصدرها السوق الخارجية، فسيبقى اقتصادها مرتبطا بشكل مخيف بالتضخم الخارجي الذي يفقد منتجات الدولة تنافسيتها من جهة، ومن جهة أخرى فإن أي توجه نحو تشجيع الإنتاج المحلي يدفع إلى الرفع في فاتورة الاستيراد، ومنه فإن الاقتصاد الوطني سيدخل في حلقة من التبعية للسوق الخارجية يصعب تكسيرها بالتوجه نحو تصدير منتجات وطنية خارج المحروقات، على الرغم مما قد تبدوا عليه أي سياسة اقتصادية رشيدة في الظاهر من خلال دعم الإنتاج مثلا. ولعل تجربة البرازيل خير مثال للدارسين، فالأمر المهم إذن؛ يقتضي اعتماد رؤية شاملة وخبيرة تجمع بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، من أجل التخلص من هذه الأزمة.

* إحداث أجهزة قوية في مجال الرقابة والمتابعة، تتمتع بصلاحيات واسعة، مسئولة وجــادة.

      هذه بعض الحلول المقترحة من ذوي الخبرة والاختصاص لتصفية الريع على المدى المتوسط والطويل، لذا يجب على أصحاب النفوذ ومراكز القوى المنتفعة من الريع أن تتقي الله فيما بيدها من أموال، أو ما تستطيعه من جاه وسلطة، كما يجب على الحكومات أن تعمل على إشاعة الشفافية وروح التنافسية، والعمل على التخلص من اقتصاد الريع.

2- نموذج ناجح في الإقلاع الاقتصادي والبناء التنموي:

        من التجارب الناجحة في الإقلاع الاقتصادي بعد الأزمات، والبناء التنموي بعد التراجع المهول؛ دولة البرازيل، التي نجحت من خلال مجموعة من السياسات الإصلاحية المتكاملة، ومنها؛ “السياسات الموجهة للسيطرة على الاختلالات المزمنة في الاقتصاد وتنشيطه وتحفيز النمو والاستثمار. ضمنت هذه السياسات في خطة سميت «الخطة الحقيقية Real Plan» في 1994 واشتملت على تحرير التجارة، وبرنامج لخصخصة المشروعات العامة، وسياسات للسيطرة على التضخم، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتخفيض العجز في ميزان المدفوعات. وفي مرحلة لاحقة تم اتخاذ إجراءات أشد صرامة للسيطرة على التضخم وعجز الموازنة من خلال ترشيد الإنفاق الحكومي وإدخال إصلاحات جذرية في السياسات المالية للحكومة. واقترن بهذا مجموعة من الإصلاحات المؤسسية في التشريعات الاقتصادية، وفي النظم التي تعمل بها أجهزة الدولة، لتوفير المقومات المؤسسية التي تساعد على توسيع قاعدة الاستثمار وتحقيق النمو المنتظم. وقد استهدفت السياسات تحفيز النمو وتوفير بيئة جاذبة للاستثمارات والقطاع الخاص. واستطاعت الدولة أن توازن هنا بين تشجيع الاستثمار في المشروعات الكبيرة وبين توفير الدعم والمساندة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر لإتاحة فرص توظف متزايدة ومضطرة تمتص بها البطالة والوافدين الجدد إلى سوق العمل ولدمجها في الاقتصاد الرسمي وزيادة روابطها وتمكينها من الإسهام الفاعل في التنمية”[16].

      علاوة على ذلك استطاعت البرازيل أن تبني علاقات سياسية واقتصادية متوازنة مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي قائمة على أساس النفع المشترك واعتبرته خيارا لا يمكن التنازل عنه في عملية البناء التنموي.

خـــــاتمـة:

       الاقتصاد الناجح في العالم هو الاقتصاد المنتج، لذلك فإن الانتقال بالاقتصاد من واقعه الريعي إلى اقتصاد منتج يعتبر ركيزة أساسية من ركائز التنمية. 

وهذا الانتقال من الضروري أن يصاحبه انتقال وتطوير مواز في البُـنى التعليمية والثقافية والاجتماعية والعمرانية. هذه الانتقالات المتوازية مضنية ومعقدة بلا شك غير أنه لابد منها إذا أردنا تحقيق تنمية شاملة.

       إن اعتماد الدولة على مصدر واحد فقط، واستخدام عوائده في دعم القطاع الحكومي يؤدي إلى تضاؤل دور القطاع الخاص المستقـل، القادر على التصرف بعيداً عن سلطة الدولة، ما يعني تراجع حرية العمل والإنتاج والإبداع،

      ويمكن أن يكون الريع المكون الرئيسيّ لآلية عمل النظام الاقتصاديّ للدولة، ويشمل كافة مدخلاته سواء أكانت ذات طبيعة خاصة أو عامة، ولكن يبقى المشكل في الطريقة المستخدمة لإدارة الريع؛ من أجل توفير المصالح الخاصة في المجتمع، وتعزيز التقدم والتطور العلميّ والتقنيّ، وتحسين ظروف العيش لكافة المواطنين.

