منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من مقاصد الأضحية

من مقاصد الأضحية/ ذ. رشيد الذاكر

0

من مقاصد الأضحية

ذ. رشيد الذاكر

جمالية الإسلام لا تخفى على أحد مارس شعائره وأحكامه، وعرف عقائده وتوجيهاته… ووقف على أصوله وفروعه، فجميع أحكامه: لا ترى فيها إلا معالم الجمال ومحاسن الروعة والبهاء … وكيف لا يكون كذلك؟ وهو صادر عن من اتصف بالجلال والجمال  والكمال سبحانه وتعالى.

فهو دين جاء للإكرام البشرية وتوجيه الإنسانية إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل.

يقف على هذا كل من تلمس مقاصد الشريعة الإسلامية في أحكامها: فإن مبناها وأساسها على الْحِكَمِ ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها[1].

المزيد من المشاركات
1 من 25

وسوف نحاول إن شاء الله  تعالى في هذه الورقة التي بين يديك: أن نُقدم جانبا من هذه المقاصد المتعلقة بعيد الأضحى، والتي تزرع في نفس المؤمن بعد استيعابها: تعظيم قدر الأضحية، وتعظيم الاستجابة لأمر الله فيها، ونظرا لكون هذا الموضوع كبيرا، والحديث فيه شاسع: سوف نحصر الكلام فيه في آيتين من سورة الحج تحدثتا بالقصد الأول: عما ينحر في الحج من الإبل، ولكن مقاصدها الكلية جميع الأضاحي التي يتقرب بها المسلم لله رب العالمين.

قال الله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } [الحج: 36، 37]

فهذه الآية الكريمة تعتبر أصلا في الأضحية، وما ترشد إليه من المعاني، والأحكام التي تثير الاهتمام في نفسية المسلم من أجل الوقوف على هذه المقاصد الجليلة التي يريد الله من الإنسان الوصول إليها:

أولا: الأضحية شعيرة ربانية:

مصدر تشريعها هو الوحي الإلهي، والمشرع هو رب العزة سبحانه وتعالى، (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) فالجاعل هو الله تعالى، والمجعول له هو الإنسان: والمجعول هو البُدْنَ (الأضحية)

فالله جل جلاله حكيم في فعله وأمره، محب للمؤمنين من خلقه، وتشريعه لا يكون إلا في منتهى الحكمة والمصلحة: { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26]

والإنسان المؤمن محب لربه مستجيب لأوامره، لا يسمع نداء من الله إلا سارع إلى تنفذيه محبة وتعظيما.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

والأضحية: عمل مُقدم من قبل الإنسان تعبيرا عن الاستجابة للأوامر الله، فليزم أن يسعى المقدم للأضحية: أن تكون سالمة كاملة: عسى الله أن يتقبل عنه كما تقبل عن أحد أبناء آدم عليه السلام {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } [المائدة: 27] وما كان القَبُول ليكون حليفا لأحدهما إلا لنوع القربان المُقدم من قِبَلِهِ، مع قرينة وجود التقوى في  ميزان العمل.

ولهذا إذا أحب المؤمن قبول أضحيته فلتكن سالمة من العيوب وخاصة ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: فعن عبيد بن فيروز قال: قلت للبراء بن عازب: حدثني ما كره أو نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأضاحي، قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” أربعة لا يجزين في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تنقي “، قال: فإني أكره أن يكون نقص في القرن، والأذن، قال: «فما كرهت منه فدعه، ولا تحرمه على أحد»[2].

ثانيا: الأضحية عمل كله خير:

وهذا فرع عن المقصد الذي قبله وهو التشريع الرباني القائم على المصلحة والحكمة، ولذلك كان كل تشريع رباني إلا وهو خير للإنسان، فلا تجد شيئا مما أحله الله وفيه مفسدة، ولا شيئا مما حرمه الله وفيه مصلحة.

