منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وضعية الكتاب في المغرب

وضعية الكتاب في المغرب/ د. سعيد حليم

0

وضعية الكتاب في المغرب

بقلم: د. سعيد حليم

بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأخيار.

كلما زرت مكتبة في مختلف مدن المغرب؛ وجدت الكتبيين يشتكون من ضعف الإقبال على شراء الكتب، بالمقارنة مع ما كان قبل الألفية الثالثة.

كانت مبيعات الكتب إلى حدود2000م، مقبولة، وتضمن لأصحاب المكتبات دخلا محترما. كان الإقبال على الكتاب إلى حدود نهاية التسعينات، قويا، وكانت المكتبات في ازدياد.

مع ظهور الأنترنيت، ثم الهواتف الغبية؛ بدأ ضعف الإقبال على الكتب ينتشر، حتى أصبح هو الغالب. وأصبحت ظاهرة أغلاق المكتبات تنتشر هنا وهناك.

أصبح الكتاب الورقي؛ منبوذا، ذليلا، مهينا؛ لا يلتفت إليه إلا من أوتي حبا عظيما للعلم. وتم الانتقال إلى الكتاب الإلكتروني، أو نسخ الكتب بطرق غير قانونية، وعظم هذا الأمر، وانتشر، وسار معروفا بين الناس، متداولا بينهم، لا ينكرونه في الغالب الأعم، بدعوى غلاء الكتب، وضعف القدرة الشرائية بالنسبة لطلبة العلم، وغيرهم من الأساتذة.

يعيش الكتبيون وضعية مزرية؛ بسبب الضعف الكبير في المبيعات، والذي يزداد يوما بعد يوم. دون أدنى دعم من الوزارة الوصية على قطاع الثقافة؛ التي كان ينبغي عليها أن تدعم هذا القطاع، وأن تجعل حدا لهذا النزيف الكبير. فكم من مكتبة أغلقت أبوابها، وفتحت مكانها دور اللهو، أو ما هو أدنى من ذلك. وما يزيد الطين بلة في هذا الوقت العصيب بالنسبة للكتبيين؛ ارتفاع أثمان الكتب؛ بسبب ارتفاع أثمان الورق.
انصرف الناس عن العلم، وزهدوا فيه؛ حتى أصبح الكتاب يتيما من جهة أمه، ومن جهة أبيه. يتيم بلا عمومة، ولا خؤولة تحميه من عوادي الزمن، ونوائب الدهر.

والغريب أن الكتاب انصرف عنه حتى طلبة العلم، والأساتذة، وزهدوا فيه، وأعرضوا عنه إعراضا. فكم من أستاذ قد لا تجد في بيته مكتبة، أو إذا وجدتها، تجدها مكتبة ضعيفة وهزيلة، لا تسمن ولا تغني من جوع.

حدثني مدير مجلة تربوية، غنية بالفوائد البيداغوحية من مختلف التخصصات. يطبع منها ألفين أو ثلاثة آلاف نسخة، فلا يباع إلا ثلها في المغرب كله. فتكون المرجوعات، أكثر من المبيعات. ثمن النسخة من المجلة لا يزيد عن ثلاثين درهما. هذا مع العلم أن عدد الأساتذة في المغرب، يفوق(200ألف، ذ).

لا يمكن أن تدخل بيت أي أستاذ أو غيره، دون أن تجد الصالون الذي يأخذ نصف مساحة البيت، أو أكثر من ثلثه، وهوفي أحسن حلة، وأبهى زينة.

الكل يجتهد أن يكون الصالون تحفة؛ لا فرق في ذلك بين الأستاذ الجامعي، أو الطبيب، أو المهندس، أو غيرهم من طبقات المجتمع. هناك أجماع على الاهتمام بالصالون.

ولو كان اهتمامنا بالمكتبة يقارب- ولو من بعيد- اهتمامنا بالصالون؛ لكان حالنا أفضل وأحسن. ولكنا حقا أمة أقرأ.

الآن نحن أمة لا تقرأ في الغالب الأعم. الكتاب آخر شيء نفكر في شرائه. وما هالني مؤخرا، أنني سمعت من بعض الكتبيين، أن بعض الأساتذة يعرضون مكتباتهم للبيع بأبخس الأثمان. ولا شك أن بعض هؤلاء، ربما قد حاز العلم من جميع أطرافه، فلم يعد في حاجة إلى الكتب. اللهم أنا نعوذ بك من الجهل والكسل، ونعوذ بك من الكبر والبخل.

أصبح هم غالب الناس، إشباع البطون، ولبس الفاخر من الثياب، واقتناء آخر أنوع السيارات. تجد الإنسان يتردد في شراء كتاب، ولا يتردد في الجلوس بمقهى، أو بمطعم، والدفع بسخاء في سبيل إشباع، ما سيلقى في قنوات الصرف الصحي بعد حين.