       إن مواجهة هذه الآفة الخطيرة، التي تستنزف الاقتصاد الوطني وتساهم بشكل كبير في إفساد الحياة العامة، يستوجب إعادة النظر في السياسات القديمة التي أدت إلى الواقع التي نشهده. وسلوك استراتيجية جديدة تعتمد بالأساس على الشفافية المطلقة والالتزام الكامل للمساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين والحرص على موارد الدولة وتنميتها. كما ينبغي للدولة أن تعمل على تحويل الاقتصادات من الريع إلى الاقتصاد المنتج الذي يكون أكثر ثباتاً وأكثر قدرة على تأمين فرص العمل، وأن تسعى لنشر ثقافة التنمية الاقتصادية وتنشيط عملية الإنتاج والاستثمار، وذلك من خلال العمل المستمر على إدارة الأموال واستثمارها في مشاريع اقتصادية، وتبادل السلع والمنتجات، وعدم تجميد الأموال وتعطيلها.

وقد توصلت إلى الاستنتاجات التالية:

* اقتصاد الريع؛ اقتصاد غير منتج إلا في حدود قليلة ويعتمد فقط على الريع المجني من استخراج أو بيع أو تصدير السلعة بخلاف الاقتصاد المنتج الذي يقوم على عمليات إنتاج متسلسلة ينخرط فيها الكثير من الأفراد في تطوير تلك المواد إلى منتجات جديدة كلية.

* وفي المقابل نجد أن الاقتصاد الإنتاجي يسهم في الحدّ من العجز في الخزينة العامة، وبساعد على إيجاد فرص عمل للشباب ويحدّ من الهجرة، وعادة ما يكون الدين العام في الدول التي تعتمد الاقتصاد المنتج تحت السيطرة. كما أنه يستخدم آليات إنتاج تتيح له تكوين كتلته الاقتصادية – المالية، ولا يتكل على المصادر الطبيعية كالنفط على سبيل المثال.

* العمران في المجتمعات الريعية يغلب عليه التباطؤ في وتيرة البناء، وهو عمران نمطي متشابه ذو اتجاه أفقي، وأجزاؤه متباعدة. أما عمران الاقتصاد المنتج فهو عمران متنوع الأنماط والأشكال متناسق من حيث النسيج الحضري وهو عمران يتسم بشموخ البنيان وأسلوبه المتجدد على الدوام.

* سوء توزيع الدخل القومي وتمركز الثروات في مجموعات قليلة – غالباً ما تحتكر السلطة والثروة بحكم قربها من النخبة الحاكمة – يـؤدي إلى نشوء قطاع خاص طفيلي يعتمد على انتهازية الفرص لتكوين أموال وثروات من مصادر غير مشروعة وتعتمد هذه الفئة على علاقات خاصة.

* ضرورة منع الاحتكار سواء أكان؛ احتكار الأرض والأموال، والسلع، والخدمات، أو احتكار الخبرة عن المحتاج إليها.

* خطورة الاعتماد على مصدر وحيد للدخل، حيث يجعل الاقتصاد رهيـنا بهذا المصدر، لذلك وجب على الدولة أن تسعى إلى تنويع التركيبة الاقتصادية وعدم الاعتماد على مصدر واحد فقط.

* أن من أعقد المشكلات – حسب بعض الاقتصاديين- التي تفرزها سياسات الدولة الريعية ظهور أمراض اقتصادية يترتب أو ينشأ عليها خلل أخلاقي واجتماعي ويصبح المجتمع بيئة خصبة لانتشار الفساد بكل أشكاله.

لائحة المصادر والمراجع:

* القرآن الكريم.

* جناحي، عبد الله، “المجتمع الأهلي في مواجهة المخاطر التي تتعرض لها الأسرة البحرينية”، صحيفة الوسط البحرينية، العدد: 4209.

* الجواهرة هاني، “الاقتصاد الريعي وتأثيره في الدولة والمجتمع”، مجلة “اليوم”، العدد: 10957.

* سلام شهاب، الدولة الريعية وصياغة النظم الإقليمية “دول الخليج أنموذجا”، المجلة السياسية والدولية، العدد: 21، سنة: 2010م.

* صالح ياسر، النظام الريعي وبناء الديمقراطية: الثنائية المستحيلة حالة العراق، مؤسسة فريدريش إيبرت، مكتب الأردن والعراق، بغداد.

