منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“الفن السابع” دروس وعبر

"الفن السابع" دروس وعبر/ فؤاد هراجة

0

“الفن السابع” دروس وعبر

فؤاد هراجة

يعرض فيلم ”ريتشارد جويل“ قصة واقعية حدثت سنة 1984، حين كانت الولايات المتحدة الأمريكية تستعد لاحتضان الألعاب الأولمبية، وأثناء حفل غنائي بإحدى الحدائق الأولمبية، لاحظ بطل القصة، ريتشارد الذي كان يشتغل حارس أمن لدى شركة خاصة، حقيبة تحت احد كراسي الحديقة فاشتبه في أمرها، فنادى على شرطيين، لتتم المناداة على مختص في فتح الطرود والحقاىب المشبوهة ليتم التأكد من وجود متفجرات بالحقيبة، حينها شرع ريتشارد في إخلاء برج الصحافة والإعلام الذي كان بالقرب من الحقيبة وجعل يدعو الناس للابتعاد عن المكان.

للأسف وقع التفجير مخلفا قتيلين وجرحى، وهي أخف حصيلة لولا تنبيه ريتشارد لامر الحقيبة التي وضعت وسط الجمهور.

انتشر بعد الحادث خبر ريتشارد في كل وسائل الإعلام وأصبح بطلا قوميا تتهافت عليه كل دور النشر، وافتخرت به أمه المسنة أيما افتخار إذ كان الوحيد الذي يعيش معها في البيت. لكن سرعان ما ستنقلب الأمور ويصبح ريتشارد محل شك واتهام من طرف الامن الفدرالي، الذي سيوجه أحد المنابر الإعلامية لوضع ريتشارد محط شك، فينقلب وضع الرجل من بطل قومي إلى إرهابي يتهدده الإعدام صعقا بالكرسي الكهربائي. عفوية ريتشارد وثقته المفرطة في الشرطة كادتا تهلكانه لولا وجود محامي محنك أوقف كل ألاعيب عملاء الامن الفدرالي الذين يحاولون التغطية عن فشلهم في الحيلولة دون وقوع هذا الفعل الإرهابي، بسرعة اكتشافها الجاني.

وأثناء آخر مقابلة مع عملاء الامن الفدرالي قال لهم ريتشارد: ”إن كل دقيقة تهدرونها معي تهدونها الجاني الحقيقي وتساعدونه في التخطيط باريحية لعملياته القادمة، وهذا الامر لن تستوعبوه إلا عندما ينفذ الجاني الحقيقي انفجارا جديدا“

ما يثير الانتباه أن أثناء التحقيق كلما ظهرت حجة تبرئ ريتشارد إلا اجتهد العملاء الفدراليون لتحويلها إلى حجة ضده. في نهاية الأمر انتصرت العدالة حين عجز الأمن الفدرالي أن يوجه تهمة وإدانة وفق حجة دامغة لريتشارد، فصدرت مذكرة تقر ببراءته.

العبرة الاساس في هذا الفيلم أن الشخص عندما يحطه الآخرون في منزلة الشك والاتهام، يصبح كل همهم إثبات موقف الشك الذي دخلوا دائرته وأصبحوا مقيدين بأغلاله، ضف على ذلك أنهم بعد هذا الشك والاتهام تصبح لديهم مَلَكة وكفاءة عالية في تأويل كل ما وقع ويقع لتكييفه مع الشك المشبع. إنه نفس الحال الذي يقع في حياتنا الاجتماعية والسياسية حيث لا نسعى دائما إلى الخروج من دائرة الشك والاتهام تجاه الغير، مما يجعلنا موغلين في لي أعناق الأحداث وتزوير الحقائق.

إننا قبل مطالبة السلطة القضائية بأولوية قرينة البراءة، علينا نحن أولا أن نمارسها مع بعضنا البعض، فنعتبر كل إنسان بريء حتى تثبت إدانته، وليس العكس. ثم الحذر الحذر من العفوية المفرطة فإنها مهلكة لصاحبها، لأنه بهذه العفوية يغذي شكوك المشككين بما يغدق عليهم من معلومات خاصة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.