وإذا أردنا أن نقف على خير فعل الإضاحي، فذاك بحسب كل إنسان وما يحصله أو يصله فيها من الخير، ويمكن أن نذكر منه على سبيل التمثيل لا الحصر ما يأتي:

اﻷضحية ربط للماضي بالحاضر وإحياء للذكرى أبي اﻷنبياء سيدنا إبراهيم مع ولده المبجل سيدنا إسماعيل عليهما السلام، ويكفي خيرا للمسلم أن تغرس فيه بمناسبة عيد اﻷضاحى قيم التضحية وتحمل المسؤولية والمشاورة والفداء… عندما يتذكر سيرة نبيا الله إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. ولا يخفى على أحد البعد النفسي في قصص هذين المباركين عندما نتعرف عليهما.

اﻷضحية: فرحة وأنس وجمال لا يعرف ذلك إلا المسلمون ذوو الذوق الرفيع { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]

اﻷضحية رمز للإعادة المحبة وتجديدها بين العائلات المسلمة والتي شغلتنا عنها هموم المدنية ولولا مُواسمنا الدينية لما أصبح يعرف بعضنا بعضا.

اﻷضحية: برنامج اقتصادي كبير يخطط له قبل أربعة أشهر من العيد، وله أرباح كبيرة جدا على اقتصاد الدول المسلمة وغير المسلمية، وهذا مشاهد محسوس، فإن الكافة من الناس: قد تجد لها رافدا ماليا خلال فرحة العيد، واخرج بنفسك إلى الشارع خلال أيام العيد، وليس عيد الأضحى فقط، بل في كل فرحة إسلامية: فهي عبادة وطاعة، فرحة وسعادة، تكافل وتفريج كرب، عمل وتجارة…

ثالثا: الأضحية: تجديد الصلة بالله، وإحياء لشعيرة الذكر:

(فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) إن من مقاصد الإسلام: أن يكون المؤمن دائم الذكر، شديد الصلة والربط بالله سبحانه وتعالى: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الأنعام: 162] ولأجل ذلك كان تشريع ذكر الله عند الذبح: تحقيقا للتوحيد المطلق لله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34]

رابعا: الأضحية رمز التكافل الاجتماعي:

إن من محاسن الإسلام في شرائعه التعبدية: أن رُبِطَ بتحقيق الألفة الاجتماعية والوحدة الإنسانية، غرضها الأساس ربط الإنسان بالإنسان، وإعلام الجميع بأنهم إخوة من أب واحد وأم واحدة: آدم وحواء عليهما السلام، يَحُسُ بعضهم ببعض ويكفل بعضهم بعضا، ويعين بعضهم بعضا ولهذا وجد في باب العبادات: زكاة الفطر، زكاة المال بكل أنواعها، الكفارات، النذور، الحج، الأضاحي… كل هذا لتحقيق التكافل الاجتماعي: قال الله تعالى: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ)

وإن من جمالية الاية في سورة الحج أن عممت هذا التكافل للكل سواء كان طالبا له أم لا (وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) و القانع الراضي بما قدّر الله له من الفقر والبؤس، العفيف الذي لا يتعرض لسؤال الناس، مأخوذ من قنع يقنع إذا رضي، وأمّا المعْترّ فهو الذي يتعرض لسؤال الناس، فهو كالمعتري الذي يعتري الأغنياء ويذهب إليهم المرة بعد المرة[3].

خامسا: التسخير يستوجب الهداية والشكر:

إن من الإشياء الموصلة لليقين في الإيمان بالله رب العالمين، والثبات على الهداية:

  • أولا: النظر في أسباب الهداية:

وهو الدليل الموجب للإيمان: فرغم كون الإيمان شيء فطري لا يحتاج إلى دليل، فإن الفطرة: إذا لم تتربط باليقين يسهل تخريبها والتشويش عليها، فكان لابد من تعزيز الجانب الفطري، باليقين العقلي والحسي، الأمر الذي يحمي دائرة الإيمان من الشك، ويبعدها عن الحيرة والتشويش.

وهذه الأدلة الموصلة إلى اليقين كثيرة النوع والعدد، وأن آية الباب تنص على دليل التسخير، وهو ما يسميه: ابن رشد بدليل العناية: إي العناية الإلهية بالإنسان، وهو مشاهدة ما سخره الله تعالى في هذا الكون للإنسان من النعم التي تحفظ وجوده، فكل شيء قد وضع على جهة الإتقان والنظام لأجل خدمة الإنسان.