* عاشور، أحمد صقر، التعـلم من التجربــــة البرازيليــــة في التنميــــة. صحيفة “الأهرام” بتاريخ: 20 يونيو 2015 السنة 139، العدد: 46947.

* الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، جمع وتنسيق: الشريف الرضا، مؤسسة المعارف – بيروت، الطبعة الأولى: 1424هـ/2004م

* غسان إبراهيم، “الأبعاد الاجتماعية للاقتصاد الريعي في سوريا”.

* لسان الحق، أحمد، “منهج الاقتصاد الإسلامي في إنتاج الثروة واستهلاكها، الاستثمار ومؤسساته، الاستهلاك وعوامله”، دار الفرقان للنشر –الدار البيضاء، المغرب، (دون تاريخ).

* لعويسات، جمال الدين، العلاقات الاقتصادية الدولية والتنمية، دار الهومة، الجزائر، طبعة: 2000م.

* المزروعي، علي سيف علي، أثر الإنفاق العام في الناتج المحلي الإجمالي، جامعة دمشق، للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 28، العدد الأول؛ 2012.

* الموسوي، واثق علي، “الاستقرار الاقتصادي: الصناديق السيادية، الريع، الموازنة العامة، السوق”، دار الأيام للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى. (دون تاريخ).

* ناجي، حسين، دراسة تحليلية لمناخ الاستثمار في الجزائر، قسنطينة – الجزائر: جامعة منتوري.


[1] – صالح ياسر، “النظام الريعي وبناء الديمقراطية: الثنائية المستحيلة حالة العراق”، (مؤسسة فريدريش إيبرت، مكتب الأردن والعراق، بغداد)، الصفحة: 4. (بتصرّف).

[2] – الجواهرة، هاني، “الاقتصاد الريعي وتأثيره في الدولة والمجتمع”، (صحيفة “اليوم”، العدد: 10957).

[3] – سلام، شهاب، الدولة الريعية وصياغة النظم الإقليمية، “دول الخليج أنموذجاً”. (المجلة السياسية والدولية، العدد: 21،  سنة: 2010م). ص: 2.

[4] – ينظر: غسان، إبراهيم، “الأبعاد الاجتماعية للاقتصاد الريعي في سوريا”، (مرجع سابق).

     الصفحة : 4 – 6. (بتصرّف).

[5] – ناجي حسين، “دراسة تحليلية لمناخ الاستثمار في الجزائر”، (قسنطينة – الجزائر: جامعة منتوري)، ص: 72. (بتصرّف).

[6] – سورة التـوبة / من الآية: 105.

[7] – الجواهرة، هاني، “الاقتصاد الريعي وتأثيره في الدولة والمجتمع”، (صحيفة “اليوم”، العدد: 10957).

[8] – جناحي، عبد الله، “المجتمع الأهلي في مواجهة المخاطر التي تتعرض لها الأسرة البحرينية”، صحيفة الوسط البحرينية، العدد: 4209. (بتصرف)

[9] – لعويسات، جمال الدين، العلاقات الاقتصادية الدولية والتنمية، (دار الهومة، الجزائر، طبعة: 2000م). ص: 33.

[10] – يرجع إلى: “التقرير الأسبوعي الصادر عن شركة “آسيا” للاستثمار”، (من مجلة الخليج، “الخليج الاقتصادي” بتاريخ: 6 أبريل 2015م).

[11] – لوشياني، جاكومو، “الدولة الرعية في العالم العربي”، (روتليدج لندن). ص: 87-88.

[12] – لسان الحق، أحمد، “منهج الاقتصاد الإسلامي في إنتاج الثروة واستهلاكها، الاستثمار ومؤسساته، الاستهلاك وعوامله”، (دار الفرقان للنشر –الدار البيضاء، المغرب، دون تاريخ). ج: 2/ ص: 326.

[13] – الموسوي، واثق علي، “الاستقرار الاقتصادي: الصناديق السيادية، الريع، الموازنة العامة، السوق”، (دار الأيام للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى). ج: 1/ ص: 55. (بتصرف)

[14] – يعني تمادى في احتكاره.

[15] – من كتاب وجهه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى عامله الأشتر النخعي. الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، جمع وتنسيق: الشريف الرضا، (مؤسسة المعارف –بيروت، الطبعة الأولى: 1424هـ/2004م). ص: 404.

[16] – عاشور، أحمد صقر، التعـلم من التجربــــة البرازيليــــة في التنميــــة. (صحيفة “الأهرام” بتاريخ: 20 يونيو 2015 السنة 139، العدد: 46947).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.