منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الغريبُ (قصة قصيرة)

مجيد فلوح

1

ما هو الألم الذي يشعر به من فقد ذاكرته؟ أو جزءًا منها؟ وما هي المشقةُ التي تنزل به محاولا استحضار بعضها؟ وما هو الجهد اللازم لاسْتِعراضها؟

لا أعلم هل هذه الفُسَيْفِسَاءُ التي أرسُمها لمذكرات طفولتي تعبر عن صورتها الحقيقية، وهل هذه الكلماتُ تَنْطِقُ بحروفها الصادقة؟

هل تَلَبَّسَتِ الوقائعُ بالأحلام، وهل تَغَشَّتِ الحقيقةُ بالآمال؟

زارنا رجل، لا أستطيع وصفه، لا أتذكر مَلامِحَه، الآنَ أسألُ نفسي، لماذا؟

ألم يكن بالأهمية الكافية لأدقق في نظرات عينيه ولونهما، في شكل وجهه وملامحه، في حركات يديه، في نبرة صوته، في الكلمات التي وجهها لي..

المزيد من المشاركات
1 من 46

كما أجهل الحوار الذي دار بيني وبينه أجهلُ نوع التحية التي تبادلناها، هل ضمني إلى صدره؟ هل قبل جبيني كما كان الكبار يحبون أن يفعلوا بالصبيان؟ فراغ في ذاكرتي..

فقط، أتذكر أنه انتزعني من البيت بإذنٍ من أهله، وأخذ يجرني من يَدَيَّ، وأسير معه كما يسير الطفل مع الغريب، أخذني إلى أقرب بقال، واشترى لي أشياءً ثلاثة، أتذكرها كلها، عجيب! أتذكر تلك المشتريات، ولا أتذكر هندام الرجل ولا محياه، هل كانت أهميتها عندي أكبر !

اشترى لي علبة من الجبن، و”رايبي”، وكرة من النوع الذي يطير مع الريش..

لماذا يَنْتَقِي دماغي ذكرياتِه بهذا الشكل المُرِيع..

مناسبة الزيارة أحفظها، زارنا من أجل تقديم العزاء في موت خالي، رحمه الله..

مات خالي مِيتَةً لا يمكن نسيانها، أو هكذا أعتقد، لأن مذهب الذاكرة، وخَوَارِزْمِيَاتِ انتقائها فوق إدراكي..

اجتمعت لدينا مناسبتان، فرح وعزاء، اجتمعتا في اتحاد تام لا يمكن التفريق بينهما، ولولا الصور الشاهدةُ على هذا الاتحاد والاندماج لاتهمت الذاكرة وتلاعباتها..

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

ركبت مع الهدية المصاحبة للعروس المتوجهة إلى بيت زوجها، حيث تَعْتَزِمُ الاحتفالَ بزواجها..

كانت الشاحنة الصغيرة تحملني على ظهرها مع تلك الأشياء الثمينة والهواءُ البارد يُداعبنا، كل ذلك تحت جُنْحِ الظلام الذي كانت تنيره  النجوم وأضواء السيارات ..

تأخرت الشاحنةُ على الموكبِ السلطاني لنكون شهودا على حادثة اصطدام السيارة التي تقل خالي وبعض أصدقائه، بشاحنة كبيرة متوقفة على جانب الطريق..

مُنِعْتُ من إلقاء نظرة على المصاب الجلل، وَأُمِرْتُ أن أَلْزَمَ الصمت، وأن لا أخبر أحدا بما وقع..

بين يديَّ صورةٌ أرقص فيها، وأخرى أحمل الشمع الكبير بين يدي العروسين، وأخرياتٌ كلها تشهد على احتفالي بعرس خالتي..

أسائل تلك الصور، أسائل ذلك الطفل، كيف استطعت؟ ! ..

هل كنتُ أفعلُ كما يفعل الزومبي، أم أستأنف تمثيل مشهد مسرحي أجبرتني سلطة المخرج على تقمصه إلى أقصى حد..

عدنا بعد انتهاء الاحتفالات إلى استقبال المُعزين، وكان الزائر من بينهم..

لم أهتم بمن يكون حتى سألتني إحدى خالاتي، أتدري من الرجل؟

– عمي..

هكذا كنت أسمي جميع الغرباء، عمي كنية على الاحترام وحسن الخلق، ولقب لكل غريب..

انزعج الرجل كثيرا، كمن تلقى إهانةً لا تُغتفر..

-هذا أبوك

تخبرني خالتي الأخرى..

رفعت رأسي إلى صورة جدي المعلقةُ على الحائط، وأشرت بأصبعي وبكل ثقة، هذا أبي..

توفي جدي قبل ولادتي، ولكنه أبي وسيبقى أبي، رحمه الله..

كتم الرجل غضبه، وانصرف بغير رجعة..

تعليق 1
  1. عشور يقول

    رحم الله هذا الغريب وغفر الله له واسكنه فسيح جناته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.