ولهذا لزم الأمر بعد الهداية الشكر لله تعالى، بل إن النظر في النعم وشكرها موصل للهداية ولذلك قدم على الإيمان في قوله تعالى: { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147] فشكر النعم المُسخرة من قبل الله تعالى موجب للإيمان.

  • ثانيا: التزكية من أسباب التبات بعد الهداية:

الإنسان عندما يؤمن بوجود الله تعالى، ويجعل ذلك مجرد معرفة ذهنية، ولا يزكي ذلك بأعمال القلب والجوارح: فإنه يبقى معرضا للانتكاسة في أي وقت:  لعدم وجود لذة الإيمان التي لا تأتي إلا بالعمل، ولهذا شرع في الأضاحي الذكر والنحر للأضحية تحقيقا لهذا المقصد.

سادسا: القصد من الأضاحي الوصول التقوى:

إن الإنسان عادة ما يُجري الأمور على طبعه وعلى بني جنسه… ولهذا عندما يتلقى هذا الأمر بالنحر: قد يظن حاجة المولى جل جلاله إلى ذلك، ولهذا قطعت الآية الشك باليقين: لتعطينا: قضية ومقصد:

أما القضية: فهي الغنى المطلق لله تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا)

أما المقصد: فليس غرض الإنسان هو الأضحية لذاتها، وإنما الغرض هو وصوله إلى درجة التقوى، ولتحقيق ذلك على المسلم في سعيه للأضحية: أن يضع أمام عينيه: أنه ليس هدفه شراء لحم وإنما تنفيد أمر، يوصل إلى التقوى، والمقصود بالتقوى هنا ما تجلى في سلوك نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102]

فهذا هو المقصود أصالة بهذه الأضاحي: وهو التسليم المطلق لله رب العالمين.

سابعا: الإحسان من الأضحية إلى الحياة:

ختمت الآية وهي تتحدت عن مقاصد الأضاحي وأحكامها: بمحبة الله للإحسان وتبشير أهله (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) الذين أحسنوا في كل جزئيات الأضحية.

  • إحسان في القصد: وهو قصد وجه  وإخلاص العمل له وطاعته وتنفيذ امره.
  • إحسان في اختيار القرابان: وهو السلامة من العيوب كما تقدم.
  • إحسان في الذبح أو النحر: فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته[4]».
  • إحسان في التصدق والعطاء: ولذلك وردت في الآية الأمر بإشراك أهل الحاجة والفقر فيها.

إن مقاصد الإحسان الواردة في الأضحية يجب أن تخرج إلى ميدان الحياة فتكون أيضا:

  • إحسان في قصد العمل: نبتغي بكل عمل نقوم به وجه الله تعالى، وليس الغرض مدح الناس أو ذمهم، وهذا يورت مراقبة الله في أعمالنا ووظائفنا.
  • إحسان في الجودة والإتقان: فيكون المسلم مطالب بضرورة الإلتزام بقانون الإتقان في الأعمال، وأن يتجنب الغش والخيانة والنقصان.
  • احسان في نفع الغير: فيكون المسلم فعالا للخير في مجتمعه، متعاون مع الناس، مفرج للكرب والهوم عنهم…

فهذه إشارات سريعة في بعض مقاصد الأضحية كما تضمنتها آيتي سورة الحج: كان الهدف منها التذكير فقط للقلوب المؤمنة كي تحافظ على مسار الإسلام في الأضاحي: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]


[1]  محمد بن أبي بكر (ابن قيم الجوزية) إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – ييروت، الطبعة: الأولى: 1411- 1991 ص 3/11

 سنن النسائي (الصغرى) رقم (4370) وتتمة الحديث من كلام: البراء بن عازب[2]

[3]  محمد علي الصابوني، روائع البيان تفسير آيات الأحكام، مكتبة الغزالي – دمشق، ومؤسسة مناهل العرفان – بيروت، الطبعة: الثالثة، 1400 – 1980، ص: 1/610

 صحيح مسلم رقم (1955)[4]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.