عندما أزور بعض الدول الأوروبية؛ ألاحظ- رغم وجود الهاتف النقال، واستحواذه على طائفة من الناس- حضور الكتاب الورقي عند الكثير من الناس؛ سواء في الحافلات، أو في القطارات، أو في الحدائق.، أو في غير ذلك…

منذ سنتين، زرت هولندا، وأقمت خمسة عشرا يوما قريبا من جامعة لايدن. وكنت أزور باستمرار مكتبتها، للاطلاع على بعض المخطوطات العربية. كنت ألاحظ في بهو الجامعة، أو في مكتبتها؛ الكثير من الطلبة يقرأون الكتب الورقية. الكتاب حاضر بقوة، أينما وليتك وجهك.
في الكثير من كلياتنا؛ عندما تدخل إلى حرمها، قد لا تجد من يمكسك كتابا يقرأه، إلا إذا كانت الزيارة في مرحلة الامتحانات. خارج هذه المرحلة، فأنك لن تجد من يمسك الكتاب بين الطلبة، إلا فيما ندر. والنادر لا حكم له.

ترى ما الأسباب التي جعلتنا نصل إلى هجر الكتب، وودع القراءة؟؟؟؟؟؟

يمكن أن نتحدث عن أسباب كثيرة لهذه الظاهرة منها:

الأول: ضعف الاهتمام بالقراءة في النظام التعليمي. نظامنا التعليمي، لا يولي العناية اللائقة بالكتاب، وبالقراءة. ولا يحفز عليهما، ولايدرب التلاميذ في الطور الابتدائي على حب الكتاب، وتقدير العلم، واكتساب طرق القراءة السليمة، وأثر ذلك في بناء الشخصية، وتطوير قدرات الفهم، وقدرات التفكير، وقدرات الإنتاج من حيث الكتابة والإبداع.

يعتمد التلاميذ في جميع الأطوار التعليمية، على المعرفة الجاهزة التي يقدمها الأساتذة من الكتب المدرسية. لا يدرب التلاميذ على الرجوع إلى الكتب، لمعرفتها، وقراءتها، وتلخيصها، وتنظيم مسابقات في ذلك؛ تحفيزا على القراءة والاجتهاد.

الثاني: القيم الاجتماعية، صنعت لناشئتنا نماذج للاقتداء بها من لاعبي كرة القدم، وغيرهم؛ ممن يغتنون بسرعة. صارت كرة القدم تحقق مالا يحققه العلم في عقود وعقود. صار العلم لا يحقق أحلام الشباب المرتبطة بالسيارات الفارهة، والفيلات الفاخرة. ونحن هنا لا نقلل من قيمة كرة القدم، لكن ما ينبغي لشأنها أن يعلو على مكانة العلم. فلكل مجال قيمته التي لا ينبغي أن يزيد عنها، وإلا اختل الميزان. فالدول المتقدمة؛ تقدمت بالعلم، ولم تتقدم بكرة القدم. وفي الجائحة ظهرت قيمة العلم؛ إذ به بعد توفيق الله تعالى، تغلب العالم على الفيروس.
.

الثالث: ضعف البرامج الثقافية في وسائل الإعلام.

يؤدي الإعلام دورا رياديا في نشر القيم الاجتماعية. فعندما نبحث عن البرامج التي لها علاقة بالكتاب وبالعلم؛ نجد فراغا كبيرا في هذا المجال. والناس الآن يتأثرون تأثرا كبيرا بالصورة عن طريق وسائل الإعلام. فما يظهر بقوة في هذه الوسائل، يتم الإقبال عليه بقوة، والعكس صحيح.

مطلوب من وسائل الأعلام أن تقوم بدورها في نشر العلم، والاهتمام به، وبأهله؛ لأن ما يحققه الإعلام من تأثير في المجتمع، لا يمكن تحققه الأسرة أو المدرسة. للإعلام سلطة كبيرة جدا، وقوة هائلة في توجيه ذوق المجتمع، وتربيته على القيم النافعة، والأخلاق الحسنة. فإذا حاد الإعلام عن هذه الرسالة، تجد أثر ذلك في المجتمع بشكل سلبي.

الرابع: انعدام أو ضعف الدعم المادي من قبل الوزراة الوصية على قطاع الثقافة؛ خصوصا ماتعلق من ذلك بدعم شراء الورق بالنسبة لأصحاب المطابع، ودغم أصحاب المكتبات؛ حتى تباع الكتب بأثمنة مناسبة، وملائمة للقدرة الشرائية للطبقة المتعلمة.

الخامس: ضعف اهتمام الأسر المغربية بالكتب. الأسر المغربية في الغالب الأعم تهتم كثيرا بتأثيث الدار بأحسن الأثاث، وفرشها بأفضل الفراش. واذا ما وجدت مكتبة في منزل، فستجدها في الغالب في بيت صغير معزول، بعيد الواجهة. الواجهة مخصصة أساسا وبالدرجة الأولى للصالون، وما أدراك ما الصالون،ثم ما أدراك ما الصالون.

من هنا يتبين أن الدرك الذي وصلناإليه، فيما يتعلق بالعلم، والكتاب؛ المسؤول عن ذلك: الأسرة، والمدرسة بجميع أطوارها، والمجتمع، ووسائل الإعلام، والحكومة.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، المبعوث رحمة وهدى للعالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.